الرئيسية / وجهات نظر / الأزمة في ليبيا والبحث عن عتبة السلام
خيري عمر

الأزمة في ليبيا والبحث عن عتبة السلام

بقلم: خيري عمر*

أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، برناردينو ليون، في التاسع من أكتوبر/تشرين أول الجاري، عن قائمة بأسماء أعضاء حكومة الوفاق الوطني الليبية، وصرح إنها نتيجة مشاورات بين وفود “الحوار السياسي”، غير أن الأحداث اللاحقة كشفت أن جانباً كبيراً من هذه الاختيارات والتوافقات لم يكن نهائياً، فباستثناء تسمية أعضاء مجلس رئاسة الوزراء، اتضح أن غالبية الأسماء التي ذكرها ليون لم يتم التوافق عليها، وبعضها كان اقتراحات من فريق البعثة الأممية، وتضفي هذه التناقضات مزيداً من الغموض حول فرص سريان ورقة “الاتفاق السياسي” الصادرة في 21 سبتمبر/أيلول 2015 وإصدارها نصاً نهائياً.
وعلى الرغم من أن تشكيلة “مجلس رئاسة الوزراء” تشير إلى حدوث نقلة مهمة في تغيير النخبة السياسية في ليبيا، فإنها مازالت محل جدلٍ، يمكن أن يؤدي إلى اهتزازها وضعف تجانسها، حيث يمكن القول إن هذه الاختيارات، بالإضافة إلى بعض الأسماء المقترحة لشغل حقائب وزارية، تمثل انتقالاً نحو أجيال من خارج النخبة التقليدية التي عاصرت القذافي، وكانت طرفاً مباشراً في الإنقسامات والصراعات السياسية، يبدو ثمة قلق من انشغال الحكومة بميراث الأزمات والخلافات الأيديولوجية والسياسية.

حكومة الوفاق الوطني

أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن مقترح لتسوية الأزمة الليبية تحت مسمى “الاتفاق السياسي الليبي”، وذلك في 21 سبتمبر/أيلول 2015، ومن المهم التعرف على اتجاهات التعديلات عليها ومدى اقتراب هذه التعديلات من مقترحات أطراف الحوار السياسي.
وفيما يتعلق بتشكيل حكومة الوفاق الوطني، أجريت تعديلات على المسودة الخامسة، فقد أضاف النص النهائي تعيين وزيرين إلى جانب المجلس الرئاسي، وكان هناك تعديل في المادة (1/ 5) والتي تنظم سحب الثقة من الحكومة، فبعد أن كان طلب سحب الثقة يتطلب موافقة كتابية من 50 عضواً. وفيما يتعلق بالتصويت، انخفض صدور قرار بسحب الثقة من 150 عضواً إلى 120 عضواً، واشترطت الصيغة الحالية إجراء مشاورات غير ملزمة بين مجلسي النواب والدولة، للتوافق بشأن الموقف من استمرار الحكومة، لكنه لم يضع قيداً على مجلس النواب، في المضي في إجراءات سحب الثقة.

