الرئيسية / دراسات / البعد الدينى في العلاقات الدولية: قراءة مفاهيمية
rhdkh-the-religious-dimension-in-international-relations

البعد الدينى في العلاقات الدولية: قراءة مفاهيمية

مقدمة:
يساعد تعريف الدين وتوضيح حدوده وتحليل عناصره، واستجلاء مقوماته وخصائصه، ودراسة منظماته وهيئاته وطوائفه، على تفهم الوظائف التى تؤديهاالنظم الدينية، ومدى تغلغلها فى الأوضاع السياسية، ومدى تأثرها بالأحوال الاقتصادية، ومدى تكيفها بالعوامل البيئية، وبيان أوجه النشاط الذى تقوم به المنظمات والهيئات الدينية فى مختلف المجالات بالإضافة إلى وظيفتها الدينية الرئيسية.
والخبرة التاريخيةمليئة بالشواهد حول ما كان للفرق الدينية والمذهبية من دور فعال فى الأحداث التاريخية الهامة وفى الاتجاهات الفكرية، بصرف النظر عن طبيعة النظرةلهذه التيارات والرؤى التى تقوم عليها، وفهم الدين يساعد على تفسير كثير من مظاهر التعاطف، ودراسة العلاقات بين الشعوب التى تقرب أو تباعد بينها العقيدة الدينية.
إلا أنه على الرغم ما للدين من أهمية، فإن تعريفه يصطدم بالعديد من الصعوبات، التي تحول دون وضع تعريف جامع مانع له، ومن بين هذه الصعوبات:
ـ التعددية الدينية: والنابعة من وجود اتجاهات وتيارات متباينة من الديانات لا تكاد تجمعها وحدة عامة، هذا فضلا عن أن لكل دين من الأديان فرق ومذاهب وملل ونحل وطوائف مختلفة، قد تصل فى اختلافاتها وتفريعاتها إلى حد تبتعد معه عن المبادئ الرئيسة التى ترتكز عليها العقائد الدينية، كما أن النظم الدينية، شأنها شأن أى نظم اجتماعية، تشهد العديد من مظاهر التطور والتشعب والتفريع، وهذا التحول فى الوضعية الدينية قد يبعدها عن أصلها فى نقائها وصفاء جوهرها[1].
ـ غموض لفظ “الدين” وعدم وجود تعريف دقيق له يساعد على تحديد دلالته وتوضيح مجاله،فلفظ الدين من المصطلحات القديمة، المرتبطة بالمواقف والتصورات والتراكمات الفكرية. وقد أدى ذلك إلى تطور معانى لفظ الدين ومدلولاته عبر الزمان، وعدم ثباته أو استقراره فى صياغة محددة. والاستعمال الحديث للفظ الدين يختلف عن الاستعمالات القديمة له بفعل هذه التراكمات، الأمر الذى يصعب معهالفصل بين حقيقة معنى الدين عما تراكم عليه من المعانى المتجددة. وهو ما يثير جدلية العلاقة بين المفهوم والواقع، والمعانى الجديدة التى تعطى لمفاهيم قديمة فى مراحل تاريخية معينة.
ـ أن لفظ الدين يستعمل على نطاق واسع كأحد المصطلحات العامة والدارجة التى تستخدم فى لغة التخاطب العادية، وتثير صور جامعة تختلف من شخص لآخر، وفق طبيعة إدراكه لها، فتكتسب مضامين مختلفة باختلاف الأفراد والهيئات والثقافات حتى أضحت من أكثر الكلمات استعمالا وغموضا فى آن واحد. والصعوبة الحقيقية فى هذا المجال تنبع من لجوء الباحثين إلى استخدام المصطلح الذى ألفه الناس وتداولوه فيما بينهم، حتى وإن تميز بعدم الدقة خشية من عدم تقبل الناس لمصطلح آخر يخالف ما ألفوه، وهذا التساهل من جانب الباحثين يؤدى إلى زيادة غموض المعانى واتساع الهوة بين الحقيقة العلمية والمصطلح الذى يعبر عنها[2].
ـ طبيعة الواقع العربى ونظرته إلي الدين، حيث ظل الدين حتى وقت قريب من القضايا المحظور تحليلها من منظور سياسى، والتى تتطلب درجة عالية من الحساسية فى التعامل معها خاصة عندما يتعلق الأمر بعلاقة الظاهرة الدينية بالقيم التى يتبناها النظام السياسي القائم وموقع الدين من هذه القيم.
ـ طبيعة الدين كأحد المفاهيم الشاملة التى ترتبط بمجموعة من المفاهيم المتشعبة والمتداخلة معه، والتي يصعب التمييز بينها نظرا لارتباطها وتداخلها[3]، كالثقافة والقيم والحضارة والأخلاق، كما أن هناك ارتباط وثيق بين العولمة وبين بروز دور الدين كمؤثر فى السياسات الدولية، كما يستدعي الحديث عن الدين الحديث عن “القيم” باعتبار الدين منبع الكثير من هذه القيم التى تشكل المكون الأساسى والمميز للثقافة، والمتحكم فى إنتاج الحضارة الحاملة لهذه الثقافة وفى رؤيتها لغيرها من الحضارات.
ووفق هذا السياق فإن تناول البعد الديني في العلاقات الدولية، ارتبط في كثير من الحالات، وبين العديد من التيارات البحثية، بدراسة وتحليل “القيم”، و”الأيديولوجيا”، و”الثقافة”، و”الحضارة”. وحتى تتضح طبيعة هذا التداخل بين هذه المفاهيم، يأتي تناول طبيعة العلاقة بين الدين وكل منها، والتأثيرات المتبادلة، بينها، وذلك من خلال المباحث التالية: الأول: الدين وموقع القيم في دراسة العلاقات الدولية، الثاني: الدين وموقع الأيديولوجية في دراسة العلاقات الدولية، الثالث: الدين بين الثقافة والحضارة في دراسة العلاقات الدولية

