الرئيسية / وجهات نظر / ملك المغرب ينهي الجدل
38b9e51f5224ed8aa6fa8dfaa4bee2a2

ملك المغرب ينهي الجدل

وقع الملك المغربي محمد السادس مرسوماً ملكياً، يمنع فيه الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهام الدينية من «ممارسة أي نشاط سياسي»، ومنع «اتخاذ أي موقف سياسي أو نقابي».
كما تضمن هذا القانون تفاصيل أخرى مثل دعوة العاملين في الحقل الديني إلى «التحلي بصفات الوقار والاستقامة والمروءة» ومنعهم من «مزاولة أي نشاط» مدر للمال في القطاع الحكومي أو الخاص، إلا بـ “ترخيص مكتوب من الحكومة» مع استثناء «الأعمال العلمية والفكرية والإبداعية» التي لا «تتعارض مع طبيعة» مهام رجل الدين.
ويهدف هذا القانون الجريء إلى جعل العاملين في الحقل الديني يركزون على مهمة رئيسية واحدة وهي «بناء مجتمع متضامن، متمسك بمقوماته الروحية ومتفتح على روح العصر» ومبتعد عن «كل تعصب أو غلو أو تطرف»..
هذا هو موجز الخبر، ولكن ما وراءه شجاعة نادرة في بلاد العرب والمسلمين، حسمت بشكل نهائي هذا الخلط بين المجالين الديني والسياسي، ووضعت حداً لاستغلال الدين وتوظيفه لخدمة الأهداف الحزبية، وقطع الطريق أمام لعبة الذهاب إلى السياسية من خلال الدين، وهي اللعبة التي درجت لعبها بشطارة فائقة «قيادات دينية» استغلت المنبر الديني والخطاب الديني لتتحول من خلالهما إلى قيادات سياسية، حتى أصبحت خطبة الجمعة عند أحد المراجع الدينية (الذي يفترض به أن يشتغل في المجال الفقهي والوعظي والإرشادي) إلى بيان سياسي أسبوعي تعتبره الجمعيات المعارضة أجندة عملها الأسبوعية وخارطة طريقها، تتحرك في ضوئها في الداخل والخارج، لتكون البيانات والتجمهرات والمسيرات والتصريحات مجرد تفاصيل لتلك الخطبة.
ومع أن هذه الحقيقة الساطعة مخالفة لمنطق الدين ولمنطق السياسة معاً، فإن بعض الذين يتصدون للحديث عن الدولة المدنية وعن الديمقراطية وهم في موقع التبعية (الأيديولوجية والسياسية) للمراجع الدينية، ينكرون هذه الحقيقة، مع أنهم يلمسون كيف تحولت خطبة الجمعة إلى مجرد خطاب سياسي يتحصن بالدين ليحصل على (الحصانة) باعتباره خطاب إيمان صادر عن (قائد مؤمن) ومنزه.. (هكذا!!).
والحقيقة أنه لا يمكن وضع الخطاب الديني جميعه تحت عنوان واحد لوجود مساحة واسعة من اللغة والأفكار والمواقف والرؤى التي تفصل بين تنويعاته ومرجعياته المختلفة الى حد التعارض، والتي يضيع بينها المسلم الذي بات لا يدري أين يقف منها.. ومع ذلك يمكننا ان نميز مبدئيا بين نمطين من هذا الخطاب التي يستظل بالمنطق الديني يلتقيان بالرغم من الاختلاف في الشكل والمظهر واللغة: خطاب الاتباع وخطاب الإقصاء اللذين يعبران عن أقصى مظاهر التأزم لاشتراكهما في الميل نحو ادعاء احتكار الحقيقة والتعبير عن الإسلام «الأصلي» وادعاء النيابة عن الأمة وامتلاك القدرة على فرز المجتمع على أساس مؤمنين وغير مؤمنين.. ولذلك لا يطرحان في العادة سوى الأسئلة البعيدة عن حقيقة أزمة المجتمع، يتحدثان عن الهوية والتغريب والإيمان والكفر والخلافة والأمة، بدلاً من الاستجابة لتحدي واقع معقد تتقاذفه مصادر تأثير مختلفة متباينة، تتصدرها أسئلة التنمية والتحرر وهموم الناس التي تعاين بتوجس وارتباك واقعاً مرتبكاً، متشنجاً تخترقه التناقضات السياسة ومصاعب التنمية..