المزيد: الاتفاق السياسي في ليبيا يبدو بعيد المنال رغم الوساطة الأممية

وقد حافظ مقترح “الاتفاق السياسي الليبي” على مبدأ إجماع “مجلس رئاسة الوزراء”، رئيس الوزراء ونوابه الثلاث، شرطاً لإصدار القرارات، ما يشكل نوعاً من القيادة الجماعية للدولة، يمكن أن تساهم في ضبط السلوك السياسي للمؤسسات، وإيجاد حالة من الرقابة المتوازنة. وينطبق هذا المبدأ على تعيين الوزراء والسياسات العامة ووضع السياسة الأمنية وتسيير شؤون الدولة، ما يشكل ضمانة لعدم الانفراد باتخاذ القرار السياسي، يمكن أن تتجاوز الخبرات السلبية للحكومات التي تشكلت في الفترة الانتقالية السابقة.
لكن فكرة القيادة الجماعية أو السلطات الواسعة للحكومة تواجه تحدي القيود التي تفرضها السلطة التشريعية، حيث يمكن تصنيفها حكومة تقليديةً، مرهونة بإرادة مجلس النواب، وليس “الحوار الوطني” هيئة منشأة للحكومة، وهناك اعتقاد بأن هذه النقطة تشكل مسألة جوهرية في التأسيس لنظام انتقالي يتسم بالتوازن، وكان من الأولى أن تظل الفترة الانتقالية تحت رعاية هيئة “الحوار”، باعتبارها الضامنة لاستمرار التوازن بين السلطات، لكن إخضاع حكومة الوفاق لمجلس النواب، واعتباره سلطة منشئة، يربك المسار الانتقالي، وخصوصاً عندما أقر الاتفاق بقواعد منح الثقة وسحبها (المادة 3) بأغلبية 120 عضواً (60% من أعضاء المجلس). وتعتبر هذه القاعدة تطبيقاً للتعديل الدستوري الثاني (أغسطس/آب 2012) والتي تختص بوضع قواعد تحقق التوافق لاختيار رئيس الوزراء، والقرارات التي تؤثر على المصالح الحيوية للدولة، غير أن هذه القاعدة وضعت أساساً لعمل “الهيئة التأسيسية”، ولكن بشكل يشترط رفع سقف التوافق، بحيث صار صدور مشروع الدستور يكون بأغلبية 41 عضواً (الثلثين+ 1)، وهي كانت القاعدة الأولى بالتطبيق، خصوصاً أن ديباجة الاتفاق أفادت بأن تشكيل حومة الوفاق يأتي في مرحلة استثنائية، ما يتطلب التحوط ضد سحب الثقة، بحيث لا يشكل قيداً على إدارة الحكومة للمرحلة الانتقالية.
وقد تصدت المادتان (8 و8 أحكام إضافية) مسألة محورية في السياسية الليبية، تتعلق بحسم الخلاف على المناصب القيادية في الدولة، منها قيام “مجلس رئاسة الوزراء” بمهام القائد الأعلى للجيش، وانتقال صلاحيات القيادات العليا، بما فيها الجيش والجهات الأمنية، لمجلس الوزراء، بما يتيح له فرصة إقرار تعيينات جديدة في 20 يوماً من تشكيل الحكومة. وفي هذا الاتجاه، حددت المادة (10) طريقة تحديد اختصاصات القائد الأعلى، عندما أناط حكومة الوفاق بتشكيل لجنة مشتركة من مجلس النواب ومجلس الدولة والحكومة ومجلس الأمن القومي، لإعداد قانون يحدد اختصاصات القيادة العليا، خلال ثلاثة أشهر، وبجانب أن هذه الطريقة تحقق قدراً كبيراً من التوافق والإجماع على إعادة ترتيب أوضاع الجيش، فإنها حالت دون الدخول في أزمات تتعلق بالصراع على المناصب العسكرية، وتقضي على فكرة نقل السلطة إلى مجلس عسكري لفترة انتقالية، ولعل الصيغة الجماعية تساعد في تأمين مطالب الأطراف المشاركة في الحوار السياسي وتطلعاتها، ويأتي في مقدمتها التوافق على المناصب العسكرية المهمة.

