الرئيسية / وجهات نظر / ” بنقردان أولاً”: علاقة الإرهاب بالتهريب
الإرهاب

” بنقردان أولاً”: علاقة الإرهاب بالتهريب

انتهت العملية العسكرية في المواجهات مع إرهابيين في بنقردان ، ولملمت المدينة التونسية جراحها، ودفنت شهداءها، على الرغم من استمرار عمليات المداهمات التي طاولت مخازن السلاح، وبيوت المشتبه فيهم، مع اندلاع اشتباكاتٍ متقطعة، من حين إلى آخر، بين قوات الأمن والعناصر الإرهابية. ومع ذلك، ظلت بعض الحقائق بشأن هوية المنفذين ودوافعهم تنجلي تدريجياً، على الرغم من شحّ المعلومات، خصوصاً بعد تشريح الجثث والتحاليل الجينية التي أنجزت، إذ بان أن جلهم تونسيون، بل من أبناء المدينة نفسها، أو ما جاورها من قرى ومحافظات، على غرار سيدي بوزيد والقيروان والقصرين. ومع ذلك، فإن التخمينات التي تدور حول الدوافع والأطراف التي تآمرت وارتكبت هذه الجريمة غامضة، وهي تدور حول فرضيتين كبريين: الأولى تفيد بأن المجموعة كانت تنوي إعلان إمارة داعشية، ما إن يتم الاستيلاء على المدينة، في حين أن الثانية تدور حول رغبة المجموعة في إجراء اختبارٍ، ولو كان دامياً وعسيرا حول قدرة القوات الأمنية والعسكرية التونسية على المواجهة وجهوزيتها، إلى جانب امتحان موقف السكان المحليين، في ظل انتشار أفكار غائمة حول تبرّمهم من الستار الترابي العازل الذي ضيّق عليهم معاشهم، وهم الذين يعيشون على اقتصاد التهريب إلى حد كبير. وربما ذلك ما يفسّر الشائعتين الكبيرتين اللتين ظلتا تتردّدان في الوقت نفسه، على الرغم من تعارضهما تعارضا مطلقاً: تقول الأولى إن الهجوم الإرهابي تم بالتعاون مع بارونات التهريب الذين تضرّروا كثيراً، كما أشرنا سابقاً، من الستار الترابي العازل الذي أتمّت السلطات التونسية إنجازه في الأيام القليلة الماضية، والممتد على أكثر من 250 كلم من الحدود التونسية الليبية. أما الثانية فتقول إن بعض المهربين هم من أعلموا السلطات الأمنية، في اللحظات الأخيرة، بما جد، وذلك ما قلل الخسائر، وجنّب المدينة والبلاد عموماً كارثة. للمهربين صورتان، يُراد الغلبة لإحداهما: “المهرب الإرهابي” و”المهرب الوطني”.
لا تهمنا صحة الإشاعات أو بطلانها، فذلك آخر ما يعني الباحثين، فعلاقة الدال بالمدلول في الإشاعة تقع خارجها، أي في مكان آخر، هو السياق وحاجاته الضمنية، ناهيك عن القوى التي تقف وراءها. وتخفي الشائعتان أطروحتين متنازعتين حول علاقة التهريب بالإرهاب. تقول الأولى إن التهريب نشاط اقتصادي مستقل تماماً عن الإرهاب، لأن مصالح القائمين عليه مختلفة على الأقل، فهؤلاء تاريخياً نشطوا أساساً في مجال السلع المدعومة في ليبيا، على غرار المواد الغذائية والمنتوجات الإلكترونية والأدوات المنزلية والأثاث، وحتى وسائل النقل الثقيلة، على غرار الجرّارات الفلاحية والجرّافات وغيرها. وظلت أنشطتهم تتوسع، من دون أن تشمل الممنوعات من سلاح ومخدرات إلخ. وما وقع من تقاطعاتٍ نادرةٍ، إنما كان على سبيل الإكراهات الموضوعية، وإن ما يحدث أحياناً من “هجرة” بعض المهربين إلى الإرهاب، إنما هي أيضاً هجرات فردية، لا تعبّر موضوعياً عن “إيتيقا” (أخلاق) المهرّبين، ولا ثقافتهم الأصيلة، فارتماء بعض المهرّبين في أحضان شبكات الإرهاب يظل أمراً فردياً على غرار انتماء بعض المدرسين أو الأطباء أو المهندسين وغيرهم من أصحاب المهن، حسب زعم أصحاب الأطروحة الأولى.

