الرئيسية / وجهات نظر / «نداء تونس».. أضجيج هذا أم غربلة؟
آمال موسى

«نداء تونس».. أضجيج هذا أم غربلة؟

بقلم: آمال موسى*

لا حديث في المشهد السياسي التونسي خلال هذه الأيام إلا عن الخلافات الحادة داخل حزب «نداء تونس»٬ الفائز في الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة.
ولقد تطورت الخلافات إلى انشقاقات صريحة٬ يمكن حصرها في بروز شقين داخل الحزب٬ مع تمتع شق بمساندة أكثر من الآخر.
لا شك في أن الخلافات داخل الأحزاب عموما وظاهرة حدوث الانشقاقات ليستا بدعة في عالم السياسة أو أنهما من مظاهر الضعف٬ ولكن هذا لا ينفي التلويح بأن هناك اعتبارات عّدة٬ جعلت من تنامي الخلاف وبلوغه حّد الانشقاق٬ مشكلة حقيقية ذات تداعيات٬ تتجاوز الحقل السياسي ذاته٬ وتشمل أبعاد الفعل الاجتماعي كافة.
وكي نفهم أكثر دلالات تأزم الوضع داخل حزب «نداء تونس» الحاكم اليوم في تونس٬ من المهم وضع الإصبع على مكمن الوجع وأيضا محاولة قراءة تداعياتحالة الانشقاق هذه على الحياة السياسية والتوازنات الآيديولوجية السياسّية بشكل عام.

للمزيد:صراعات داخل “نداء تونس” تهدد بانقسامه

تحيط بحزب نداء تونس قصة خاصة جًدا:
هو حزب تأسس بعد الثورة وُوصف منذ بداياته بأنهُ ولد كبيرا. ولقد ترأس هذه الحزب السّيد الباجي قائد السبسي الذي نجح في استقطاب شخصيات عّدة ذات وزن سياسي واقتصادي مهم٬ ناهيك عن أنه وظف ­ أي السبسي ­ ما يتمتع به من كاريزما ومن خبرة سياسية طويلة (عمل في مختلف المواقع والمناصب والحقائب السياسية السامية)٬ وأيضا تشبعه بالمشروع البورقيبي في إشعاع حزبه.. الشيء الذي جعله يغير قواعد اللعبة السياسية٬ ويفرض وجوده السياسي على خصمه اللّدود آنذاك حركة الّنهضة.
واستمر حال حركة نداء تونس في التصاعد وذلك من ناحية توسع القاعدة الشعبّية٬ وتزايد تأثيره إلى أن تمكن من سحب البساط من جميع الأحزاب والشخصيات المترشحة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة٬ فكان السبسي رئيسا لتونس وكان حزب نداء تونس صاحب الأغلبية النسبّية داخل البرلمان.
المشكلة أن خروج رئيس الحزب إلى قصر قرطاج لتولي منصب الرئاسة٬ ترك فراغا داخل الحزب كاريزماتيا وأيضا أسال لعاب الكثيرين من أجل رئاسة الحزب٬ فكانت المعارك الساخنة٬ التي أنتجت٬ بعد تراكم المشاكل واشتداد التوتر٬ شقين اثنين متفاوتين في التأثير والدعم والحظوظ. وهو انشقاق بلغ زاوية حادة إلى حّد الآن٬ لأن كل شق يحاول الاستعداد للمؤتمر٬ الذي لم يضبط تاريخه بعد على طريقته الخاصة٬ مع العلم أن صعود دخان المعارك الداخلية٬ أسهم في إظهار حجم شعبية كل شق داخل الحزب.
والمعروف عموما في أي حياة سياسّية٬ أنه ما إن يدرك الرأي العام الشق الأقوى أو الحزب الأقوى حتى يصطف وراء الأكثر حظا.
وفي الحقيقة لا يعود قلق المهتمين بالشأن السياسي التونسي داخليا وخارجيا إلى وجود حالة الانشقاق في حّد ذاتها. بل إن الخطر يتمثل في تداعيات هذا الانشقاق
على بلد هش أمنيا ويعيش تحديات اقتصادية وإرهابية كثيرة.
كما أن الواقع السياسي بدأ يتشكل على أثر بروز حركة نداء تونس على نحو جعل الفعل السياسي التونسي٬ تهيمن عليه قوتان أساسيتان هما: حركة نداء تونس وحركة النهضة. وتأكد الاستقطاب السياسي الثنائي في الانتخابات الأخيرة حيث اتضح ضعف الأحزاب الأخرى.
من هذا المنطلق٬ يصبح أي انشقاق داخل نداء تونس هو بمثابة إنذار خطير ينبئ بإمكانية إصابة التوازن السياسي بين القوتين المشار إليهما بالخلل.
بمعنى آخر٬ فإن استقرار حزب «نداء تونس» يعني سياسيا وآيديولوجيا قطع الطريق أمام هيمنة حركة الّنهضة على المشهد السياسي٬ وذلك باعتبار أن ضعفى«نداء تونس» يقوي أكثر حركة الّنهضة على الأقل من الناحية الأولّية والنظرّية.
من ناحية أخرى٬ وبلفت النظر عن مدى صحة الأطروحة الرائجة اليوم في تونس٬ التي يقول أصحابها إن وجود أشخاص هم أقرب آيديولوجيا إلى حركةىالنهضة منهم إلى حركة «نداء تونس» البورقيبي المرجعية٬ يمثل موطن الداء الحقيقي في الانفجار الحاصل داخل الحزب الحاكم٬ فإننا بشكل عام نشير إلىى ظهور أصوات تعّبر بصوت عال ومتشنج في وسائل الإعلام عن مخاوف من استهداف بورقيبية حزب نداء تونس.
ومّما أجج هذه المخاوف تعيين مسؤولة في حركة النهضة على رأس لجنة المرأة في البرلمان٬ حيث ثارت النخب التحديثية وعبرت عن استيائها٬ متوعدة الحزب بالمقاطعة الرمزية٬ وموجهة له تهمة خيانة ثقة التونسيات٬ اللواتي ساهمن في تقوية حركة نداء تونس ودعمه في الانتخابات. إذن تعصف اليوم بالحزب الحاكم في تونس٬ الذي يستند إلى المرجعية البورقيبية٬ ويحاول البناء على مشروع الدولة الوطنية الحديثة٬ صراعات الآيديولوجيا والمال وطموح الجميع إلى رئاسة الحزب.
إّنه فعلا على كف عفريت. فهل يعامله هذا العفريت كحزب ولد كبيرا كما يتباهى القياديون والمنتمون إليه٬ أم أن الأمر لا يتعدى ضجيجا يهدف إلى ترجيح كفة موازين القوى وغربلتها لا أكثر ولا أقل؟

*كاتبة وشاعرة من تونس/”الشرق الأوسط”