وهذا لا يعني ان أسئلة الهوية المرتبطة مباشرة بالانشغال الديني لا يمكن أن تلح علينا كأفراد وكمجتمع مسلم، بل ما فتئت تتوسع وتتجذّر في مواجهة تحديات الحداثة والتقدم والمواطنية العالمية وليس بموازاة الكفر والايمان مثلما يحاول الضالعون في طرح الاسئلة المزيفة، فهذا المجتمع المسلم ليس في حاجة الى من يذكره بحقيقة هويته، فقد حافظ المسلم على الإسلام 15 قرناً في العقول والقلوب في مواجهة الحملات والاستعمار.
وفي ظل هذا الواقع المرتبك تحول الخطاب الديني إلى موقع الصدارة، واستولى على المجالين الروحي والزمني في ذات الوقت، وتحول رجال الدين من فقهاء ومرشدين ووعاظ ومعلمين للمؤمنين أصول دينهم القائم على الرحمة والمحبة والخير والسلام والتسامح والتضامن، إلى زعماء سياسيين، يدعون إلى مقاطعة الانتخابات أو المشاركة فيها (استناداً إلى أنهم يقدرون المصلحة الزمنية للأمة)، ولذلك نجدهم يطلقون الأوصاف على الجماعات السياسية (جماعة مؤمنة – جماعة كافرة) ويمنحون مفاتيح الجنة وصكوك الغفران،..
هذا الخلط أنشأ في السنوات الأخيرة حالة من الازدواجية والفوضى في الخطاب الديني والتصورات والرؤى والبرامج السياسية (الدينية) للتيارات والجماعات الدينية والتي تصنف اليوم ضمن تيارات الاسلام السياسي التي وسمت العقدين الاخيرين بسمات التطرف وتبرير العنف في اطار رد الفعل على التدخل الخارجي في بلاد المسلمين، ونتيجة لفقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الإحباط بين الجماهير، حيث ساد لفترة تفسير متشدد للنص الديني، يدور حول أفكار مثل التكفير والتغيير بالقوة والإقصاء وتقديس المرجعيات وتسليم الأمر لها دون تفكير أو تحليل، وقد تنتهي النزعة الإقصائية الى التكفير المنتهي بدوره الى مصادرة حق المخالف في الراي وتكفيره واستباحة دمه وماله. وهكذا أصبحنا نعيش في ظل هذه الثنائية وهذا الخلط حالة من عمى الألوان وحالة من العجز عن مواجهة الخطاب السياسي (الزمني) ونقده لأنه أصبح ملتبساً بالدين، وبدلا من أن يتعلم الناس على مواجهة السياسي ومحاسبته من منطلق نسبية الحقيقة والاجتهاد أصبحوا يبصمون بالعشرة على أي ترهات لمجرد صدورها عن رجال دين أو انطلاقها من فضاء ديني له مكانته، فتنشأ نوع من المفارقة، بين ربط سلطة المقدس والمطلق، وسلطة الزمني السياسي، بما يجعل القرار السياسي والتشريعي الديمقراطي (الانتخاب أو الاستفتاء أو القانون) مقيدا بمباركة وموافقة أو عدم موافقة الفقيه المرشد المقدس، (سواء أكان وليا أم غير ولي) بغض النظر عن مدى العلم الذي يمتلكه ويحوزه.!! والسؤال نفسه يمكن طرحه بصيغته الأخرى: أيهما أهم في المنظومة والهيكلية السياسية (الديمقراطية) في ظل حكم الإسلاميين (من داخل او خارج منظومة الولي الفقيه): «المنتخب» أم المرشد أو المرجع الديني الذي بيده الحل والربط؟؟ بما ينفي في النهاية أي معنى للديمقراطية و يفرغها من محتواها أو يلغيها في النهاية.
وبالعودة إلى القانون المغربي الذي جاء في سياق إصلاحات الحقل الديني التي انطلقت في أعقاب أول تفجيرات إرهابية هزت مدينة الدار البيضاء في ربيع العام 2003. فإنه من المهم أن نمتلك مثل هذه الجرأة في إصدار تشريع مماثل ينهي لعبة الذهاب إلى السياسة من خلال الدين.. فما أحوجنا إلى ذلك اليوم وليس غدا!
“الأيام” البحرينية