إقرأ أيضا: تونس تغلق حدودها مع الجارة ليبيا بعد أحداث بنقردان

أما الأطروحة الثانية فتنزع عن المهرّبين أي “إيتيقا” وتجعلهم تجار ممنوعات، لا تهمهم طبيعة ما يهرّبون، ولا مصالح البلاد، إنما ما يهمهم، حصرياً، هو ما يجنون من أرباح، وهم مستعدون لبيع الملائكة إلى الشياطين، لو كان ذلك مربحاً، وبأقل الخسائر الأمنية الممكنة، فما كان للإرهاب أن ينمو بهذا الشكل، لولا الدعم الذي تلقته الجماعات الإرهابية من عصابات التهريب التي ضمت إلى أنشطتها، في السنوات التي تلت الثورة، تجارة السلاح.
بعيداً عن ترجيح فرضية عن أخرى، فإن ثنائية الإرهاب والتهريب هذه قد تمنحنا، نحن الباحثين، مفاتيح لفهم ما حصل في بنقردان خصوصاً، فهي درس بيداغوجي نموذجي لفك شفرة تلك العلاقة الملتبسة، كما قد تعيننا أيضا على فهم اختيار “بنقردان أولاً”، فهذه المدينة الحدودية التخومية، على خلاف التصورات المسبقة، هي مدينة التبادل المكثف الذي يشمل البشر والسلع وحتى الأفكار، فمنسوب السيولة المختلفة مرتفع إلى حد الدوار. ويتيح ذلك أقصى درجات التحرك والجولان، وستكون عمليات مراقبة تلك السيولة ذات كلفة مرتفعة، فما بالنا لو تصوّرنا محاولة منعها. تعيش هذه المدينة، في جزء كبير منها، على التهريب، وقد تضرّرت كثيراً، في السنوات الأخيرة، جرّاء غلق معبر راس جدير المتكرّر، سواء من السلطات التونسية لأسباب أمنية، تتعلق بتصاعد العمليات الإرهابية التي تورّطت فيها عناصر متحصّنة في التراب الليبي، أو من الأهالي، احتجاجاً على اعتقال السلطات الليبية تونسيين، أو منعهم عبور السلع أو فرض إتاوات مرتفعة عليها.
لن ننتصر لأطروحةٍ على حساب أخرى. ولكن، نعتقد أن الإرهابيين، وهم يخططون لهجومهم على مدينة بنقردان، قد استندوا لوجستياً إلى رهطٍ من المهرّبين، إما أن يكونوا جناحاً تنظيمياً داخلهم ضمن “تقسيم دقيق للعمل” بات معروفاً في الشبكات الإرهابية، على غرار الاحتطاب والإرشاد والانتداب والقتال .. إلخ، أو أن يكونوا مهرّبين محترفين، قدّموا خدماتٍ مدفوعة الأجر، غير أن خيبة هذه المجموعة التي قتل جل عناصرها أتت حين رفضتهم المدينة بشكل حاسم، بل قاومتهم بضراوة، فبنقردان، وإنْ ضمّت خلايا نائمة، لم تشكل حاضنةً لهم. لقد تبخرت مشاعر التذمر من غلق المعبر، ما إن بان لهم أن “داعش” بينهم. ليست بنقردان، وهي مدينة التخوم، “سيبة” حتى تقضمها داعش. قال مبروك موفق، والد شهيدة بنقردان سارة، وهو شبه الأمي، في بلاغةٍ تعجز عن صياغتها ألسن الحكماء “بلادي قبل أولادي، ووطني قبل بطني”.

ناشط سياسي تونسي/”العربي الجديد”