الرئيسية / وجهات نظر / هل العبرة في تونس بالنتائج فقط؟
الباجي قائد السبسي

هل العبرة في تونس بالنتائج فقط؟

يكشف الباجي قائد السبسي بعضا من أسرار برنامجه اليومي. ويخبر المستمعين في اللحظات الأولى لمقابلة أجرتها معه قبل أيام ثلاثة محطات إذاعية محلية، أنه لا يمضي القسم الاكبر من وقته في النوم، كما يفعل معظم ابناء شعبه، بل يصحو في الرابعة فجرا ليشرب القهوة مع زوجته ويقرأ الصحف اليومية ثم يغادر بعدها نحو مكتبه في القصر.
ويسترسل الرئيس في الكلام وسط دهشة ثلاثة مذيعين حضروا في ساعة مبكرة من الصباح للقائه، في جلسة نقلتها محطاتهم مباشرة على الهواء، ليطلب منهم بشيء من الكياسة والدبلوماسية أن يسمحوا له بأن يبعث تحية لابناء شعبه الذين ينهضون باكرا مثله ليقصدوا أعمالهم ووظائفهم. لكن ما يعكر هدوء الجلسة وصفاءها هو سؤال واحد من المذيعين الثلاثة عما يفعله الذين لا ينهضون باكرا؟ لأنهم لا يملكون شغلا، ما يدفع الضيف لأن يرد بشكل مختصر وصارم بأنه ينبغي عليهم مزيد الانتظار حتى يجدوا عملا مناسبا.
وبالطبع كانت دعوة الانتظار والصبر الجديدة شبيهة بدعوات اخرى وجهها الرئيس أو وجهتها الحكومة في السابق إلى الشعب وصارت بمثابة اللعنة التي تطارد السياسيين وتجلب لهم حنق وغضب البعض وتجاهل وتندر الآخر. وليس من الواضح أن ما كشفه الرئيس حول تفاصيل نهوضه الباكر سوف يضع حدا لهواجس ومخاوف لازالت تسيطر على الناس، أو أنه سوف يبدد حالة القلق التي تظهر على وجوه الكثيرين كلما فكروا في المستقبل الغامض والمجهول لبلد أمكنه رغم كل الاخفاقات والخيبات أن يخرج بأقل الاضرار وأوهنها وطأة، من عواصف عاتية دمرت وضربت أكثر من مكان في محيطه البعيد والقريب. والمفارقة أن الكل تقريبا يعلم ويقر بذلك، بل أن اكثر جملة رددها قائد السبسي نفسه في حواره الصباحي للمحطات الاذاعية الثلاث هي أن «العبرة دوما بالنتائج»، لانه ليس ممكنا لأحد أن يتوقع أن يطول صبر الناس على حكامهم ويقتنعوا بكل يسر وسهولة بالصعوبات والعقبات التي تقف في طريقهم حتى يحققوا بعضا من الوعود السخية التي أطلقوها خلال حملاتهم الانتخابية على أرض الواقع، لمجرد انهم يعتقدون في حسن ادائهم وصدق نواياهم.

إقرأ أيضا: قايد السبسي: “الربيع العربي مصطلح خلقه الأوروبيون”

