الرئيسية / وجهات نظر / باريس والرباط: أزمة جديدة
7f8ef40164de684a36df63a0aaa16dc1

باريس والرباط: أزمة جديدة

لا تستوعب العلاقات المغربية الفرنسية فصولاً جديدة من الأزمات، تتعاقب في مربع خارج طبيعتها الاستراتيجية، فالأصل فيها أن تكون خالية من العتب. وفي حال حدوث ما يدفع إلى الضجر، تفسح في المجال أمام مبادرات وآليات لتطويق مضاعفاتها.
لم تقل الرباط أن لها مشكلا مع باريس، ولم تركن الأخيرة إلى سوء فهم عميق مع المغرب. لكن الواقع يشير إلى تبرم واضح، نتج عن ممارسات يرى المغاربة أنها أخلّت بتقاليد المعاملات الندية المستند إلى رصيد كبير من الحوار والتعاون. فيما تبدي فرنسا الأسف حيال أي تصرف يفهم أنه يعاكس الإرادة المشتركة للبلدين الصديقين. وحافظت في غضون ذلك على التزاماتها كدولة عضو في مجلس الأمن، من دون أن يتأثر موقفها بالوضع العارض. وتلك رسالة قرئت من دون تأويل داخل الأوساط المغربية.
هذه المرة لم ينفع اللجوء إلى القضاء في القفز على الحواجز والمطبات. مع أن للبلدين رصيداً هائلاً من التجارب التي تتجاذب على أطراف الملف الشائك لأوضاع حقوق الإنسان. حسم القضاء منذ حوالى أربعة عقود في أكبر أزمة عرفتها علاقات البلدين، على خلفية اختطاف واغتيال المعارض المغربي المهدي بن بركة من وسط باريس وترك لتحريات حقوقية أن تفك باقي الألغاز العالقة.
وقتذاك هيمن مفهوم الكرامة. وبالقدر الذي لم يتقبل الجنرال ديغول أن تصبح باريس مركز تصفية حسابات مغربية – مغربية، بالقدر الذي رفض الملك الراحل الحسن الثاني طلب فرنسا لجهة تسليم وزيره في الداخلية الجنرال محمد أوفقير الذي حامت حوله شبهات الضلوع في الحادث، ثم استدرك بالقول إنه كان على الرئيس الفرنسي شارل ديغول أن يمده بالمعطيات والوقائع المتوافرة كي يتصرف بحرية.
على رغم أن العلاقات بين الرباط وباريس تعرضت لاهتزاز عنيف أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، فقد استمرت مجالات التعاون على الصعيدين الاقتصادي والتجاري، وإن بوثيرة أقل، ما يعني أن تعليق الاتصالات الديبلوماسية ترك الباب نصف موارب أمام استمرار مجالات الحوار. من وقتها لم تحدث هزات بالدرجة ذاتها من الارتجاج، فقد سجلت فرنسا عبر تنظيمات غير حكومية مؤاخذات على سجل المغرب في عدم احترام أوضاع حقوق الإنسان، وردت الرباط باللجوء إلى القضاء في بعض الحالات، في ظل ضبط النفس والرهان على عامل الزمن، الذي أفلح في صدور مبادرات مغربية همت بتنقية سجلها في هذا المجال.
تعاود حركة الدوران في مسار العلاقات إلى ما يشبه عتب الصداقات، وما من شيء أقرب إلى فهم السياسة من مراعاة مشاعر الآخرين. فالعيب لا يكون دائما في الإجراءات أو المواقف القابلة للأخذ والعطاء، بل في الأسلوب الذي قد يحيد بها عن الهدف. ولم يكن لقضية طلب إفادة المسؤول المغربي الأول في الاستخبارات الداخلية عبد اللطيف الحموشي أثناء سفره إلى باريس للمشاركة في اجتماع رسمي، أن تتخذ البعد الذي ارتدته لو تم احترام الشكليات. ولم يكن لإهانة وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار في مطار أورلي أن تخرج عن زمام السيطرة لو تم احترام الإجراءات الديبلوماسية.
الحال أن تعرض القائد السابق للمنطقة الجنوبية، الجنرال عبد العزيز بناني إلى تعنيف معنوي وهو على سرير المرض في مستشفى بباريس، ينحو في الاتجاه ذاته، بصرف النظر عن خلفياته وطابعه الفردي. ما يعني أن المغاربة باتوا مجبرين على الرد على هكذا إهانات، أقله أن العلاقات بين الدول تتسم بالاحترام والتقدير، وإذا كانت هناك مؤاخذات، فثمة منافذ لتصريفها بطرق أقل إحراجا للجانبين. فاستقلالية القضاء التزام كوني. لكن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند نفسه اضطر للتدخل لدى الرئيس الأميركي باراك أوباما في قضية العقوبات التي فرضت على مصرف فرنسي، ورد ساكن البيت الأبيض بأن استقلالية القضاء خط أحمر.
لا يمكن أن يطلب إلى البلد الذي يتعرض إلى الضغط أن يكون أكثر إذعاناً في غضون حدوث تجاوزات في أشكال إبلاغ الرسائل، ودور فرنسا كصديق أن تساعد الرباط في سعيها لتنقية سجلها في أوضاع حقوق الإنسان. وأكبر دليل على ذلك أن العاهل المغربي الملك محمد السادس فتح ثغرة كبيرة في جدار الصمت، حين أقر بوجود تجاوزات في ممارسات التعذيب. ما يحيل على فرضية أن هكذا قضية هي اختصاص سيادي تمكن معالجته في نطاق الإمكانات المتاحة، خاصة أن القوانين المغربية ذات الصلة أقرت بتجريم التعذيب أياً كان مصدره والضالعون فيه.
العلاقات بين بلدين صديقين، كما الرباط وباريس أكبر من أن تخضع لتأثير حالات معزولة لا يزال الجدل حولها قائماً، بل إن السلطات القضائية التزمت علناً فتح تحقيق في أي ممارسات تشمل التعذيب. ولا معنى للتمادي في الأخطاء طالما أن ما يجمع البلدين أكبر مما يفرقهما. وحان الوقت لإعطاء ديبلوماسية الحوار وقتها الكافي لإزاحة أي نتوءات تعترض السير إلى الأمام، فالأقدام التي تدميها الحصى داخل الأحذية، يصعب عليها أن تتقدم، لكن من ينحني لإزالتها بلا وجع وبلا إهانة؟ ذاك هو السؤال.
“الحياة” اللندنية