الرئيسية / وجهات نظر / بعد خمس سنوات.. هل أعادت النظم ترتيب بنيتها؟
سلامة كيلة

بعد خمس سنوات.. هل أعادت النظم ترتيب بنيتها؟

بعد خمس سنوات تظهر الرأسمالية المسيطرة، والنظام الذي يمثلها، عاجزين عن تحقيق الاستقرار بالتخلص من الثورة. ويتصاعد عجزهما مع استمرار السياسة الاقتصادية ذاتها، بل زيادة الميل للخصخصة وزيادة الأسعار.
ربما لم يكن أحد يتوقع أن يستمرّ الحراك، وأن تستمرّ الأزمات التي أنتجتها الثورات كل هذه السنوات الخمس، دون أن نلمس أن نهاية قريبة باتت ممكنة. حيث يظهر واضحا أن النظم ذاتها ليست مستقرة، وأن أوضاعها مربكة، ولا يبدو أنها استطاعت تجاوز الهزّة الكبيرة التي أحدثتها الثورات.
في سوريا لم تنتصر الثورة بعد، حتى في الشكل الأدنى الذي حدث في الثورات الأخرى، أي إزاحة الرئيس والعمل على إعادة إنتاج النظام، وما زال الصراع قائما على حقيقة هذه الخطوة التي تبدو ضرورية من أجل وقف الصراع العنيف والوحشي الذي بدأته السلطة، وأدى إلى ردّ عسكري من الفئات التي تظاهرت، وجرى الشغل المتعدد عليه لكي يتأسلم ويتفكك، وبات جزء مهم منه مرتبطا بدول خارجية. وهو الأمر الذي أدى إلى استعصاء وتحكّم خارجي في الحل، وما زالت روسيا المسيطرة الآن تتمسك ببقاء “الرئيس”.
وفي ليبيا انقلب الانتصار على نظام القذافي -والذي فتح على مسار ديمقراطي لم يُنجح “الإسلاميين”- إلى احتراب أهلي، وصراع مسلح بين قوى متعددة، كلها لها ارتباطات خارجية، وبالتالي بات الصراع منحكما لمصالح تلك القوى الخارجية. والجهود “الدولية” هي التي تحاول توحيد المقاتلين دون أن تنجح إلى الآن.
أما في اليمن، فقد “تنازل” علي عبد الله صالح بعد ضغوط شديدة من الدول الخليجية، لكنه لم يترك اليمن، ولا سلّم مفاتيح السلطة لوريثه. وبهذا كان “النظام الجديد” هزيلاً، مفككاً، ولا يملك من الأمر شيئاً. ولقد أدى طموح الحوثيين للسيطرة على النظام إلى التحالف مع علي عبد الله صالح، ليتحقق اجتياح اليمن بسرعة فائقة، حيث ظهر أن صالح ما زال يتحكم بالجيش والأمن. وهو الأمر الذي أدخل اليمن في الصراع الإقليمي، وجعل “الشرعية” تعود على مجهود “التحالف العربي”.