تلازم أجل مجلسي النواب والدولة

نصت المادة 18 على استمرار انعقاد مجلس النواب حتى انعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشريعية، وفق الدستور الليبي بعد الاستفتاء عليه، وهي جاءت على خلاف المدى الزمني لحكومة الوفاق، فبينما ربط الاتفاق استمرار المجلس بصدور الدستور الجديد، ربط استمرار الحكومة بمدى لا يتجاوز العامين، وكان من الأولى استمرار كل المؤسسات الناتجة عن الحوار حتى انعقاد المؤسسات الدائمة، باعتباره حلاً للانقسامات السياسية في الدولة. لعل الإضافة التي ظهرت في المادة 18 هي أنها طورت صيغة المادة 30 من الإعلان الدستوري، بحيث حصّنت مجلس النواب ضد الطعن الدستوري على استمراره، من دون الحاجة لقرار بتمديد انعقاده، ما يتيح له فرصة إعادة تشكيل الحكومة ومجلس رئاستها، بالتشاور غير الملزم مع مجلس الدولة، وتثير هذه الممارسات نوعاً من مداخل عدم الاستقرار، يترتب على ظهور فجوة السلطة بين مجلسي النواب والدولة، ولمعالجة هذه الجزئية، وضعت المادة 52 أجلاً لـ”الهيئة التأسيسية” ينتهي في 24 مارس/آذار 2016، لكنها لم توضح الآثار المترتبة على عدم الانتهاء من مشروع الدستور، سوى بانعقاد لجنة مشتركة من خمسة ممثلين لمجالس النواب والدولة ورئاسة الوزارء، للتشاور بشأن عملية الدستور، وهو إطار فضفاض، لا يسمح بحسم الأوضاع المترتبة على تباطؤ “الهيئة التأسيسية”.

اجتماع نيويورك

وكشفت كلمات وفود الدول في اجتماعات نيويورك عن تجانس مواقفها تجه الدفع بالتوقيع على “اتفاق السلام”، وحملت بعض الكلمات تهديداً لرافضي التوقيع، تضمن استبعادهم من المسار السياسي وخارج إطار الشرعية السياسية والدولية، ما يعرّضهم لفرض عقوباتٍ حسب قرار مجلس الأمن، وكان ثمة تركيز على ضرورة الالتزام بالجدول الزمني الذي وضعته “بعثة الأمم المتحدة”، وأهمها تشكيل حكومة الوفاق الوطني قبل 21 أكتوبر/تشرين أول 2015 . وبعد العودة من اجتماعات الجمعية العامة، مطلع أكتوبر/تشرين أول الجاري، انعقدت جلسة الحوار السياسي في مدينة الصخيرات ( المغرب) لمناقشة الأسماء المرشحة لمجلس رئاتسة الوزراء والوزراء وباقي المناصب القيادية، وبحث فرص توقيع جميع الأطراف على المسودة النهائية، على أن يتم التوقيع النهائي وتنصيب الحكومة في 19 أكتوبر 2015 في طرابلس.
وعلى الرغم من امتناع غالبية الأطراف عن التوقيع على مسودة “الاتفاق الليبي”، أعلن برناردينو ليون عن المضي في تشكيل حكومة الوفاق، ما يثير تساؤلاتٍ كثيرة حول الدوافع وراء تسمية “مجلس رئاسة الوزراء”، واقتراح التشكيل الكامل للحكومة، وتسمية رئيس مجلس الدولة، فوفق نظام عمل البعثة الأممية، كما في قرار مجلس الأمن 2095، لا تترتب آثار قانونية على تسمية المسؤولين، من دون وجود نص قانوني وقبول سياسي من المشاركين في الحوار. وثمة احتمال أن توجه ليون إلى عقد مؤتر صحفي كان محاولة للضغط على معارضي التوقيع، بالاستفادة من الدعم الذي تلقاه في أثناء انعقاد دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، غير أن هذا التوجه لم يلق زخماً بسبب اتساع نطاق الصراعات الداخلية، وأيضاً عمق الإنقسامات الإقليمية والدولية حول ليبيا، والتي يؤثر بعضها مباشرة في المسارات الخاصة بليبيا.

