الرئيسية / وجهات نظر / تعثر المعارضة في المغرب
8d25a0f56e6ec399eed436947a6c3bae

تعثر المعارضة في المغرب

من نافلة القول، ومن أبجديات الوجود السياسي، أن المعارضة أمر ضروري للممارسة الديمقراطية السليمة. ولست أريد لنعت الضروري أن يرسل على عواهنه (كما نجد، للأسف، على لسان الكثيرين)، وإنما أقصد بالضروري الأمر الحيوي الذي لا تستقيم الحياة من دونه – وفي اللغة العربية تشترك الضرورة والاضطرار في الجذر وفي المعنى معا.
وفي الديمقراطيات العريقة تقاس قوة الديمقراطية الحق وضعفها ليس بوجود المعارضة فحسب، بل بحيويتها وحدتها معا. تمتلك الأغلبية السلطة التنفيذية بموجب آليات أوصلتها إلى ذلك، فهي تتحدث وتحكم بموجب القوة والشرعية اللتين أكسبتها إياهما أصوات الناخبين التي قررت الموافقة على البرنامج السياسي الذي تقترحه وعلى مجمل الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والتوجه الثقافي (وهذا الأخير يتوسع في النظر السياسي المعاصر ليشمل البرنامج البيئي أو الإيكولوجي). بيد أن الديمقراطية الحق تعني وجود القوة (أو القوى السياسية المعارضة)، التي تمتلك برنامجا سياسيا بديلا وتتوفر على رؤية واضحة متكاملة.
وفي عبارة أخرى نقول إن وظيفة المعارضة، وما به تقاس حيويتها، هي قدرتها على الإسهام في تحقيق الوجود الديمقراطي وقيام الوجود السياسي السليم، ومن ثم الوجود الضروري للمكونات التي تجعل الاجتماع البشري ممكنا في إطار دولة معلومة وعند مواطنين ينتمون إلى تلك الدولة. لا يكفي في عمل المعارضة أن تحرص على مراقبة أداء السلطة التنفيذية، ولا يكمن دورها في إظهار جوانب الضعف والخطأ في مختلف عناصر الأداء الحكومي (القطاعات الحكومية المختلفة)، بل إن المطلوب منها هو أن تكون قادرة على تقديم البدائل في عمل الحكومة في القطاعات الحكومية المختلفة.
المعارضة الحق مراقبة، فعلا، ومواكبة بالنقد والاعتراض حتى لا تتغول السلطة التنفيذية أو تجنح إلى التسلط على الأدوار المناطة بعمل السلطة التشريعية أو بوظيفة ومجال السلطة القضائية – وهذا هو الأدهى والأمر، لكنها ليست ذلك كله فحسب. هي ليست ذلك فحسب، إذ المفترض في الوجود السياسي الطبيعي وفي الممارسة الديمقراطية السليمة توافر قوى تقوم بعمل المراقبة والاعتراض أو بدور القوى المضادة: وتلك أدوار الصحافة، وجمعيات المجتمع المدني، والمثقفين الذين يقدرون المسؤولية الأخلاقية التي يطوقهم بها علمهم ووعيهم حق قدرها، واعتبارهم مرآة الأمة وضميرها معا. أما المعارضة في المعنى المعتاد فالقصد منها اعتراض قوى المجتمع السياسي التي توجد خارج دائرة السلطة التنفيذية في دولة من الدول، داخل نظام سياسي معلوم، وتعمل وفقا للشروط التي تقرها الدساتير وتضبطها بنود القوانين في تلك الدول.
هذه الصورة البسيطة الواضحة هي كذلك في الديمقراطيات العريقة، وكل من المجتمع السياسي والمجتمع المدني يحرص على قيامها. من الجرائد الفرنسية الأسبوعية الساخرة، إن لم تكن أشهرها على الإطلاق، جريدة «لوكنار أونشيني» – وعلى عهد الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول أقدمت السلطة الحكومية الفرنسية على توقيف الجريدة المذكورة، ربما لأن الحكومة قدرت أنها قد ذهبت بعيدا في التنكيت على ديغول. ومن المواقف المأثورة عن الرئيس الفرنسي الذائع الصيت إلغاؤه قرار توقيف «لوكنار أونشيني» واعتباره المنع قتلا أو إقبارا للديمقراطية في فرنسا. أما في الدول التي تنتفي فيها الديمقراطية جملة وتفصيلا، فإن المعارضة تدخل في عداد ما لا يمكن التفكير فيه (كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو)، في حين أن الدول التي تقف من الديمقراطية موقف الخشية والتردد فالموقف فيها من المعارضة شأن آخر.
