الرئيسية / وجهات نظر / تونس… برود المشاعر وحرارة الشعارات
abdad7e2baffe285054c300aa4f02328

تونس… برود المشاعر وحرارة الشعارات

في السابع من ايار/مايو الماضي نشرت صحيفة «المغرب» الصادرة بتونس مقابلة مع الدكتور يوسف الصديق. الدكتور وصفته الصحيفة بانه انثروبولوجي متخصص في اليونان القديمة، له كتب وبحوث ودراسات منشورة باللغة الفرنسية متعلــــقة بالحقل القرآني وتوابعه الثقافية، وقد اختار في نهاية اللقاء ان يقدم حلا ديمقراطيا فريدا ومبتكرا للازمة المالية التي تتخبط فيها البلاد قائلا بالحرف «نحن الان نشتكي من انخفاض مزعج في العملة الصعبة، البلد عاجز ولا يستطيع اليه سبيلا فما بالك بالفرد؟ في انتظار ان ينتعش الاقتصاد لابد ان ننتظر ثلاث او اربع او خمس سنوات حتى ينتعش الاقتصاد. انا اقترح ان نقوم باستفتاء حول منع الحج الى ان ينتعش الاقتصاد مرة اخرى.. واظن ان الشعب التونسي سيوافق على هذا».
مقترح الدكتور الذي لا يبدو ان احـــدا قد اهــــتم به او ناقشه بجدية هو انعكاس بسيط لما تعيشه تونس من تخبط وسوء فهم وادراك لتلك الديمقراطية، التي هبـــت بشـــــكل سريع ومباغت فتحولـت لدى كثيرين الى نوع من المساءلة الهستيرية العمياء لكل الثوابت والروابط الدينية واللغوية والحضارية، تحت مبررات واهية وموهومة وهي ان الشعب هو من يريد ويقرر، في كل حين بلا قيد ولا استثناء.
الولع العربي المفاجئ والاعمى بالانتخابات والاستفتاءات لم تعد له حدود ومجرد اجرائها صار اشبه بالفتح العظيم أو النصر المؤزر، وبمثابة المفتاح السحري لحل الازمات السياسية والاقتصادية العويصة. هذا الولع الزائد يقابل بفتور وحتى ريبة وتشكيك من شعوب لدغت طويلا بـ»هيصة» الانتخابات الشكلية سيئة الاخراج ومحسومة النتائج. قد لا يبتعد الجدل الدائر الان في تونس كثيرا عن تلك الصورة المهزوزة. فالتصريحات الاخيرة لزعماء نداء تونس والجبهة الشعبية، من ان ضعف الاقبال على التسجيل في الانتخابات المرتقبة سوف يكون «كارثة انتخابية» تعيد الاسلاميين الى الحكم، اصابت الكثيرين بالصدمة من الاسلوب الذي ينظر به جانب واسع من النخب الفكرية والسياسية للانتخابات، باعتبارها فقط وسيلة ناعمة ومتحضرة تقصي الخصوم وتمهد الطريق نحو الاستئثار المؤبد بالسلطة. ضعف التسجيل او ضعف الاقبال لا يمكن ان يكون بحسب هؤلاء رد فعل طبيعي للوعي المفقود للناس بفضائل الديمقراطية ونعمها، بل هو وبكل بساطة مؤامرة شيطانية محبكة الخيوط مدبرة بليل من اجل التلاعب بالنتائج الافتراضية التي تمنحهم صدارة المشهد ورقاب الناس ومصائرهم.
ما يعيشه السياسيون من انفصام عضوي حاد عن الواقع لا يعني، مثلما يصوره البعض من باب التزلف او النفاق، ان الشعوب قد ارتقت فوق مستوى ادراك ووعي نخبها او قادتها. لا شيء على الارض قد يؤشر من قريب او من بعيد الى تلك الفرضية الوردية. اما اخر ما قد يدل على انها تبقى مجرد وهم حالم فهي المجازر المريعة التي تحصل الان في غزة والتفاعل الرسمي والشعبي معها. بيانات الادانة والاستنكار والدعوات الى ضبط النفس وطلبات عقد جلسة عاجلة واستثنائية لمجلس الامن، هي اقصى ما يمكن ان يصدر عن النظام الرسمي العربي، وهو ما اعتاد الجميع عليه. اما في تونس فالديمقراطية الوليدة صارت تسمح بالتظاهر، لكن مظاهرات الاحزاب تحولت للاسف الشديد منبرا اضافيا لتبادل الاتهامات. قادة حركة النهضة الاسلامية ممن شاركوا في مسيرتها الداعمة لغزة لم يفوتوا الفرصة ليشيروا الى ان ربع اعضاء الحكومة التونسية كان في زيارة مستشفى الشفاء في غزة في اوج العدوان الاسرائيلي على القطاع اواخر عام 2012، اي في سنوات حكمهم.