المبحث الأول: الدين وموقع القيم في دراسة العلاقات الدولية

يمكن النظر إلى القيم على أنها أحكام معيارية تتضمن مثلاً وأهدافًا ضابطة للوجود الاجتماعي فكرًا ونظمًا وممارسة، ولها صفة الضرورة والالتزام والعمومية. وبهذا المعنى فإن القيم: هي أحكام معيارية معترف بها في الوجود الاجتماعي، وهي في معياريتها تجسد المثل والأهداف والغايات العليا التي يسعى هذا الوجود إلى تحقيقها، ويبغي الوصول إليها، وهذا يفترض الرضا بها، والاقتناع بما تعد به من حقوق، وما تفضي به من واجبات.
والقيم كأحكام مطلقة في ذاتها، ونسبية في التعامل معها بها تضع مقاييس مستمدة من مصادر معترف بها في الوجود الاجتماعي، ومؤمن بما تحتويه، وبما تسعى إليه من صلاح، وإصلاح لهذا الوجود. وهذه المقاييس تتجه إلى تقويم كل ما له صلة بالوجود، وكل ما يعتمل فيه من أفكار، ونظم، وحركات، وهذا يعني أن هذه المقاييس يمكن أن تتعدد وتتنوع، تبعًا للتعدد والتنوع في أبعاد هذا الوجود، وقد يكون ذلك أحد المبررات التي مهدت للحديث عن مصفوفات كثيرة للقيم، أخلاقية، وسياسية، ودينية، واجتماعية، واقتصادية.وهذا التقويم لا يمكن تحقيقه إلا بالإحساس العام بالحاجة إلى الأحكام المعيارية (القيم)، مثلاً وأهدافًا، والالتزام العام بما قد تفرضه وتقتضيه من أوامر ونواه، دون الخروج عليها[4].
وقد ارتبط تحليل البعد الدينى فى مرحلة من مراحل تطور العلاقات الدولية، بدراسة وتحليل القيم، وتنازعت فكرة القيم فى العلاقات الدولية، فى الأدبيات الغربية، مدرستان:

الأولى: ترى أنه من العبث التمسك بقيم فى عالم السياسة الدولية الذى لا يعرف إلا المصلحة، وأن تمسك دولة بالأخلاق يعنى استسلامها فى موقف ما للطرف الآخر الذى لن يتبع نفس قواعد السلوك، ولا يمكن تطبيق المبادئ الأخلاقية العالمية بشكلها المجرد والعام على أنشطة الدول. فالدول، تحكمها أخلاقية تختلف عن أخلاقية الفرد فى علاقاته الشخصية، ولا يجوز الخلط بين الأخلاقيتين لأن ذلك قد يؤدى إلى كارثة على الدولة، وفى حين أن الأخلاق فى المطلق تُقوِّم العمل بمدى تلازمه مع القيم الأخلاقية، فإن الأخلاق السياسية تُقِّوم العمل بنتائجه السياسية، ولا تتطابق القيم الأخلاقية العالمية مع قيم ومبادئ دولة معينة، فكل شيئ نسبى ولا توجد قيم ومبادئ عالمية مطلقة، بالرغم من أن كل دولة قد تحاول أن تصور قيمها ومبادئها وأعمالها وكأنها تتطابق مع الأهداف والمبادئ الأخلاقية التى تفترض أن تحكم العالم[5].

الثانية: وترى أن الحديث عن القيم لا يعنى تجاهل الواقع، بل ترشيده حتى لا ينغمس العاملون فى المجال السياسى فى الحسابات البراجماتية الوقتية، ويرون أن القيم تنفذ إلى قلب العلم عن طريق النظريات، بوصفها مبادئ جوهرية تُشكّل بناء الفكر النظري مُزوّدةً إياه بالمعنى والاتجاه[6].
واستناداً لمقولات هذه المدرسة ظهر المنظور المثالي في دراسة العلاقات الدولية. ويستمد أنصار هذا المنظور رؤيتهم للعلاقات الدولية من الأديان السماوية، والتعاليم والفلسفات الإنسانية التى تهتم بوضع الضوابط والمعايير الأخلاقية العامة للسلوك الإنساني، وتركز على مخاطبة عقل الإنسان وقلبه، واستثارة الجوانب الخيرة فى الطبيعة البشرية، بهدف الارتقاء بالسلوك الإنسانى، والعمل على أن يأتى هذا السلوك متمشيا مع القواعد الأخلاقية التى تحض على قيم التعاون بدلا من الصراع، وعلى السلام بدلا من الحرب، وعلى العدالة بدلا من الظلم، وعلى الحب والإخاء والكرم بدلا من الكراهية والحقد والأنانية. كما يستمدون بناءهم الفكرى من عدة روافد تمثلت فى أعمال عصر النهضة والتنوير وليبرالية القرن التاسع عشر، ومثالية الرئيس الأميركي ولسون فى بداية القرن العشرين[7].
واستلهاما لهذه القيم طرح عدد من مفكري المثالية رؤى أو نظريات عن الحرب والسلام، أو اتخذوا مواقف مناهضة للاستعمار أو للنظم العنصرية، أو غير ذلك من ظواهر العلاقات الدولية المختلفة، ولم يتردد عدد من الأساقفة وعلماء اللاهوت من التنديد بالاستعمار، وتفنيد الأسس التى يقوم عليها من منظور ديني. بل وذهبت بعض المجالس الملية الكنسية إلى حد تقديم مساعدات مادية ومعنوية لدعم حركات التحرر فى أمريكا اللاتينية. وفى المقابل، برزت رؤى ومواقف مماثلة مستوحاة من تعاليم الدين الإسلامى أو اليهودى أو من التراث الثقافى والأخلاقى لديانات غير سماوية أو حتى لفلسفات إنسانية عامة[8].
إلا أن مقولات هذا المنظور تراجعت أمام هيمنة مقولات المنظور الواقعي على دراسة العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن المتغيرات والتحولات الدولية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة مع عجز دارسى العلاقات الدولية عن التعامل مع هذه المتغيرات بأدواتهم ونظرياتهم التقليدية، دفعت إلى رد الاعتبار للتحليل القيمى، وهو ما مهد المناخ للاهتمام بالبعد الثقافى من أبعاد دراسة الظاهرة الدولية، كذلك فإن محاولات دراسة الثقافة فى إطار العلاقات الدولية ركزت على أهمية تجدد الدراسة والبحث فى النظرية القيمية لتحقيق نتائج أفضل لدراسة القضايا الجديدة فى إطار واقع العلاقات الدولية.خاصة وأن المكون القيمى هو الأساس فى تكوين المُركب الذى تتكون منه الثقافة، والاهتمام بالبعد الثقافى فى إطار الرؤية الغربية، لا يتأتى إلا من خلال الحديث عن القيم ودراستها، كنوع من التعبير عن الحضارة الغالبة،وتزكية النسق القيمى الغربى وتعميمه وعالميته، والبحث فى المقابل عن تهميش الأنساق القيمية الأخرى أو افتراض عناصر مواجهة بين الحضارات وأنساقها القيمية[9].
وفي مواجهة هذه النزعة الغربية، خلصت دراسة أجرتها “اليونسكو”، إلي أن هناك عددا متزايدا من معتنقي ديانات العالم، يؤمنون بأنه على الرغم من اختلاف العقائد والمعتقدات إلا أن هناك اشتراك في العديد من القيم والأخلاقيات لإيجاد قيم ومثل عالمية، لاسيما تلك التي تحكم المعاملات فيما بين البشر. وأن العلاقات بين الأديان تؤثر على المجتمع الدولي. فغالبا ما يستخدم الدين لتبرير المصالح الأيديولوجية والاقتصادية والسياسية وإضفاء الشرعية عليها، ولكن الدين يمكن أن يكون له دور كبير في خلق ثقافة السلام التي تجعل من الممكن تفادي النزاعات والصراعات ونزع فتيل العنف وبناء هياكل وأطر أكثر عدالة وحرية. فالدين من شأنه التأكيد على الجوانب الأصلية والأساسية للكرامة الإنسانية، والانفتاح على الآخرين، وتحديد الأولويات الحقيقية في حياة الأفراد والشعوب[10].
وهنا يشير “كامرن موفيد” (Kamran Mofid) إلي إن هناك حاجة إلى مثل عالمية توفر أساسًا أخلاقيًا للعولمة، حيث يري أن “غياب الروحانية في العولمة ضار جدا، حيث جمد خيالنا. وللنجاح في عكس هذا الوضع الحرج والمتأزم المرتبط بالعولمة، علينا أن نوقظ الرغبة في الناس لكي يطرحوا أسئلة أعمق وأكبر وأوسع حول الحياة وغايتها. فالعولمة اليوم تفتقر بشدة إلى وعي مدرك وإلى قيم وأخلاقيات وروحانيات”[11].
وفي دراسة لمدخل القيم، كإطار مرجعى لدراسة العلاقات الدولية فى الإسلام، قدم د. سيف عبد الفتاح[12]، رصداً لواقع القيم في دراسة العلاقات الدولية، وقام بالتمييز بين عدة اتجاهات:

