الرئيسية / وجهات نظر / فوكوياما والاستثناء الديمقراطي التونسي!
95261f7d9f509648f06e10d356cf92c4

فوكوياما والاستثناء الديمقراطي التونسي!

تناقلت وسائل الإعلام العربية ترجمة المقال الذي نشره المفكر الأميركي فرنسيس فوكوياما أخيرا في جريدة «وول ستريت جورنال»، وذلك بشكل كبير غطى تقريبا معظم المواقع والصحف ووسائل الإعلام السمعية البصرية. وهو مقال، تناول فيه فوكوياما مسألة الديمقراطية، في شكل يغلب عليه الإضاءات الفكرية، وأفكار تم عرضها بنبرة إطلاقية دون أن يتوازى ذلك مع تقديم حجج منطقية تقوم على التحليل الموضوعي والمقاربة الشاملة.
اللافت للانتباه أن وسائل الإعلام العربية، اكتفت في معظمها بنقل الأفكار الرئيسة في مقال فوكوياما دون تحليل أو تعليق. فهو نقل حذر شابه كثير من الصمت، رغم أن الأفكار التي شملها المقال تثير النقاش والجدل والحوار وحتى الاختلاف معها. طبعا، فرنسيس فوكوياما، صاحب كتاب «فلسفة النهايات: نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، هو تقريبا أول من دعا إلى ترويج الديمقراطية بالقوة، ومنطلقه الفكري الأساسي أن نهاية الحرب الباردة هي نهاية للأنظمة الشمولية غير الليبرالية وغير الديمقراطية كافة.
ويقول فوكوياما، في مقالته المشار إليها، إن الديمقراطية تحتاج إلى الوقت ولا توجد ديمقراطية سريعة، مستحضرا في هذا السياق كمثال ثورات 1848 «الربيع الأوروبي» وكيف أنها استغرقت 70 سنة أخرى كي تتماسك.
من جهة أخرى، يوافق فوكوياما فكرة أن العالم الراهن يشهد ركودا ديمقراطيا. إلى حد هذه الفكرة أو الاستنتاج، يبدو مقال فوكوياما منطقيا في مضامينه، ولكن موقفه من الربيع العربي وقوله إنه لن يسفر عن أي ديمقراطية حقيقية إلا في تونس، فإنه موقف بقدر ما يسعد التونسيين فهو، بعيدا عن العواطف، يبدو في انفصام كامل مع بقية الأفكار الأخرى التي تضمنها المقال، إضافة إلى أنه ينقلب على الأفكار التي عرف بها في خصوص ما يمكن أن نسميه «الحتمية الديمقراطية».
وفي الحقيقة، يبدو لنا أن فوكوياما، قد تجاهل قصدا تأثير «الركود الديمقراطي» بالدول الكبرى في واقع الديمقراطيات الناشئة بالدول العربية؛ ذلك أن هذا المعطى، يمثل في حد ذاته عقبة رمزية وسياسية في طريق البلدان العربية.
من جهة أخرى، نتساءل عن سبب ربط الديمقراطية بما يسمى الربيع العربي وتجاهل مسارات الإصلاح التي تعرفها بلدان عربية إسلامية عدة؟ أيضا، بدا فوكوياما في فكرته الإطلاقية التي تقول إن الربيع لن يسفر عن أي ديمقراطية حقيقية متسرعا ومتناقضا مع فكرته أن الديمقراطية تحتاج إلى الوقت كي تتماسك، وأن الثورة لا تسفر عن ديمقراطية سريعة!
من جهة أخرى، تستبطن مقالة فوكوياما نظرة سلبية للعالم العربي، إذ هو بيئة طاردة لفكرة الديمقراطية، وهنا يتناسى صاحب المقالة ظاهرة الإرهاب التي تعرفها البلدان العربية الإسلامية وكيف أن الظاهرة نفسها قد شكلت أحد الأسباب الرئيسة للركود الديمقراطي في دول الديمقراطيات العريقة، حيث اضطرها الأمن القومي إلى القيام بتضحيات في مجال الحريات الفردية.
لنأتِ الآن إلى إشادة فوكوياما بتونس واعتبارها البلد الوحيد من دول الربيع العربي الذي أسفرت الثورة فيه عن ديمقراطية حقيقية.
في الحقيقية، تبدو هذه القراءة، على نظرتها الإيجابية، تحتاج إلى نقاش؛ النقطة الأولى، نعتقد أن تونس لا يمكن أن تكون استثناء في تاريخ الديمقراطية، ومن ثم فإن الديمقراطية فيها تحتاج إلى الوقت تماما كما هو حال بلدان الربيع الأوروبي عام 1848.
أيضا، نتساءل إلى أي حد يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية في ظل واقع أهم ما كسبه هو المشاركة السياسية والتعددية التي هي في طورها الأول ولم تتوافر لها بعد مقومات تجعلها مضمونة على المدى البعيد.
كما نعتقد أن قراءة فوكوياما قد استندت إلى واقع الوفاق السياسي الذي حصل في تونس وفرضته مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية. فالفرق بين التوافق السياسي والتوافق التاريخي بين الأطراف السياسية الفاعلة في تونس ما بعد الثورة كبير وكبير جدا. لذلك، فإن أي حديث عن نظام سياسي ديمقراطي حقيقي، لا يمكن أن يكون إلا نتيجة توافق تاريخي، وهو ما لم يحصل في تونس إلى حد الآن. وهو في الحقيقة ما يجعل من مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس هي إلى الهشاشة أقرب منها إلى البناء القوي الذي يسمح بإطلاق القويمات الواثقة. لقد كان فوكوياما في مقالته هذه قاسيا على المثال المصري وراديكاليا دون أن يقدم براهين مقنعة ومنطقية، بل إنه قدم موقفا يتناقض مع فكرته المبدئية في المقال التي يقول فيها إن الديمقراطية ليست سريعة التحقق.
إن أفكار فوكوياما المنقحة تبدو في انقلاب جزئي نوعي على الأفكار التي تضمنها كتابه حول فلسفة النهايات: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، وتحديدا الطابع الحتمي للديمقراطية. أما ما لم يقله فوكوياما، فهو: هل ما يزال فعلا يعتقد أن الديمقراطية يستوجب تحقيقها القوة؟
“الشرق الاوسط”