رغم أن ما جرى يفتح على إعادة ترتيب وضع النظام بشكل مختلف نتيجة اختلال توازنات القوى الداخلية بعد تدمير قوات علي عبد الله صالح وتقزيم الحوثيين، ونتيجة المشاركة الشعبية في الصراع ضد صالح والحوثيين؛ هذا الأمر الذي ربما يجعل مسار التغيير أوسع، وأعمق.
في تونس ومصر كان الأمر أكثر “سلاسة”، وربما تعقيدا. فقد انخرطتا في مسار ديمقراطي أدى إلى وصول جماعة الإخوان المسلمين وحركة النهضة إلى السلطة، فحكمت في تونس بالتحالف مع حزبين صغيرين، واستفردت في مصر بالسلطة. لكن لم يحقق أي منهما تغييرا مجتمعيا، وليس الأمر فقط أنه لم تتحقق مطالب الشعب في العمل والحد الأدنى للأجور، وفي إصلاح التعليم والصحة، بل استمرت في السياسات الاقتصادية ذاتها، خاضعة لشروط صندوق النقد الدولي.
هذا ما استثار ثورة جديدة في مصر أطاحت بالجماعة، لكنها أفضت إلى “عودة النظام القديم” بعنف أشدّ، وميل كبير لسحق الحركة المجتمعية، وبسياسات اقتصادية أكثر سوءا، حيث رفعت الأسعار، وتميل لخصخصة التعليم والصحة والسكك الحديدية.
ولقد أفضى ما جرى في مصر إلى نشوء حراك سياسي مجتمعي ضد “الترويكا” في تونس، لكن استفادة حركة النهضة من “درس مصر” جعلها تتراجع، وتقبل بحكومة تكنوقراط، ثم بانتخابات جعلت ممثلي “النظام القديم” (مع شراذم يسار منهار) هم الحزب الأول، وباتت هي الحزب الثاني، فقامت بعقد تحالف مع حركة نداء تونس. لقد قبلت بتقاسم السلطة، على أن تكون الطرف الثاني. وأيضا استمرت السياسات الاقتصادية ذاتها. وكما في مصر، ظلت الاحتجاجات الشعبية تتصاعد.
في هذين البلدين يتوضح مدى تمسك الطبقة المسيطرة، أي الرأسمالية المافياوية، ليس بالسلطة فقط بل بالسياسات الاقتصادية التي أفقرت الشعب، ودفعت إلى انفجار الثورات. ما تغيّر هنا هو أن هذه الطبقة باتت تميل إلى العنف، ومنع أي تظاهر أو حراك، وتهدد بتكرار سياسة النظام السوري. فقد ضخمت من أخطار الإسلاميين، ثم أخذت تلوّح بالخطر الإرهابي، من أجل تبرير سياسات قمعية، وتعزيز السيطرة على المجتمع.
ما ظهر خلال السنوات الخمس هو تمسك الطبقة المسيطرة ونظامها باستمرار السيطرة، ومنع سقوط النظام بأيدي فئات أخرى. لقد قرَّر النظام السوري منذ البدء أن “يقاتل إلى النهاية”، رافضا أي تنازل للشعب، حتى وإن كان شكليا، كما ظهر أن التلاحم بين الفئة المسيطرة وبنية الدولة والطبقة المسيطرة كان كبيرا.