الأول: الفصل بين العلم والقيم: ويقوم علي أنه كلما كان العلم متحرراً من القيمة خالياً منها صار علماً، ويراكم المسيرة نحو علميته. وهذا التوجه تحركه جملة من القيم ضمن اتساقه المعرفي ورؤاه المنهجية وموضوعاته البحثية.

الثاني: النظر للقيم كموضوع للعلوم الإنسانية والاجتماعية: ويري أن القيم بالمعنى المادى قد تصلح لأن تكون مكوناً للظواهر القابلة للبحث، والتعامل مع تطوراتها، ولكنها بالمعني المعنوي، يستحيل الاستدلال عليها، أما المادى من القيم القابلة للدراسة والتكميم فهو الجدير بالاهتمام، وما هو غير قابل لذلك فليس من الأهمية بمكان.

الثالث: الفصل بين القيم والواقع: ويري أن القيمة الوحيدة تكمن فى الواقع المادى نفسه، فهو الذى يكون الظاهرة، وهو الذى يعد محركاً للتنظير، وهو المقياس للدراسة المنهجية والعلمية.

الرابع:محورية القيم: ويشمل هذا المستوي جملة الدراسات والبحوث التى جعلت من القيم أهم عناصر بحثها فى سياق نماذج معرفية عربية وإسلامية. إلا أن هذا المستوي، وفي الوقت الذي حرص أنصاره علي جعل القيم فى المركز من اهتماماته، إلا أنه علي مستوي الممارسة يقود إلي تهميش القيم وعدم تفعيلها. نتيجة لأخطاء تنظيرية، يجب تعديلها لضبط دراسة القيم، ومن هذه الأخطاء:نسبية القيم، وإجرائية القيم، وافتراض الترادف بين أنساق القيم من جانب والأنساق الأيديولوجية من جانب آخر.
وفي إطار تصاعد الاهتمام بالبعد القيمي فى العلاقات الدولية، وبروز العديد من الأطروحات الغربية فى هذا الإطار، يري الباحث أن إسهام المنظور الإسلامى في العلاقات الدولية، قد يكون أكبر من غيره من المنظورات الفكرية، على اعتبار أن اهتمام الدارسين لهذا المنظور بالقيم ليس فقط نابعاً من منطلق رد الاعتبار للقيم أو عودة الاهتمام بها، كما هو الغالب في الرؤية الغربية. ولكن أيضاً لأن المنظور الإسلامى قيمى بالأساس، ومن ثم فإن دراساته وخطواته أكثر إسهاماً للدراسة النظرية للقيم في العلاقات الدولية.