لكن الأمر ليس كذلك فحسب، فهو لا يرجع إلى الدولة وحدها، فهي ترفض آليات العمل الديمقراطي، وهي تقيم في وجهها الحاجز والمتاريس، ولا يقف عند القوة التي تمتلكها السلطة التنفيذية، فهي تعترض على عمل المعارضة بكل وسيلة وسبيل.. بل إن جوانب قوية من الخلل تكمن في المعارضة ذاتها. وفي هذا الصدد يتعين التمييز في الواقع بين الخلل الذي هو نتيجة أزمة تنظيمية أو مرحلة ظرفية، وبين الخلل إذ يكون خللا بنيويا متحكما.
ما الشأن بالنسبة للمعارضة في المغرب في الوقت الحالي تحديدا؟
لعل السمة الأولى للمعارضة في المغرب اليوم هي سمة المماثلة العجيبة بين مكونات كل من الأغلبية والمعارضة: ذلك أن هنالك في كلتا الجهتين «يمينا» و«يسارا» (متى شئنا أن نأخذ بالتصنيف القديم الذي ينسب الأحزاب الاشتراكية، أو الأحزاب ذات التوجه الاشتراكي إلى اليسار) وهذا من جهة أولى. كما أن هناك، من جهة ثانية، أحزابا لا تزال تحرص على القول إنها تنتمي إلى نفس التوجه الآيديولوجي أو إنها – على أقل تقدير – تصدر عن توجه واحد في عمقه: بعض هذه الأحزاب يوجد في المعارضة، والبعض الآخر منها يشكل جزءا من الأغلبية (أو بالأحرى الائتلاف الحكومي بين مكونات متباينة). ذلك أن كلا من الاتحاد الاشتراكي (الموجود في المعارضة اليوم) والتقدم والاشتراكية (المنبثق عن الحزب الشيوعي المغربي القديم) هو اليوم أحد مكونات الأغلبية، وهذه يقودها – كما هو معلوم – حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي. ولا يزال الحديث في أوساط اشتراكية في المغرب عن حلم أو أمل في انتظام الأحزاب الاشتراكية في ائتلاف يعتبر حزب التقدم والاشتراكية مكونا أساسيا فيه.
وفي المغرب لا يختفي الحديث عن الكتلة الديمقراطية إلا ليظهر مرة أخرى، في فترات معلومة، والحال أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يوجد في المعارضة بجانب حزب الاستقلال. يضاف إلى ما ذكرت أمر غريب آخر هو أن البرنامج الحكومي الحالي (في توجهاته الكبرى وفي خطوطه العريضة) قد أسهم فيه حزب الاستقلال، ثم إن هذا الحزب الأخير قد انسحب إلى المعارضة، وظلت الأغلبية كذلك، إذ التحق بالحكومة حزب آخر هو التجمع الوطني للأحرار – وهذا الأخير كان في تحالف قوي مع أحزاب ظلت في المعارضة، بل إنه كان قاب قوسين أو أدنى من الانصهار في الحزب الجديد.
هي إذن صورة مبهمة يغيب فيها منطق الاجتماع والافتراق على أسس مذهبية، وتحضر فيها دواع على أسس مصلحية حزبية شديدة الضيق. هذا الاضطراب أبانت عنه المؤتمرات التي عقدتها خلال السنتين الماضيتين الأحزاب التي تشكل مادة الكتلة الديمقراطية. أتى خروج حزب الاستقلال من الحكومة الحالية (وقد كان المكون الأساسي في ائتلافها) بعد الظروف المبهمة الشائكة التي انعقد فيها المؤتمر الأخير الذي تميز بخروق قانونية عجز القضاء عن البت فيها.
إذا كنا في عنوان هذا المقال ننعت المعارضة في المغرب بالتعثر، فإن في ما ذكرنا بعضا من الأسباب التي تشرح أسباب التعثر الفعلي لا المتوهم.
“الشرق الأوسط”