إقرأ أيضا: «الحراك العربي».. أي حصيلة؟

ولتجنب مصير تونس أو مصر قرَّر ممارسة كل العنف الذي يسمح بسحق الثورة، لكنه عجز عن ذلك، وهو الأمر الذي كان يفتح على “تفكك” السلطة وقبول طرف فيها تنحية “الرئيس” كما ظهر نهاية سنة 2012. لكن التدخل الإيراني عبر حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والعالمية والحرس الثوري، منعت ذلك إلى حين (صيف 2015)، ومن ثم تدخلت روسيا للحفاظ على النظام دون تغيير.
في تونس ومصر كان القرار هو ذاته، أي الحفاظ على السيطرة الطبقية لرأسمالية مافياوية، لكن لتحقيق ذلك كان ضروريا التخلي عن الرئيس، والمناورة من أجل إجهاض الثورة من خلال الإيهام بانتصارها، واللعب على الزمن من أجل تفتيت الحراك الشعبي وإنهاء الثورة. وهو الأمر الذي ما زال قائما، في وضع لم يشر إلى إمكانية نهاية الحراك الشعبي، فقد بات الشعب في وضع لا يستطيع معه الاستمرار كما هو، ومن ثم باتت السلطة عاجزة عن الحكم بآلياتها ذاتها.
وفي هذا الوضع تجري المناورات، والمحاولات من أجل التخلص من الغضب الشعبي وفرض استقرار النظام. فالطبقة المسيطرة تعمل بكل عنف لاستمرار النمط الاقتصادي الريعي الذي شكّلته بالترابط مع الطغم المالية الإمبريالية، والذي يقوم على حرية السوق المطلقة، وتركيز النشاط الاقتصادي في الخدمات والعقارات والسياحة والبنوك والاستيراد والبورصة، وهو النمط الذي يراكم الأرباح الهائلة لتلك الطبقة لكنه يفقر ويهمش الأغلبية من الشعب.
وهو النمط الذي فرض انفجار الثورة بالأساس، حيث بات الشعب عاجزا عن العيش في الوضع الذي وصل إليه. هذا التناقض هو الذي أظهرته الثورات، فوضعت الرأسمالية المافياوية في وضع مربك، وفي إزدواجية هي عاجزة عن تجاوزها.
فأولا، إن وضع هذه الطبقة يفترض استمرار النمط الاقتصادي الريعي، لأنه أساس وجودها، وأساس تراكم أرباحها، وهي لا تستطيع أن تغيّر فيه، وإلا ستنهار كطبقة مسيطرة. لهذا ليس لديها من خيار سوى التمسك بنمطها، وبترابطها مع الطغم المالية العالمية.
وثانيا، إن هذا النمط هو الذي يؤدي إلى البطالة والفقر والتهميش، وهو الوضع الذي يفرض نشوب الثورات. ولتجاوز ذلك لا بد من تغيير النمط الاقتصادي، وهذا ما لا يتطابق مع مصالح الطبقة الرأسمالية، لهذا تحاول المناورة من أجل تثبيط همم الشعب، لكن الفشل في ذلك يدفع إلى تشديد القمع، واختراع مناورة جديدة تسمى “الحرب على الإرهاب”، وهي السياسة التي تبرر اعتقال وقتل وتجريم كل منتفض أو معترض أو يسعى إلى التغيير.
لهذا يعود النظام إلى ممارسة العنف بأشكال مختلفة، ربما يكون مثالها الأعلى هو النظام السوري. ولا شك في أن ممارسة النظام السوري قد فتحت على أن يكون العنف الوحشي سياسة رسمية للنظم التي تدافع عن وجودها، رغم أن خمس سنوات من الحراك قد أفضت إلى “ضعف” النظام، وربما عجزه عن المواجهة العنيفة، رغم استمرار ميل النظم لهذه الممارسة.
وهذا الوضع يُظهر أن الطبقة المسيطرة لم تعد متماسكة، وأن تناقضات باتت تخترقها، نتيجة اختلاف الحلول التي تُطرح في مواجهة الشعب، وكذلك نتيجة شعورها بالضعف في مواجهة شعب مصمم على التغيير، وأيضاً كذلك لأن “الصراع الطبقي” بات يخترق النظام” ذاته، كون أن المصالح مختلفة بين الفئة المسيطرة -والتي هي جزء من الرأسمالية المافياوية- وبين الفئات الأخرى التي تنتمي للشعب، وهي مفقرة وتُستَغَلّ ضد الشعب. وبالتالي نلمس هنا “تفككا” في النظام، مترافقا مع استمرار الصراع الطبقي، والحراك الاجتماعي.
الرأسمالية المسيطرة تريد استمرار سياساتها الاقتصادية، التي هي سياسات تزيد الفقر والبطالة والتهميش، وتعمِّق انهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، ولكنها تواجه بتمرُّد الشعب دون أن تستطيع الالتفاف عليه، فتميل لمحاولة سحقه، لكنها تُظهر ضعفا لا يجعلها قادرة على ذلك، خصوصا بعد اختراق الصراع الطبقي بنية الدولة.
وهو الأمر الذي يفجّر الصراعات بين أطراف الرأسمالية ذاتها، نتيجة اختلاف المصالح، وأيضا اختلاف الرؤى فيما يتعلق بالحل الأصح لتجاوز الثورة. وهذا يُظهر مأزق الرأسمالية ذاتها، ويشير إلى بدء عجزها عن الالتفاف على الثورة، ومن ثم ظهور تناقضاتها.
بعد خمس سنوات تظهر الرأسمالية المسيطرة، والنظام الذي يمثلها، عاجزين عن تحقيق الاستقرار بالتخلص من الثورة. ويتصاعد عجزهما مع استمرار السياسة الاقتصادية ذاتها، بل زيادة الميل للخصخصة وزيادة الأسعار دون زيادة الأجور.
فالدولة، التي هي أداتها تصبح جزءا من الأزمة مع اختراق الصراع الطبقي لبنيتها، ومن ثم تصاعد تناقضات الرأسمالية ذاتها. لهذا لا استقرار بعد -وربما لن يكون- في ظل استمرار النظام ذاته والسياسات الاقتصادية الريعية ذاتها.

الجزيرة/ كاتب فلسطيني