المبحث الثاني: الدين وموقع الأيديولوجية فى دراسة العلاقات الدولية

تتعدد الاتجاهات بشأن مفهوم الأيديولوجية، ومن ذلك:أنها مجموعة القيم والأخلاق والأهداف التى ينوى تحقيقها طرف ما، وإذا ما ارتبط مفهوم الأيديولوجية بعصر من العصور فإنه يعنى النظرة التى يلقيها أهل ذلك العصر على الكون والمجتمع والفرد، والتى يندرج تحت قواعدها العامة كل تقرير أو حكم صدر فى ذلك العصر. فأيديولوجية عصر من العصور هى الأفق الذهنى الذى يحد فكر إنسان ذلك العصر. وإذا اقترنت الأيديولوجية بمذهب سياسى، فإنها تسعى إلى توضيح الأسباب التى جعلت الفكر الإنسانى فى كل أدواره يرى طبقا لدعواه هو لا طبقا لذاتها هى. ويقابل مفهوم الأيديولوجية فى هذا الاستعمال مفهوم الحق، وعند القول بأن شخصا ما ينظر إلى الأشياء نظرة أيديولوجية. فإن ذلك يعنى أنه يتخير الأشياء ويؤول الوقائع بكيفية تظهرها دائما مطابقة لما يعتقد أنه الحق، فالفكر الأيديولوجى يتعارض مع الفكر الموضوعى الذى يخضع للمحيط الخارجى فيتشبع بقوانينه.
وفي إطار هذه التوجهات،فإن الأيديولوجية تستخدم بمدلول سياسى لتعنى النسق الفكرى الشامل أيا كان اتجاهه. وأهم ما يميز هذا النسق الفكرى أن مجاله هو الواقع، أى أنه يتضمن جانب الفكر وجانب العمل: بمعنى أنه يتضمن مجموعة الأفكار والبرامج التى يترجمها إلى واقع عملى، فإذا تقبلها الشعب وآمن بأفكارها بحيث تصبح جزءا من حياته اليومية وبحيث يعيش بها ولها، أضحت عقيدة. فالعقيدة تتضمن الإيمان أو الاعتقاد ومجالها الشعب فى مجموعه وليس النخبة أو الطليعة فيه[13].
ومن هنا فإن الأيديولوجية في تعريفها الواسع هي “مجموعة من الأفكار المتجانسة بدرجة أو أخرى والتي تمثل المحرك الأساسي لحركة سياسية منظمة، سواء أكان هدفها المحافظة على نظام القوى السائد، أو تعديله، أو الإطاحة به. ولذا فإن الأيديولوجية تقدم تصورًا للنظام القائم، في صورة رؤية للعالم، وتقدم نموذجًا للمستقبل المنشود أو المجتمع الأفضل/ الصالح، وتصور كيف يمكن أن يتم التغيير فيه[14].
وهذا التعريف يتفق مع الاستخدام الاجتماعي العلمي للمفهوم، كما يلفت الانتباه لبعض أبرز خصائص ظاهرة الأيديولوجية، ويؤكد على أن تركيب مفهوم الأيديولوجية يرجع إلى كون المفهوم يتجاوز الحدود الفاصلة بين الفكر الوصفي والفكر المثالي القيمي، وبين النظرية السياسية والممارسة العملية، فالأيديولوجية تقوم بنوعين من التركيب أو التأليف: بين الفهم والالتزام، وبين الفكر والحركة. كما تتخطى الفاصل بين “ما هو كائن” و “ما ينبغي أن يكون”، فهي تزود الأفراد والجماعات بخريطة فكرية توضح كيف تدور التفاعلات، الداخلية أو الخارجية، وكذلك تزوِّدهم برؤية للحياة والعالم، وهذا الدوريقترن بنسق من القيم العقيدية والرؤى العلاجية التي بها يتم تقويم الترتيبات الاجتماعية القائمة وطبيعة المستقبل، والصورة المنشودة للمجتمع في المستقبل[15].
والأيديولوجية، وفق هذه الرؤية، تقوم على ثلاثةعناصر، أولها: مجموعة متماسكة من “الأفكار” التى تتعلق بالحقيقة فى ذاتها، كالمعتقدات التى تتصل بالحقيقة فى ذاتها، أو بما هو حقيقى، وأيضا بما هو غير حقيقى، وثانيها، مجموعة متماسكة من “القيم” وهى أمور اعتبارية لها قيمتها وقدرها فى ذاتها، ويسعى الناس إليها، والتى تربط تلك الأفكار وترتبط بها. وتبعا لهذا فإن الأيدولوجيا تعتبر مصطلحا سياسيا، وثالثها، “عناصر للعمل”أى أهداف يسعى الناس إليها، أو تكتيكات قد تكون مناسبة لهذه الأهداف. فالأيدولوجيا كمجموعة أو شبكة، من المعتقدات والقيم، ترتبط بالعمليات الذهنية الخاصة بالإدراك وتحصيل المعرفة[16].

وتتخذ العلاقة بين الدين والأيديولوجيا، عدة مستويات، من بينها:

1ـ القول بأن الدين هو أحد المفاهيم التى خضعت للتوظيف الأيديولوجى والسياسى، فالاستعمالات المختلفة للفظ الدين تكشف عما يختفى وراءها من أيديولوجيات ومصالح واتجاهات مختلفة. فهناك جماعات لها مصلحة فى غموض اللغة، وهناك جماعات أخرى تتعمد استخدام الألفاظ ذات المدلولات والمحتويات الدعائية أو التى تدافع عن بعض الاتجاهات أو المصالح الخاصة.

2ـ القول بأن الدين “جزء”، والأيديولوجية “كل”، وأن البعد الأيديولوجي للدين يتمثل فى الاتجاه الذى يهتم بالتحليل التاريخى والاجتماعى للدين كجزء من الأيديولوجيا أو من الميراث الثقافى والاجتماعى[17].
3ـ القول بأن الدين ظاهرة أيديولوجية: حيث يرى “العظمة” أنه حتى منتصف القرن التاسع عشر لم ينفصل الدين كظاهرة أيديولوجية عن الهيئة الاجتماعية. ولم تبدأ بوادر هذا الانفصال بالظهور إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، بعد هيمنة الفكر المدني الحديث على شؤون الدولة والمجتمع، وانفصال الممارسة الدينية عن الممارسة المجتمعية والسياسية العامة. وهذا الانفصال أتاح للمفاهيم الدينية فرصة استجماع مضامينها المجردة عن الممارسة، وصياغتها صياغة متكاملة بمنأى عن الواقع الذى استلبته منها عملية تحديث الدولة والمجتمع والاقتصاد والحياة العقلية. وهذا ما جعل من الممكن للدين أن يتخذ صورة شمولية وشاملة[18].
4ـ الربط بين الأيديولوجية والدين، من حيث أنهما قد يتسببان فى تعقيد النزاعات ولكنهما لا يخلقانها، كما أن الأيديولوجية تشكل منظومة للقيم، ولكنها لا تدخل فى كل تفاصيل الحياة، وعند الواقعيين فإن الأيديولوجية لا تهم كثيرا، فالصراع بين الدول هو صراع حول المصالح، وكل دولة تسعى إلى تحقيق مصالحها بصرف النظر عن الأيديولوجية، وصراع الحرب الباردة كان منفصلا عن الأيديولوجية فقد كان صراعا على القوة بدرجة رئيسة، فالدول تغير استراتيجيتها وأهدافها لكى تحقق مصالحها[19].
وفى إطار هذه المستويات يرى الباحث أن إشكالية العلاقة بين الدين والأيديولوجية، ليست فقط في أيهما جزء من الآخر، أو فى أى منهما يكمل الآخر، ولكن أيضاً في أن هذه العلاقة قد تكون تصادمية، كما برز في حالة الصدام بين الأيديولوجية الشيوعية والأديان المختلفة، ودعوتها للقضاء على الأديان وتهميشها، بل والسعي لاحتوائها، وهو ما انعكس سلباً على موقع الدين بين الاتجاهات الفكرية المؤمنة بالشيوعية والمنادية بمقولاتها، كما انعكس على دراسة الدين في العلاقات الدولية خلال مرحلة الحرب الباردة التي حكمها، من وجهة نظر الكثيرين، الصراع الأيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
ومن ناحية ثانية، فإنه رغم التنوع فى الأيديولوجيات، المنتشرة في العالم، والمؤثرة في مسار العلاقات الدولية، لا يمكن القول بأن العالم يعاني حالة من الفوضى الأيديولوجية، لأن هذه الأيديولوجيات، مع تعددها وتنوعها، ليست منفصلة عن بعضها تماما، ولكنها تتداخل فيما بينها، ويتوقف الأمر هنا علي مدي هذا التداخل، فكلما التقت عناصر هذه الأيديولوجيات كان ذلك أقرب إلى دعم مؤشرات التعاون في العلاقات الدولية، والحد من الطبيعة الصراعية فيها، والعكس صحيح.

