الرئيسية / وجهات نظر / أزمة ليبيا والعجز المغاربي
58b309ad51a55da2d68ce207b5db1137

أزمة ليبيا والعجز المغاربي

أكثر من طرف بادر إلى احتواء أزمة مالي، بعد معاودة اندلاعها في طبعة الصراع بين الحكومة المركزية وفصائل حركة «أزواد» شمال البلاد. اهتم الوسطاء بوضع مسافات أبعد لإضفاء طابع الحياد على جهود المصالحة التي شملت وقف النار والبحث في مستقبل الإقليم.
إشارات دولية مشجعة صدرت قبل ذلك. عندما أجاز مجلس الأمن الدولي التدخل العسكري الفرنسي. لكن الحوار بين الفصائل المتناحرة، غير المصنفة كحركات إرهابية، يحتاج إلى وسطاء يعرفون جيداً تضاريس المنطقة وتشعبات انتماءاتها وخلفياتها العرقية والدينية. وليس مثل بلدان الشمال الإفريقي التي ارتبطت بعلاقات انصهار تاريخية مع دول الساحل جنوب الصحراء، أكثر تأهلاً لإنجاز مهمة صعبة بهذه الدرجة من التشابك والتعقيد.
أزمة ليبيا أشد خطورة. لكنها لم تحظ بالقدر ذاته من الاهتمام على الصعيد المغاربي. وشكل إرجاء اجتماع وزراء الخارجية المغاربيين في تونس علامة تردد وتململ. على اعتبار أن الخلاف القائم بين حكومتين تتنازعان الشرعية، لم يترك للشركاء المغاربيين فرصة محاورة الطرف الليبي الذي في إمكانه أن يجسد الشرعية. بهذا المعنى رغبت العواصم المغاربية أن يأتي الحل عبر اتفاق الليبيين أولاً. وماذا سيكون دورها إن تحقق هذا المسعى. ما دام أن أزمة الشرعية هي أصل وجوهر المشكل. وكي لا تبدو أكثر ميلاً لهذا الطرف أو ذاك اختارت الانتظار.
كما انقسمت الدول المغاربية في التعاطي مع الحراك الذي أطاح نظام العقيد معمر القذافي على مستوى التدخل الخارجي، ينسحب الموقف بدرجة أقل في رصدها تطورات الأحداث المتلاحقة. لا تعلن ذلك صراحة وتكتفي بالرصد. إنها تخشى فعلاً على أمنها واستقرارها، جراء تداعيات الانفلات القائم وتتمنى لو أن الليبيين ساعدوا أنفسهم، من دون الحاجة إلى تدخل أطراف خارجية. لكن الجزائر جربت القيام بوساطة بين أطراف المشهد السياسي في تونس، أدت إلى رحيل حكومة الترويكا في ظل معطيات مغايرة للواقع الليبي الراهن. كذلك فعل المغرب في الانشغال بتدهور الأوضاع في مالي. وتمكنت موريتانيا التي ترأس الاتحاد الإفريقي من جذب الماليين إلى طاولة المفاوضات.
القاسم المشترك بين كل هذه المبادرات أنها فردية. تقوم بها كل دولة على حدة، بعيداً عن الاتحاد المغاربي الذي يقف متفرجاً وعاجزاً عن الحركة. صدرت دعوات لناحية دخول الاتحاد المغاربي على خط أزمة بلدان الساحل والوضع المتدهور في مالي، لكنها لم تتجاوز التمنيات. وتردد صداها أيضا على مستوى البحث في حلحلة الأزمة الليبية، من دون جدوى. ما يرسخ الاعتقاد بوجود منافسات إقليمية تنطلق من حسابات غير إقليمية. والظاهر أنه كما طرحت إشكالات الحدود المشتركة في التعاطي مع أزمة مالي، حيث افترقت التوجهات والمسالك بين المغرب والجزائر تحديداً، فالموقف يرجح أن يشمل الحالة الليبية.
في ثمانينات القرن الماضي أبرمت الرباط وطرابلس اتفاق وحدة باسم «الاتحاد العربي – الإفريقي» وتذرع المغاربة والليبيون بأن لا مشكلات بين بلديهم، لأن الحدود الفاصلة تحول دون التماس الذي تنتج عنه صراعات. جاء ذلك رداً على محاولة شبه وحدوية ربطت بين تونس والجزائر وموريتانيا، وطرح الموقف ذاته، لأن هناك حدوداً فاصلة، أقلها بين الجزائر وموريتانيا، غير أن انغراس البعد الوحدوي في الفضاء المغاربي، دينياً ولغوياً وتاريخياً وجغرافياً، سيجعل العواصم المغاربية تتجاوز حساسياتها في اتجاه بناء اتحاد مغاربي بخمس دول. لكنه سرعان ما انهار أمام الكم الهائل من الخلافات المتنامية.
في حال استمر العجز المغاربي حيال تطورات الأوضاع في ليبيا، فهو دليل إضافي على أن دول المنطقة لم تتخلص من خلافاتها، ومن المستبعد أن تذهب للبحث عن حل أزمة ليبيا فيما ركام أزماتها البينية في تزايد.
يحاول التونسيون الإفادة من زخم الثورة لضخ دماء جديدة في شرايين البناء المغاربي الذي تعطل. إنهم يرغبون في استضافة القمة المغاربية المؤجلة قبل نهاية العام الجاري بأي ثمن. لأن ذلك سيمنح بلادهم دوراً إقليمياً، وإن لفترة محددة. من قبل كانت تونس واقعة تحت كماشة إكراهات جغرافية وسياسية بين ليبيا والجزائر، واليوم أصبحت الكماشة أقرب إلى مخاطر غياب الاستقرار. ويعكس رهانها على استضافة القمة رغبة في التخلص من الضغوط. لكن القرار ليس تونسياً. وطالما أن الحوار بين المغرب والجزائر عالق إلى أجل غير محدد، يصعب إحراز التقدم الكافي في مساعي الوفاق الإقليمي.
لم تقدر العواصم المغاربية على تجاوز تناقضاتها في أوضاع مغايرة، فكيف لها اليوم أن تسهم في حل الأزمة الليبية أو خلق الأجواء المغاربية الملائمة لالتقاط الأنفاس. وكم يبدو حظ دولة مالي أكثر اطمئناناً، من دون إغفال أن الأمر يتعلق بقرار دولي يقضي بمناهضة الإرهاب والتطرف، وفي الحالة الليبية لا تزال التوصيفات تراوح مكانها، ومحورها إبداء القلق لا أقل ولا أكثر.
الحياة” اللندنية