اتجاهات تعديل المسودة الأخيرة

يمكن القول إنه لم يحدث انتقال جوهري عبر المسودات المختلفة، وهو ما يرجع، في جزء منه، إلى تعقيدات المشهد الليبي، وهناك صعوبة في تحميل “البعثة الأممية” عبء النتائج المحدودة للحوار الوطني، لكنها تواجه مشكلتين، هما، تبني مواقف تتجاوز النظام القانوني للدولة، بحيث صارت أقرب إلى التحيز السياسي، وعدم ابتكار صيغ تساهم في إحداث تغيير جذري في حل الصراعات. ويمكن القول إن الفكرة المحورية التي تدور حولها المسودات تكمن في اعتبار مجلس النواب سلطة وحيدة، فيما المكونات الأخرى للمشهد السياسي في ليبيا جهات ثانوية يترتب وضعها تحت مظلة مجلس النواب الذي يشكل جزءاً من الأزمة، على الرغم من وجود فرصة للاستناد على حكم قضائي، لمنع انقسام مؤسسات الدولة، والمضي بشكل أفضل في المسار الانتقالي.
وتكشف مسودة الاتفاق السياسي عن انتقال محدود نحو التوازن بين مجلسي النواب والدولة، غير أن السياق العام للمسودات يفيد بأن عمل الحكومة (السلطة التنفيذية) تحت مظلة مجلس النواب يزيد من احتمال إثارة نزاع حول الجهة التي تمنح الثقة لمجلس رئاسة الوزراء، خصوصاً أنها هيئة سيادية ناتجة عن الحوار السياسي، وليست عن طريق الانتخابات. وهنا يتوقف تفعيل المادة 64 في اضطلاع الحوار السياسي الليبي بالتدخل لحل النزاعات الناشئة في الفترة الانتقالية على استمرار “الأمم المتحدة” في متابعة أداء المؤسسات السياسية.
وبشكل عام، تشير صياغة الملاحق سرد مهام كثيرة ملقاة على عاتق الحكومة والمؤسسات الأخرى، ما يثير التشكك في وجود أساس يراعي قدرات الدولة وحالة الانقسام السائدة، وكان من الملائم التركيز على أولويات محددة وقصيرة المدى، حتى يمكن تنفيذها في الفترة الانتقالية، ووفق الملحق رقم (4 المادة 2) يعتبر الاتفاق السياسي المرجعية الدستورية للدولة، حيث نص على وجوب تعديل الإعلان الدستوري، وفقا لمبادئ الاتفاق ونصوصه. ونظراً للخلافات حول مسار الحوار السياسي، تزيد هذه الحالة من اهتزاز النظام القانوني القائم.
ومنذ صدور “الاتفاق الليبي” في 21 سبتمبر/أيلول، اعتبرته الأمم المتحدة نهائياً غير قابل للتعديل، على الرغم من أن التوقيع عليه كان بالأحرف الأولى. وقد انقسم أطراف الحوار بين رؤيتين؛ فمن جهة رأى حزب العدالة والبناء أن التوقيع على المسودة الخامسة ليس نهائياً، وشاركته هذا الرأي أطراف أخرى، كما صدرت تصريحات لبرناردينو ليون، تشير إلى إمكانية تعديل المسودة الأخيرة قبل إعلان الحكومة، فيما ذهب “المؤتمر الوطني” إلى أن التوقيعات التمهيدية (الأولية) سوف تكون ملزمة في التوقيع على الملاحق، ما يجعلها اتفاقاً نهائياً. وللخروج من الجدل السياسي والقانوني، رأى “المؤتمر” بضرورة التوقيع فقط يكون على النصوص النهائية للاتفاق، شاملة كل الملاحق حزمة واحدة، وهذا ما يشير إلى اتساع الخلافات، خصوصاً في ظل احتجاج كل الأطراف على عدم تلبية كل مطالبها، وتراجع فكرة تقديم تنازلات متبادلة.
يمكن النظر إلى الوضع السياسي في ليبيا بأنه مازال في إطار الصراعات المعقدة، وهناك صعوبة في تقديم تسوية تحظى بقبول الأطراف الرئيسية في هذه المرحلة، وهو ما يرجع، أساساً، لاستصحاب “الاتفاق السياسي” تناقضات الفترة الانتقالية، والتي ترتب عليها ظهور انقسامات مؤسسية واجتماعية. وقد حاولت المسودة الأخيرة تحسين مناخ “بناء الثقة”، لكن قبولها إطاراً دستورياً وسياسياً وتفعيلها يتوقف على توفر حسن النية وتماسك الحكومة.

*كاتب وباحث مصري/”العربي الجديد”