الغريب في الامر أن ذلك المنطق البراغماتي الذي يجد هوى وصدى واسعا في تونس، ويتبناه المعارضون والموالون معا لا يترجم بشكل عملي وفوري إلا متى تعلق الامر بتصريف الشؤون اليومية للناس أو تدبير قوتهم ومعاشهم. ففي تلك الحالة وحدها لا ينظر الجمهور إلا إلى النتائج العاجلة والفورية والكسب السريع الذي سيتحقق بدون الالتفات إلى التفاصيل أو البحث عن الأسباب وفهم الظروف. ولكن ذلك المنطق سرعان ما يتلاشى ويغيب بسرعة البرق متى دخل الفرز الايديولوجي والسياسي على الخط.
المثال الاكبر في التاريخ التونسي المعاصر هو ما حصل ويحصل مع أقوى وأبرز الحركات الإسلامية في البلد. فقد ظلت منذ ظهورها بشكل رسمي مطلع الثمانينيات محل مساومة وتشكيك دائم في وطنية المنتسبين لها، وبقيت نتيجة لذلك تهم الارتباط بالخارج أو العمالة لقوى اقليمية ودولية تلاحقها بشكل مستمر، رغم انه لم يثبت بشكل مادي في أي وقت من الاوقات أنهم مرتبطون بشكل مباشر بأي جهة اجنبية تعادي الدولة أو تصنف مناوئة لها. ولكن السلطة حصرت كل الاشكال في المرجعية الاسلامية التي اعتمدها هؤلاء كقاعدة لنشاطهم الفكري والسياسي وعملت على تصويرها كستار وهمي مغشوش تستخدمه تلك الجماعة للتمرد على قوانين الدولة وعلى خياراتها وتوجهاتها المجتمعية، والانقلاب على السلطة لافتكاكها والاستيلاء عليها بقوة السلاح. ولم يكن قبول حركة الاتجاه الاسلامي التي تحول اسمها مطلع التسعينيات إلى «حركة النهضة» بالقوانين والتشريعات الموجودة، بما فيها مدونة الأحوال الشخصية التي رأى فيها إسلاميون آخرون في الشرق تعارضا صريحا مع تعاليم الاسلام، سببا كافيا للتراجع عن تلك النظرة التي زادت في تعميق هوة سحيقة فصلت بين دولة كليانية ترفض التعدد والاختلاف وجزء من ابنائها الذين وجدوا انفسهم، إما داخل المعتقلات والسجون أو في المهاجر والمنافي البعيدة. هل كان الخلاف الذي برز بشكله الحاد والعنيف اوائل التسعينيات كنزال مدمر صراعا كلاسيكيا على السلطة لا يختلف كثيرا عما يجري عادة في دول الاستبداد؟ أم كان مواجهة مصيرية بين طرفين هما، الدولة والاسلاميين لا مجال أو مكان فيها سوى لانتصار ساحق أحدهما على الآخر، مهما كانت الأساليب والعواقب؟ في ندوة نظمها مطلع فبراير الماضي «مركز الاسلام والديمقراطية»، ذكر القيادي البارز في حركة النهضة العجمي الوريمي أن تلك المواجهة كانت حتمية بسبب ما وصفها بعوامل داخلية واخرى خارجية. وحصر العوامل الداخلية في «ان التيار الاسلامي واجه يسارا ايديولوجيا إقصائيا وحكما فرديا إقصائيا»، كما قال. والخارجية «في الثورة الاسلامية الايرانية وكذلك الغرب»، وهي عوامل لم تكن مساعدة وفقا لتقديره «على تخفيف التوتر بين الدولة والاسلاميين وحولتها إلى علاقة صراع وتناف». ولكن المفاجأة التي أدهشت العالم والتونسيين بوجه خاص، هي أن نهاية القصة لم تكن مطابقة لما توقعه وخطط له بن علي طوال سنوات حكمه المديدة، أي تبخر الإسلاميين وانقراض سلالتهم بالكامل، بعد أن جرب معهم أسلوب العصا الغليظة والقبضة الحديدية، في أول عهده، ثم ارخى لهم بعض الحبال القصيرة في نهايته، وطبق بصرامة سياسة سماها «تجفيف المنابع» أقصت كل نفس ديني من مناهج التربية والتعليم وباقي محاور الحياة العامة. ولأن العبرة بالنتائج على رأي الرئيس قائد السبسي فقد جاءت النتائج هنا معاكسة للأهداف المرسومة التي انتظرها الماسكون بزمام الدولة.
ما حصل هو أن حركة النهضة انتقلت في ظرف وجيز من خانة «الاسلام الاحتجاجي»، كما وصفها يوما الدكتور عبد الباقي الهرماسي، إلى مرتبة الشريك المميز والرفيع في السلطة. وهو انتقال دراماتيكي بالغ الثقل والأهمية قلب الادوار رأسا على عقب، وحول الطرف المتحصن والمدافع في السابق إلى فاعل ومبادر ومسؤول على الحاضر والمستقبل. هل كان الامر صفقة محسوبة أو معاهدة سلام بارد بين عدوين لدودين وشرسين اتفقا في لحظة مكاشفة مع الواقع المحلي والاقليمي على انه لا مناص لهما من الخروج السريع والآمن من حالة الصدام والنزاع إلى مرحلة التوافق والتعايش؟
هنا يعود الجميع إلى المقولة الشهيرة لقائد السبسي ليجدوا أن العبرة هي بالفعل فقط بالنتائج. والنتائج هنا لا تبدو على الجانبين واحدة. فهي باهتة وبدون المنتظر في ذهن الرئيس الذي قبل مقتنعا أو منصاعا لرغبة صناديق الاقتراع ألا ينفرد بالسلطة ويشرك خصوم الأمس فيها، ومبهرة وجذابة وجديرة بالاقتداء لدى الطرف المقابل الذي يراها دليلا اضافيا على أن الخلل لم يكن في وجود الاسلاميين في السلطة وشكل وطبيعة ادائهم خلال سنوات حكمهم، بقدر ما كان ولا يزال في حرص خصومهم على إبعادهم وإقصائهم من ركوب ما يصفه الشيخ راشد الغنوشي بسفينة الوطن، التي تسع جميع ابنائه. الحل بنظر الرئيس مثلما لمح أكثر من مرة في حواره الاذاعي الاخير، يمر عبر تنقيح الدستور لتوسيع صلاحياته، بضم سلطات اضافية استأثر بها رئيس الحكومة في النص الجديد والحل بنظر الاسلاميين هو الابقاء على الحد الضروري الأدنى من السلطة في ايديهم، وعدم البحث عن توسيع نطاق نفوذهم داخل الحكومة، رغم امتلاكهم لاغلبية مقاعد البرلمان. أما كيف ينظر التونسيون إلى كل ذلك الخليط السريالي الهجين، فالمؤكد أن الكثير منهم لن يرتاح للتفاصيل التي كشفها الرئيس حول برنامجه اليومي لانهم سيزدادون اقتناعا بأن العبرة هنا بالتحديد ليست فقط بالنتائج بل هي ملك لمن ينهض باكرا للبحث عنها. وتلك خصال صارت نادرة وشبه مفقودة في تونس بعد أن ارتفعت قيمة النوم وحطمت اسهمه كل الارقام القياسية.

كاتب وصحافي من تونس/”القدس العربي”