الرئيسية / وجهات نظر / المثقف العربي من دون زيادة أو نقصان
9d847e2e0fd653c091f39b6ae1d8cd08

المثقف العربي من دون زيادة أو نقصان

على الرغم من توصيفاتٍ سلبية لاَحَقَت المثقفَ في الماضي، ولا تزال تلاحقه أحيانا، فإن لديه ما يقوله، وما يفعله، بالتأكيد. خصوصاً، إذا وجّه قلمه في الاتجاه الذي يجب، وفي اللحظة المناسبة، ليكون على موعد مع نفسه والتاريخ والبشر. وبرتولد بريشت لم يكن مخطئا، أبدا، في قوله “على المثقف أن يتخذ في كل مسألة موقفا”، ولا جان بول سارتر حين عرّف المثقف بأنه “الذي يتدخل في كل ما لا يعنيه”. هذا ينقص كثيرين من مثقفينا العرب الكبار، أي إنهم يغرقون في صمت “إيجابي”، في نظرهم، لكنهم، حينها، يستقيلون من مُهمة الكتابة، باعتبارها صيحة الحقيقة الضرورية.
ما الذي يمكن أن يفعله المثقف العربي في هذه اللحظة العربية الفارقة؟ في هذه اللحظة الغنية بتقلباتها وثوراتها وحركيتها؟
لا يمكن للمثقف العربي، أياً كان توجهه السياسي ومعتقده الديني، أن يقرأ المأساة السورية، ويصمت. أن يرى نكبة عربية أخرى (بعد نكبة فلسطين!) أمام ناظريه، ولا يقول عنها شيئاً. أن يرى “الربيع العربي” يتفتح في غير مكان، ولا يحاول أن يتساءل عن الظروف والمصائر التي تنتظر هذه الشعوب التي تجرأت، بعد نوم طويل، على نفض ضعفها وهوانها، وتقدم مثالاً عن الرغبة في تحقيق الكرامة، نال إعجاب شعوب الأرض كلها. ولا يمكن المثقف العربي إلا أن يؤدي دوره، كما يجب، من دون أن يواكب مأساة الشعب الفلسطيني المستمرة، قراءة ونقداً، ويكتفي بالقول إن الوفد المتفاوض الفلسطيني قادرٌ على تحقيق الاستقلال والحرية لهذا الشعب.
وإذا كان هذا المثقف العربي في مستوى هذه اللحظة، فهو، بالضرورة، قادر على اجتراح لغة جديدة، وكتابة جديدة. إذ لا يمكن للكاتب أن يدبّج نصوصاً في تقريظ الطغاة، كالأسد أو مبارك أو القذافي أو زين العابدين، ويكتبَ باللغة ذاتها، وهو يحاول فَهْمَ الثورات والاقتراب منها، وإبداء التعاطف معها. إذ لكل موضوع لغته وموسيقاه، وبالتالي، اللغة التي تتحدث عن الثورة، وتتعاطف مع الشعوب التي تصنع هذه الثورة، بعرقها ودمها وتضحياتها، لا بد أن تكون لغة ثورية.
المثقف العربي الحقيقي لا يمكن إلا أن يدافع عن كلّ القضايا التي تتعلق بالإنسان، لأنها دفاع عن آدميته هو أيضا. ولأن المعاناة واحدة، وإلاّ ما الذي جعل غابرييل غارسيا ماركيز وغيره من مثقفي العالم يتضامنون مع قضايانا العادلة، وفي مقدمتها فلسطين، إن لم يكن الإيمان بسلاح الكلمة وقوة الموقف؟
لا يمكن للمثقف العربي إلا أن يكون متسامحاً، ومتفتحا على جميع الثقافات والشعوب، لأن التسامح والتفتح يجعلانه يُواجِه، بقوة ونجاعة، كلَّ أشكال العنصرية والإقصاء، في الداخل أو الخارج.
في نص عميق، كتبه في العدد الثاني من الأسبوعية الفرنسية الجديدة “رقم1″، يتسلل الطاهر بن جلون إلى رأس بشار الأسد، ويعثر فيها على رأس فلاديمير بوتين، ويكتب” كانت هذه الرأس لا تزال مقززة، لكني وجدت داخلها مُحتلاّ آخر، شفرة حلاقة، ضبعا، جاسوسا سابقا، ويكتشف بن جلون، بعدها، هذه الحقيقة: “علمتُ أنه (بوتين) هو الذي خطَّط للحرب التي يخوضها صديقُهُ بشار الأسد ضد شعبه منذ 2011”.
تكشف جرأة بن جلون هذه أنه آن الأوان للمثقف العربي أن يؤدي دوره المطلوب منه، وهو تعرية الفساد والظلم والاستبداد، وحينها تصبح كتابته رؤيوية، ويستعيد الدور الحاسم الذي كان يتمتع به الشاعر العربي في زمن القبيلة البائد.
يجب على المثقف العربي ألا يكون مُحايِدا في أي مسألة، تعلق الأمر بالثقافة أو بالسياسة. فالثقافة لا تَقبل التنازلات المحايدة، ولا المحاباة. الحقيقة واضحةٌ، ولا تحتاج لمجلدات من التنظير. يكفي أن يُصْغي لِوَازعِه، وضميره، ويصدحَ بهذه الحقيقة.
الأمل كبير في أن يكون هذا “الربيع العربي” مُفجِّراً للطاقات، وواعداً بمثقف عربي جديد، يؤدي دوره من دون زيادة، ولكن، من دون نقصان، أيضا.
“العربي الجديد”