اما الطرف الاخر اي المعارض فقد عاد للتذكير بان الاسلاميين هم من تصدى لتجريم التطبيع مع الاسرائيليين في الدستور، مناديا بالاسراع في سن قانون التجريم بعد خلو نص الدستور من تلك الاشارة. هل كانت الزيارة تكفي اذن، أم ان التجريم في الدستور كان هو الحل، أم ان ما صرح به رئيس حكومة التكنوقراط، بعد حضوره حفل افتتاح مهرجان قرطاج، من انه اوصى مديرة المهرجان ووزير الثقافة بتخصيص جزء من عائدات الحفل لغزة، وانه سوف يرسل الى اهلها شحنة من الدواء هو بالفعل اقصى ما يمكن ان تذهب اليه تونس في مناصرتها ودعمها للشعب الفلسطيني؟
في تصريح المسؤول التونسي بعض الجواب، فقد اردف كلماته بالقول بان «الحياة سوف تستمر…»، أي ان التونسيين سوف يواصلون حياتهم بلا ازعاج اضافي آخر، بعد ان ارهقتهم الاخبار عن اقتراب داعش من حدودهم وتصاعد المخاوف من عودة مقاتليهم من سوريا ومن ضربات الاشباح التي تصعد وتنزل من الجبال الغربية واليها. ليس مستبعدا اذن ان تتمدد حالة من البرود رغم حرارة الشعارات التي ترفعها اعداد محدودة من التونسيين، اختارت ان تستبدل سهرات المهرجانات بالخروج في وقفات او مسيرات تضامنية. لم يحتشد الناس قبل ذلك للتنديد باستقبال السياح اليهود منذ اسابيع قليلة بجوازات سفرهم الاسرائيلية، في سابقة هي الاولى في تاريخ تونس، ولم يسأل احد عن مصير الثلاثين فلسطينيا الذين منحتهم السلطات بعد ضغوطات حقوقية واعلامية تأشيرات اقامة صالحة لشهر واحد.
اما الان فليس بالامكان الصمت لمجرد ان العادة او التقليد يفترض ذلك، مثلما ان الحسابات والتكتيكات السياسية تدفع بالنخب لترديد شعارات لا ينجح الحماس الاصطناعي المغشوش امام شاشات التلفزيون في مداراة نفاقها أو اخفائه. لقد وصف الدكتور محمود الذوادي وهو عالم اجتماع مرموق شخصية التونسي بـ»المستنفرة» وبان سمة الاستنفار تجعل سلوكه في تعامله مع التونسي الاخر يتصف عموما بالحذر والتوتر والخوف والتوجس وضعف الارتياح او فقدانه. هذه الشخصية التي لم تستطع بعد ان تخرج من رواسب الاستبداد هي ايضا شخصية منكوبة مقطعة الاوصال والروابط لا شيء يشدها الى ماضيها ولا مشاعر قوية تجمعها بمن يشترك معها في العرق واللغة او الدين.
فصلت تونس خلال العقود الاخيرة عن التاريخ والجغرافيا وتحولت الى جزيرة نائية معزولة لا يشغلها غير تأمين قوت تقتطع عصابات الحكم النصيب الاكبر منه، والحذر من غدر الجيران واطماعهم فيها. ردد الرئيس المخلوع بن علي امام الزعيم عرفات طويلا بان القضية الفلسطينية هي قضيته الشخصية، وفتحت تونس قبل ذلك ارضها امام الفلسطينيين بعد حصار بيروت في 1982، ودفعت ثمنا بقصف حمام الشط في 1985. وقبل ذلك وبعده فعل التشويه الثقافي والحضاري فعله، فاندفع الناس حتــــى بعد ســـقوط رؤوس الاستبداد وراء لقمة عيش ازدادت وعورة وصعوبة وانقادت دولتهم للبحث عن طرق للخلاص من ازماتها بعيدا عن قيم ومبادئ لم تعد تغري الكثيرين بالانجذاب اليها والسير على هديها.
لقد كتب مدير صحيفة يومية في تونس معلقا على انتخاب السيسي في مصر»مرة اخرى اقول لك ولنفسي ولكل من يحشر انفه في الشأن المصري، واحنا مالنا يا حبيبي». حتى الان لا احد باستطاعته ان يعلق بنفس الاسلوب على المجازر المريعة في غزة. ولم يصل الاعلام التونسي بعد الى درجة يوجه فيها اتهاما مباشرا او يحمل من خلالها الجزء الاكبر من المسؤولية عما يحدث من خراب ودمار لحماس، مثلما تفعل معظم وسائل الاعلام في مصر.
لكن هل تضيف كلمات التضـــامن الباردة والتقليدية شيئا للتونسيين قبل الفلسطينيين، وهل سنسمع يوما عن دعوة اخرى للاستفتاء على حب فلسطين وكره الاسرائيليين هذه المرة بعد دعوة الاستفتاء على الحج؟ من يدري فللديمقراطية في تونس احكامها العجيبة المفتوحة على كل احتمال.
“القدس العربي”