الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: أزمة الحكومة
حكومة الوفاق

ليبيا: أزمة الحكومة

أكتب هذا المقال مساء اليوم الذي حدده البرلمان الليبي للتصويت على التشكيلة الحكومية التي قدمها فائز السراج، بشكلها المختصر، وإقرارها من عدمه، ثم فوجئنا بأن الجلسة لم تعقد، والتصويت على الحكومة لم يحصل، بحجة عدم توفر النصاب القانوني لانعقاد الجلسة، وهو أمر يثير التساؤل، فكيف يحدث أن يجتمع المجلس بكامل نصابه القانوني قبل هذا الموعد بيوم واحد، أي يوم الاستماع إلى برنامج الحكومة من رئيس المجلس الرئاسي، وتقديمه للسير الذاتية لأعضائها، ثم يحدث هذا الغياب في اليوم التالي وفي أكثر الجلسات أهمية وحسما.
لا يستبعد المراقبون للمشهد الليبي، وجود نية مبيتة لتعطيل المصادقة على هذه الحكومة، بدل اعتماد السبيل الديمقراطي الوحيد أي التصويت على الحكومة، وهو تعطيل يأتي من طرف المجموعة التي تعلن اعتراضها على هذه الحكومة، لأسباب متعددة، ليست كلها ذات مصداقية ووجاهة، بل تشترك في هذا الاعتراض أطراف من الجانبين المتصارعين في شرق البلاد وغربها، أنصار ميليشيات فجر ليبيا في الغرب، وأنصار الجيش في الشرق، وكلهم يستخدمون ذرائع لا صلة لها بالواقع، مثل قولهم إن الحكومة حكومة وصاية دولية مفروضة من أطراف أجنبية، وهو كذب واضح يستخدم لإثارة الرأي العام، أو أنها حكومة جاءت لخدمة أجندات أجنبية، لا أحد يعرف ما هي هذه الأجندات إلا إذا كان حرص المجتمع الدولي على إنهاء الجماعات الإرهابية، المتمثلة في داعش، وعصابات تهريب البشر وتهريب السلاح، هي أجندات أجنبية وليست ملفات تعني ليبيا وشعبها قبل أي طرف آخر في العالم.
وأحيانا يقولون إنه لا وجود للانسجام بين أعضائها، وهو قول باطل، حتى لو حمل شيئا من الحقيقة، لأنهم يعرفون أنها حكومة توافق بين أطراف متنازعة، يصل الصراع بينها إلى حد الاشتباكات المسلحة، وطبيعة مثل هذه الحكومات لا يمكن إلا أن تتشكل من عناصر تختلف في توجهاتها السياسية، ولكنها تعثر أثناء التفاوض على نقاط تلتقي عندها، وتشكل القواسم المشتركة بينها، ولهذا فإن مهمتها محدودة بتوقيت، ومحددة بمسؤوليات معدودة ومحسوبة، تنتهي بعدها صلاحيتها، فهو عام واحد، يتحقق فيه بعض الأمان والاستقرار، وتخضع البلاد إلى سلطة مركزية واحدة، وتتهيأ فيه الأجواء لانتخابات برلمان دائم للبلاد، كما تتهيأ فيه هذه الأجواء لإقرار دستور دائم، وتتهيأ فيه الظروف للقيام بانتخابات رئاسية أو استفتاء على نظام ملكي أو جمهوري، إذا حدد الدستور ذلك، وبعدها تنتهي مهمة حكومة المصالحة والتوافق الوطني، لتأخذ الصيرورة الديمقراطية مجراها.

إقرأ أيضا: ليبيا: حكومة الوفاق والسباق مع الزمن

يعرف المعارضون لحكومة الوفاق الوطني، المعرضة لإقرارها من مجلس النواب، أنهم يمثلون أقلية، وأن هناك رأيا عاما في ليبيا يعلق آماله على إقرار هذه الحكومة، ليستأنف حياته المعطلة، بسبب فشل الحراك السياسي في الشرق والغرب على حلحلة الحالة الراهنة، أو إحداث اختراق في التأزم الذي يزداد استفحالا، ولم يبق لهم إلا أمل حكومة وطنية تباشر معالجة المشاكل المعيشية المتردية، وإنقاذ البلاد من سوء الحالة الأمنية، وهناك مجتمع دولي يقف بكل ثقله وراء حكومة الوحدة الوطنية، ليراها تمارس سلطتها وتبسط نفوذها على كامل التراب الليبي، وتتوحد داخل إدارتها دواليب الدولة ومؤسساتها، لكي يستطيع التعامل معها، ووضع خطة بموافقتها لإخراج ليبيا من أزمتها كي تستطيع بمساعدة المجتمع الدولي أن تواجه الإرهاب الذي يهدد أرضها وشعبها كما يهدد محيطها الإقليمي والدولي.
إلا أن هذه الأقلية في غرب البلاد وشرقها، تمتنع عن رؤية هذا التردي الذي تعانيه البلاد في أمنها ومعيشة أهلها، ولا ترى غير مصالح ضيقة شخصية، ذات تلوينات مذهبية وعشائرية وأيديولوجية، ففي الغرب ثمة مجموعة اعتمدت على بعض الميليشيات، واغتصبت السلطة في العاصمة، ولا تريد رغم الحراك السياسي المناصر للتوافق، إلا أن تبقى على رأس السلطة خدمة لأغراضها الخاصة ومصالحها الشخصية، وفي الشرق هناك مجموعة تنظر إلى ما يحققه الجيش من انتصارات على جبهة بنغازي ومدينة أجدابيا، على أنه سيحدث انقلابا في التوازنات الحالية لصالحها، وتجد أن إرجاء التصديق على الحكومة سوف يصب في سواقها.
وتبقى مصلحة الوطن غائبة في كلا الحالتين، لأن مصلحته هو إيقاف النزيف، ووضع حد للتردي، بإقرار هذه الحكومة التي لن تحتاج لغير عام واحد، تعود بعده كل الخيوط إلى الشعب ليقرر عن طريق صندوق الاقتراع، أي سبيل تنتهجه البلاد نحو بناء مستقبلها وتأسيس دولتها.

كاتب ليبي/”العرب”