المبحث الثالث: الدين بين الثقافة والحضارة في دراسة العلاقات الدولية

ترتبط الثقافة بالدين ارتباطاً جذرياً، يتجسد في طبيعة المعرفة الدينية، فهذه المعرفة وإن تكن مستندة على الوحي، ومستمَدة في عناصرها الأساسية منه ومن الإيمان به، إلا أنها ليست الوحي نفسه. وسواء تم النظر إلى الدين بوصفه منزلاً من الذات الإلهية، أو كظاهرة تاريخية بشرية، فإنه لا يمكن سلبَ الخبرة الدينية بُعدَها الثقافي. فحضور البعد الثقافي في الخبرة الدينية هو ظاهرة موضوعية، لذلك فإن توسيع دائرة التعامل بين الدين والثقافة، مسألة يُمليها الواقع الموضوعي، وصولاً إلى التماس الحدود والأبعاد المشتركة بينهما، وكذلك الحدود والأبعاد التي تخص كلَّ واحد منهما.
وقد أثار ت. س. إليوت، قضية مكانة المعتقدات الدينية فى بنية الثقافة، فى محاولته الكشف عن الصلة الجوهرية بين الثقافة، والدين. حيث يري أن “الدين والثقافة وجهان لشيء واحد، وهما شيئان مختلفان، .. ولا يوجد دين يمكن فهمه فهماً كاملاً من خارجه، فلا أظن أن ثقافة أوروبا يمكن أن تبقى حية إذا اختفى الإيمان المسيحى اختفاءً تاماً. إذا ذهبت المسيحية فستذهب كل ثقافتنا”. ويضيف: “يجب أن نعمل على تجنب خطأين متعاقبين، خطأ اعتبار الدين والثقافة شيئين منفصلين بينهما علاقة، وخطأ المطابقة بين الدين والثقافة”[20].
ونظراً لأن الاهتمام بالثقافة قد جاء متأخراً فى إطار حقل العلاقات الدولية عنه فى غيرها من حقول العلوم الاجتماعية، فقد أثر ذلك على تناول الثقافة فى إطار هذا الحقل، من ناحيتين: الأولي، تراكمية، حيث راكم دارسو العلاقات الدولية على إسهامات الفروع الأخرى من العلوم الاجتماعية، فلم ينشغلوا كثيراً بتقديم التعريفات النظرية والعلاقات المفاهيمية والفروق فيما بين تلك المفاهيم وبعضها البعض، الثانية، انخراط العديد من الباحثين من العلوم الاجتماعية الأخرى فى الإسهام بكتاباتهم حول الثقافة فى العلاقات الدولية، وخاصة حول نظريات الثقافة، ومناهج وأساليب دراسة الثقافة، وغيرها من الموضوعات التى مثلت نقاطاً للاتصال بين العلاقات الدولية من جهة وبين غيرها من فروع العلوم الاجتماعية الأخرى من جهة ثانية.
وفيإطار دراسات العلاقات الدولية برز الاهتمام بالبعد الثقافى، وهو ذلك البعد المتصل بآثار اختلاف الثقافة والحضارة على اختلاف الرؤى والقيم وقواعد السلوك والأخلاق، وعلى اختلاف الرؤية للعالم ولمعايير التقويم ودوافع السلوك وأسس الهوية.ويمتد هذا التأثير علي عدة مستويات، من حيث كون البعد الثقافي مؤثراً في وضع أسس جديدة لتقسيم العالم، وتقديم محركات للتفاعلات الدولية، ومحدداً لنمطها ولحالة النظام الدولى وأدوات السياسة الخارجية، وموضوعاً من موضوعاتها، ومحددا لخطاب النخب والقاعدة، وعنصراً تفسيرياً أو تبريرياً للتحالفات ومكوناً للقوة[21].
وقد شهدت أدبيات العلاقات الدولية، وخاصة في مرحلةما بعد انتهاء الحرب الباردة اهتماماً ببيان العلاقة بين الثقافة والعلاقات الدولية إلى الحد الذى جعل البعض يتخذ من البعد الثقافي مفسراً ومحركاً لهذه العلاقات، وخاصة في ظل الارتباط الوثيق بين مفهوم الدين ومفهوم “العولمة”، الذي يشكل أحد أهم الأطروحات الفكرية التي تقوم عليها العلاقات الدولية خلال هذه المرحلة، هذا الارتباط الذي يقوم على عدة مستويات، أولها،مستوى العمليات الجارية على الصعيد الدولى، فالعولمة لا تتسبب فقط في خلق سوق عالمى موحد وإنما تخلق مجالاً ثقافياً عبر قومى؛ تلعب فيه أدوات العولمة دوراً تآكلياً للاختلافات الثقافية الموجودة على المستوى القومى، وفى الوقت الذى يتوالد فيه تنوع هائل من الكيانات الثقافية والاجتماعية الجديدة، فإن العولمة تعمل عل تجانس وتفتيت الثقافات فى ذات الوقت. وهنا يتم الاهتمامبالآثار المباشرة وغير المباشرة للعولمة،بأبعادها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية على البعد الثقافى[22].وثانيها، مستوي محورية البعد الثقافي،إذا كانت العولمة بأبعادها الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والسياسية تستحق الاهتمام، فإن أهم أبعادها، هو الثقافة. لأن الثقافة هى المعيار الأهم للتمييز بين الهويات المختلفة، ومن ثم فإن أية عولمة للثقافة هى، فى جانب رئيس منها، هيمنة لثقافة معينة على الثقافات الأخرى[23].
وقد ارتبط الجدل حول العولمة والثقافة، بالخوف على الهويات والخصوصيات الثقافية، باعتبار أن هذه الهويات والخصوصيات قد أضحت خط الدفاع الأخير لأصحابها، من ناحية، أو دعم تيار العولمة، من ناحية ثانية. وفى التيارين تصاعد الاهتمام بالثقافة وموقعها من العلاقات الدولية الراهنة. وإن كانت درجة الاهتمام أعلى فى النوع الأول، لأنها تعطى ثقلاً أكبر للمتغير الثقافى فى تأثيره على الظاهرة الدولية، بينما لا يزال أنصار الاتجاه الثانى يعلون من تأثير المتغيرات الأخرى على الظاهرة الدولية، ويأتى حديثهم عن الثقافة فى مرتبة تالية من حيث الأهمية[24].
وقد قدم “صمويل هنتنجتون” نموذجاً لتفسير العلاقات الدولية لفترة ما بعد الحرب الباردة تمثل الثقافة فيه “الإطار الكلى المحدد” لهذه العلاقات الدولية، وينطلق هذا النموذج من عدة افتراضات منها: أن المصدر الأساسى للنزاعات فى العالم الجديد لن يكون مصدراً أيديولوجياً أو اقتصادياً فى المحل الأول، فالانقسامات الكبرى بين البشر ستكون ثقافية، وأن المصدر المسيطر للنزاع سيكون ثقافيا.ً وإن للهوية الثقافية أهمية متزايدة فى المستقبل، وأن أهم النزاعات التى ستحدث فى المستقبل ستكون على امتداد خطوط التقسيم الثقافية التى تفصل الحضارات عن بعضها. وإن لب الثقافة ينطوى عل اللغة، والدين، والقيم، والتقاليد، والعادات؛ وأن أهمها الدين. وإن صدام الحضارات يحل محل الحرب الباردة باعتباره الظاهرة المركزية للسياسات العالمية[25].
ويمثل هذا النموذج نقلة فى النظر لوزن البعد الثقافى فى العلاقات الدولية، حيث ينقل الثقافة من هامش دراسة العلاقات الدولية إلى قلبها، وإذا كان هنتنجتون قد قدم نموذجاً ليعبر من خلاله عن صورة واحدة “هى الصراع” لتفسير العلاقات الدولية من خلال منظور ثقافى، فإن ثمة اجتهادات نظرية أخرى رأت البعد الثقافى مفسراً للعلاقات الدولية ومحركاً لها نحو مزيد من التفاعل والحوار.
وبرغم تعدد النماذج حول مستويات التأثير المختلفة للثقافة على العلاقات الدولية، وبرغم المحاولات النظرية للعديد من التيارات لإدخال بعض التعديلات على المنظور السائد بحثاً عن مكان ملائم للثقافة يتفق والمنطلقات النظرية لهذه المنظورات. إلا أن ذلك لا يعنى القبول العام بين دارسى العلاقات الدولية على أن الثقافة ستشهد المزيد من الاهتمام والبروز سواء واقعياً أو نظرياً.
وهذه النماذج المؤيدة لتزايد أهمية البعد الثقافى فى العلاقات الدولية، والرافضة لتأييد مثل هذه الأهمية، تعبر عن امتدادات لرؤى نظرية مختلفة حول أولوية العوامل المفسرة للعلاقات الدولية من ناحية، ووزن الثقافة فى تأثيرها على العلاقات الدولية من ناحية أخرى. غير أن الجدل بين هذه الرؤى، يعد مؤشراً على تصاعد أهمية البعد الثقافى فى إطار أدبيات العلاقات الدولية. كما أن هذا الجدل يطرح مساحة واسعة للمهتمين بالبعد الثقافى لتقديم إسهاماتهم وتطوير مقولاتهم النظرية بشأن الثقافة والعلاقات الدولية[26].
وفي إطار هذا الجدل، برزت إشكالية العلاقة بين الثقافة والحضارة، حيث يميز البعض بين الحضارة والثقافة، من حيث شمول مفهوم إحداهما على الآخر، فالبعض ينطلق من أنه لكل مجتمع حضارة، وأحد جوانب تلك الحضارة هو الجانب الثقافى، أى ما يتصل بالأفكار والمعارف والمشاعر، بمعنى أن مفهوم الحضارة هو الأشمل. بينما يري البعض الآخر، أن الحضارة هى جانب من جوانب الثقافة، أى أن الثقافة هى الأوسع، فلكل مجتمع ثقافته التى تعبر عن روحه، أما حضارته ومدنيته فهما تعبيران على مدى أوجه تلك الثقافة العملية، ويري فريق ثالثأن المفهومين مترادفين، وهما ذلك الكل المركب الذى يشمل العقائد والمعرفة والفن والأخلاق والعادات التى يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو فى مجتمع. أى أن الحضارة هى مجموعة القيم والأنماط التى تتحكم فى توجيه النشاط الروحى والمادى للمجتمع[27].
وللتمييز بين الثقافة والحضارة والدين أهميته عند الحديث عن المكونات (الثقافية) المختلفة لحضارة ما في الدين أو السياسة أو الاجتماع. وفى هذا الإطار يري سيمون موردن Murden”، أن الحضارة مرحلة من مراحل تكوين الثقافة، ولكنها المرحلة الأعلى. وبذلك تأتى الثقافة كخطوة سابقة على تكون الحضارة، ويتم تعريف الثقافة بأنها “الوعى بلغة، أصل إثنى، تاريخ، دين، عادات ومؤسسات مشتركة، والانتماء لأرض واحدة”. وأن الثقافات قد تتكون على مستويات مختلفة. وعندما تسود الثقافة بهذا المعنى، ويعى الأفراد بتشاركهم هذه الثقافة تتكون الحضارة[28].
وفي مقابل هذا الاتجاه ينظر البعض للحضارة على أنها نتاج الثقافة التى صاغت العقل الجمعى للمجتمع صاحب هذه الحضارة. وأنها مزيج من العلاقات المتشابكة التى تجسد منجزات الإنسان فى أوجه الحياة المختلفة، ومن ثم فلكل أمة أو شعب نصيبه من الحضارة، طالما أنه يمارس أسلوب حياة. أما الثقافة فى أية حضارة فهى التى تحدد اختيارات الحضارة الكبرى ومشاريعها الاستراتيجية، وتجيب على الأسئلة المرتبطة بعلاقة هذا الوجود الحضارى، بغيره من الحضارات الأخرى في إطار من التعدد والتنوع[29].
وفى إطار هذه الاعتبارات، وحول جدلية العلاقة بين الدين والثقافة، وبينهما الحضارة، ومحورية دور كل منها في العلاقات الدولية، وهى الجدلية التى تختلف حولها الرؤي والتصورات السوسيولوجية والأنثروبولوجية والفلسفية والسياسية[30]. يرى الباحث أن الدين إذا كان في جانب منه أحد أهم مكونات الثقافة، بل إن الدين هو أكثر مكونات الثقافة اتصافاً بالاستمرارية والاستقرار وأكثرها تأثيراً، وهو كذلك أحد أهم الرموز الثقافية تعزيزاً للهوية وتمييزاً لها، فإنه في جانب آخر قد يكون هو مصدر هذه الثقافة، والأساس الذي يقف خلف نشوئها وتكوينها، وترسيخ الحضارات التي تستند إليها، ويمثل الدين الإسلامي، النموذج الأبرز في هذا السياق، فقد كان مصدراً لثقافة وحضارة جديدتين، ترسخت أركانهما استناداً لما جاء به من مفاهيم وقيم وأطروحات دينية ودنيوية.
وأمام هذا التداخل في المفاهيم، وتأثير كل منها على الآخر، فإنه بجانب الإشكاليات التي يثيرها هذا التداخل تبرز إشكالية، نقل هذه المفاهيم من إطارها الفكري إلى الواقع العملي، وهو ما يثير جدلية العلاقة بين “القيم والقيمي”، و”الثقافة والثقافي”، و”الحضارة والحضاري”، و”الدين والديني”.
وفي سياق هذه الجدليات يؤكد هنتنجتون على أهمية تناول الكيفية التى تؤثر بها الثقافة، فى المدى الذى يمكن أن تبلغه المجتمعات، وفى وسائل هذه المجتمعات من أجل إنجاز تقدم أو إخفاق فى هذا الإنجاز فى مجال التطوير الاقتصادى والمقرطة السياسية، وبالتالي التركيز على الثقافة كمتغير مستقل أو تفسيرى. وإذا ما كانت العوامل الثقافية تؤثر بالفعل فى التقدم البشرى أو تعيقه فى أوقات ما، مع تناول الثقافة، أيضاً، كمتغير تابع من حيث البحث في كيف يمكن لجهد سياسى أو غير سياسى أن يغير أو يزيح العوائق الثقافية التى تحول دون التقدم[31].
ويؤكد “فريد هاليداي” أن الدين بذاته، لا يقدم منظوراً أوتحليلاً للعلاقات الدولية المعاصرة، كما لا يعطي تفسيراً لممارسات الشعوب أو الدول،فهو قد يستخدم لصوغ موقف ما، لكنه بذاته لا يقدم تفسيراً، فالسؤال ليس عن الكيفية التي تساعدنا فيها منظومة من القيم الدينية علي تحليل ممارساتدول أو حركات معارضة، بل عن كيفية تعريف تلك الدول والحركات للدين واستعمالهلأغراضها الخاصة[32].
وهو نفس ما ذهب إليه “أوليفيه روي” في قوله أن الأديان تأثرت بأفكار العلمنة، فغدا الانفصال بين ما هو ديني محض وما هو من قبيل الممارسة السياسية والثقافية أمرا واقعا. وهذا الانفصال أنتج ثنائية الدين (religion) والديني (religiosity)، وهو ما انعكس على آليات انتشار “الأصولية الجديدة” وعلى مدى اندراجها في سياق العولمة، التي نجحت في سحبها من فضائها الأصلي وتحويلها إلى ظاهرة اجتماعية حديثة. وضمن هذه الظاهرة يعيد الأفراد رسم علاقتهم بالدين انطلاقا من تجربتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية الخاصة فيأتى تدينهم مطبوعا بخصوصيات تلك التجربة التي ساهموا في بنائها، لا تأسيسا على ثقافة أو حضارة معطاة سلفا، بعيدة عنهم في الجغرافيا، وتاريخها ليس جزء من تاريخ المجتمعات التي نشأوا فيها والتي صاروا جزء من تكوينها. ويضيف: “إن التدين عند المسلمين هو ممارسة اجتماعية، وهو انعكاس لتصور المسلمين عن الإسلام. فالمسألة ليست فيما يقوله القرآن وإنما في ما يقول المسلمون أن القرآن يقوله، والإشكال ليس في الإسلام باعتباره دينا وإنما في ممارسة المسلمين وفيما ينتجونه من خطاب ديني”[33].
وفى إطار هذا الجدالات فإن الباحث سيتبنى في هذه الدراسة تعريفاً إجرائياً للدين، في إطار العلاقات الدولية يقوم علي أنه: “كل ما تعتنقهالفواعل التى تقوم عليها هذه العلاقات ـ رسمية أو غير رسمية، وتؤمن به، من مبادئ وأحكام ومعايير، تضبط ممارساتها ـ فكراً وسلوكاً، قولاً وفعلاً ـ وتحكم توجهاتها، سواء أكانت تلك المبادئ أو الأحكام والمعايير مستمدة من رسالات سماوية أو من رؤى فلسفية وأيديولوجية أو موروثات ثقافية أو تاريخية أو اجتماعية، أو توجهات شخصية”. بينما يتمثل “الديني”، في كيفية نقل هذه المعتنقات إلى الواقع الفعلي، ممثلاً في العمليات والقضايا التى تقوم عليها هذه العلاقات.
————–
[1]أحمد الخشاب، الاجتماع الدينى (القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة، 1959): 85-86.
[2] عبد العزيز عبد الغنى صقر، دور الدين فى الحياة السياسية فى الدولة القومية: تحليل تجريبى (رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الإسكندرية، 1989): 7-11.
[3] سلوى محمد إسماعيل على، العامل الدينى وظاهرة الاستقرار السياسى فى المغرب (رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، 1999): 17-18.
[4]مصطفى محمود منجود، “القيم والنظام المعرفي في الفكر السياسي: رؤية مقارنة في إسهامَي الغزالي ومكيافيللي”، مجلة إسلامية المعرفة، العدد 19، مقالة إلكترونية متاحة عبر الانترنت، المعهد العالمي للفكر الإسلامي،الرابط
[5] ناصيف حتي، النظرية في العلاقات الدولية (بيروت: دار الكتاب العربي، 1985): 23-25.
[6] Robert R. Alford, The Craft of Inquiry Theories, Methods and Evidences (USA: Oxford University Press, 1998): 35-38.
[7] هانز كينج، “الحوار بين الأديان والأمم”، مجلة التسامح، العدد 17(شتاء 2007): 201-204.
[8] Chris Brawn, International Relations Theory: New Normative Approaches (New York: Simon & Schuster International Group, 1992): 223-227.
[9]سيف الدين عبد الفتاح، “مدخل القيم: إطار مرجعى لدراسة العلاقات الدولية فى الإسلام”، فى مشروع العلاقات الدولية فى الإسلام، إشراف وتحرير نادية محمود مصطفى (القاهرة: المعهد العالمى للفكر الإسلامى، 1996): 44.
[10] United Nations Educational Scientific and Cultural Organization (UNESCO(,The Contribution of Religions To Culture of Peace (Barcelona, May 1995): 181.
[11] Kamran Mofid, “Global Capitalism in Crises: Globalization and Business for the Common Good: Theology and Economics Working Together”, Interreligious Insight-Journal of Dialogue and Engagement 1, no. 3 (July 2003): 18.
[12] عبد الفتاح، “مدخل القيم”: 44-49.
[13] حمدى عبد الرحمن حسن، الأيديولوجية والتنمية فى أفريقيا: دراسة مقارنة لتجربتى كينيا وتنزانيا (رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، 1990): 23.
[14]محمد محمود ربيع، مناهج البحث فى العلوم السياسية (الكويت: مكتبة الفلاح، 1987): 235-237.
[15] هبة رءوف عزت، “هل تموت الأيدولوجيا في زمن العولمة؟!”إسلام أون لاين. نت، الرابط
[16] ج. هيرسون، سياسات وأفكار: دراسة علمية تحليلية لمفهوم النظرية السياسية الاجتماعية مع تطبيقاتها علي واقع السياسة الأمريكية العامة، ترجمة صلاح الدين شريف (القاهرة: مكتبة الأنجلو، 1987): 339-340.
[17] سلوى محمد إسماعيل على، العامل الدينى وظاهرة الاستقرار السياسى فى المغرب (رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، 1999): 22-23.
[18] عزيز العظمة، دنيا الدين في حاضر العرب، ط. 2 (بيروت: دار الطليعة، 2002): 87.
[19] جمال رشدي، الصراع الدولي، سلسلة موسوعة الشباب السياسية (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2002).
[20] ت. س. إليوت، ملاحظات نحو تعريف الثقافة، ترجمة وتقديم شكرى عياد (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 2001): 52-53.
[21] نادية مصطفى، “تحديات العولمة والأبعاد الثقافية الحضارية والقيمية: رؤية إسلامية”، فى مستقبل الإسلام (دمشق: دار الفكر، 2004): 419-420.
[22] Fred Halliday, “Culture and International Relations: A New Reductionism?” in Confronting the Political in International Relations, edited byMichi Ebata and Beverly Neufeld ([New York]: Macmillan Press Ltd, 2000): 50–53.
[23]محمد الشبينى، صراع الثقافة العربية الإسلامية مع العولمة (بيروت: دار العلم للملايين، 2002): 44- 47.
[24] أمانى محمود غانم، البعد الثقافى فى العلاقات الدولية: دراسة فى الخطاب حول صدام الحضارات (القاهرة: جامعة القاهرة، 2007): 102-104.
[25] نادية مصطفى، “التحديات السياسية الحضارية الخارجية للعالم الإسلامى: بروز الأبعاد الحضارية الثقافية”، الأمة فى قرن، عدد خاص من حولية أمتى فى العالم، العدد السادس، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2001)، ص 97.
[26]غانم، “التحديات السياسية الحضارية الخارجية للعالم الإسلامى”: 114-115.
[27] زكى محمد إسماعيل، انثربولوجيا التربية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980): 232-234.
[28] Simon Murden, “Cultural Conflict in International Relations: The West and Islam”, in The Globalization of World Politics, edited by John Baylis and Steve Smith ([USA]:Oxford University Press, 1997): 374 –376.
[29]محمد محفوظ، الإسلام، الغرب، وحوار المستقبل (الدار البيضاء: المركز الثقافى العربة، 1998): 130-131.
[30] أنظر تأصيلاً لهذه الرؤى في: فوزى خليل، وفؤاد السعيد، “الثقافة والحضارة. مقاربة بين الفكرين الغربي والإسلامي”، فى التأصيل النظري للدراسات الحضارية، تحرير مني أبو الفضل، ونادية محمود مصطفي (دمشق: دار الفكر، 2008): 93-130.
[31] صمويل بى. هنتنجتون، “الثقافات ودورها المؤثر”، في الثقافات وقيم التقدم، تأليف لورانس إي. هاريزون، وصمويل بى. هنتنجتون، ترجمة شوقى جلال (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005): 22-23.
[32]Fred Halliday, “The End of the Cold War and International Relations”, inInternational Relations Theory Today, edited by K. Booth and S. Smith (n.p.: Polity, 1995): 16-39.
[33] أوليفيه روي، “الإسلام المعولم في البحث عن أمة جديدة”، تقديم عزالدين عبد المولى، مجلة أقلام أون لاين، العدد 17(2005)، مقالة إلكترونية متاحة عبر الانترنت.

* أستاذ العلوم السياسية