الرئيسية / دراسات / القبائل الصحراوية المغربية وبعض من علمائها وشعرائها
10419484_833953719951012_927424949043107783_n

القبائل الصحراوية المغربية وبعض من علمائها وشعرائها

بقلم: د. خالد بن احمد الصقلي*

تقديـم
تجدر الإشارة إلى كون المادة العلمية المكتوبة المتعلقة بالموضوع توجد مبعثرة في كتب مصادر علوم إنسانية متنوعة، ومنها المخطوط ومنها المطبوع. كما أن قسما منها هو مجهول المصير اليوم. واعتمدت عدم تحديد الفترة الزمنية للموضوع نظرا لكونه لا يزال بكرا ويتطلب المزيد من الأبحاث المتنوعة بخصوصه في سائر العصور التاريخية.
وكما هو معلوم فالصحراء المغربية كبقية ربوع الوطن ساهمت في صنع تاريخ المغرب المجيد، وتحاول الكتابات الاستعمارية بإجحاف أن تجعل الباحثين يعتقدون أن تاريخ الصحراء المغربية قد بدأ مع وصول الأوروبيين إليها، ومع وضع تقاريرهم1 .
وفي نفس الصدد تزعم هذه الكتابات افتراء أن الصحراء المغربية كانت أرض سيبة(2).
وقد ساهمت مناطق الصحراء المغربية بدور فعال في بناء الحضارة المغربية فمن جهة نجد أن كل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب منذ عهد المرابطين قد قدمت من الجنوب(3)، ومن جهة ثانية أعطت هذه المناطق رجالا أكدوا حضورهم وتركوا بصماتهم في ذاكرة التاريخ المغربي. وإن ما أنجز من أبحاث قليلة لا تفي بالمطلوب في إبراز ما كان لها من إشعاع حضاري وما خلفه أبناؤها من عطاءات علمية(4).
والجدير بالذكر أن الحياة الفكرية في مناطق الصحراء المغربية ما زالت في معظمها مجهولة وغامضة وإن ميدان الاكتشاف العلمي والتنقيب الأدبي مازال واسعا أمام الباحثين. وقد عبر عن هذه الظاهرة الأستاذ محمد حجي عندما زار بعض مكتبات هذه البقعة صحبة أستاذنا محمد المنوني والأستاذ محمد إبراهيم الكتاني سنة 1413/1983(5).

وبخصوص هذا العرض فسأقتصر وبإيجاز على معالجة محورين: فمن ناحية ذكر قبائل الصحراء المغربية، ومن ناحية ثانية إبراز نماذج من علمائها.

المحور الأول: ذكر قبائل الصحـراء المغربية
لقد شكلت هذه القبائل تدخلا بين مختلف سكان الوطن من الأخصاص شمالا وغيرهم من مختلف قبائل الشناقطة التي استقرت على الضفة الشمالية للنهر الفاصل بين الشقيقة موريطانيا والشقيقة السينغال. ونظرا للإندماج الذي حصل بين سكان الصحراء من الكويرة إلى كلميم أصبحت لفظة الشناقطة تطلق على كل تلك المجموعة من سكان الوطن، ابتداءا من وادي نون وانتهاء بحدود المغرب الطبيعية جنوبا. وكانت الأخبار المتواترة والوثائق القليلة التي عثر عليها تثبت كلها بأن هذه المناطق التي يطلق عليها اليوم الساقية الحمراء ووادي الذهب إضافة إلى منطقة درعة ووادي نون كانت كلها مناطق تعمها الغابات والبساتين والمياه الجارية مما جعلها تعرف حضارة كبيرة وازدهارا عظيما….
وأجمع المؤرخون على كون نزوح هؤلاء السكان إلى الصحراء المغربية تم من الشمال إلى الجنوب، ونجد منهم سلالات شريفة ادريسية وعلوية، وكذلك بعض السلالات الصنهاجية وجدوع من زناتة وعرب المعقل وبني هلال وبني سليم وغيرها من القبائل، الذين بدأوا يصلون مع الفتح الإسلامي(6). إذن كانت تقطن الصحراء المغربية قبائل من البربر ثم بدا دخول العرب عقب حدوث هذا الفتح. وأصبحوا قسمين: عربا وبربرا.
وتجنسوا جنسين وهما الزاويا وحسان، وانقسمت قبائل حسان إلى قسمين: العرب واللحم. فصار سكان المنطقة بهذا الاعتبار يتكونون من ثلاثة أجناس :فالأول كان يتوغل في المنطقة وينشر فيها الإسلام وهم المجاهدون، والثاني اشتغل بإحياء العلوم، ثم الثالث اشتغل بالتجارة وكان يدفع للمتعلمين الزكاة ويعطي الإعانة للمجاهدين. وهكذا غلب على الأول إسم حسان وعلى الثاني إسم الزوايا وعلى الثالث إسم اللحمة (7).
وقد صارت لبني حسان السيطرة التامة بعد قدومهم إلى الصحراء والتحق بهم الكثير من العرب. فضلا عن السلالات الشريفة كما سلف الذكر، علاوة على القبائل الكثيرة من بطون قريش كالبكريين والفهريين وقبائل من الأنصار …(8).

وبخصوص هذه القبائل المنتمية إلى مناطق الصحراء المغربية، فهي تنقسم إلى أربع مجموعات، وهي كما يلي:

1- المجموعة الأولى: الشرفاء الركيبات:
يميز النسابون الصحراويون بين الرقيبات بالقاف القاطنين بجهة الشرق والركيبات بالجيم المعقودة القاطنين بالسواحل الغربية(9).
وتمتد منطقة ترحال الرقيبات وإقامتهم ما بين منطقة أركشاش إلى المحيط الأطلسي، ومن الساقية الحمراء إلى أوكر تاغانت. وهم ينتسبون إلى الشيخ المجاهد أحمد الرقيبي الذي استقر في الصحراء المغربية في النصف الثاني من القرن 9هـ/ الموافق القرن 15م (10). وحاول نشر طريقة جده القطب المولى عبد السلام بن مشيش دفين جبل العلم. وفي هذا المضمار أسس زاوية بالساقية الحمراء سنة 908هـ/1503م (11).
ومن خلال القراءة الأولية لعمود نسب هذا الشيخ نجد أنه يتلقى مع عدة أسر من آل البيت المستقرين في شمال المغرب. فهو ابن أحمد بن يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد الكريم بن أحمد بن موسى بن غانم بن كامل بن تكميل بن زين العابدين بن حيدرة بن يعقوب بن علي بن مزوار بن خطاري بن عيسى بن بكر بن محمد بن حرمة بن عيسى ابن سالم بن حيدرة بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن المولى إدريس الثاني مؤسس فاس(12).

وبالنسبة لجدوع الرقيبات حسب ترتيبهم على الأبناء المباشرين لهذا الشيخ فهم كما يلي:

1- أولاد علي بن أحمد الرقيبي، وبطونهم أربعة ومنهم أولاد موسى.
2- أولاد اعمر وبطونهم أربعة، ومنهم أولاد الطالب.
3- القواسم وبطونهم أحد عشر بطنا، ومنهم أهل إبراهيم وداود-13)

2- المجموعة الثانية: قبائل نكنة
كانت هذه القبائل تنتقل بين توات والساقية الحمراء وسوس. وتتابعت رحلتها من توات إلى وادي نون(14). وهي تشمل تجمعين كبيرين هما آية بلة، وآية الجمل.
وتنضوي داخل هذين الحلفين عدة قبائل تجمعها قواسم مشتركة تندرج في صلابة مقاتليها وشجاعتهم، فضلا عن إكرامهم للضيف والوفاء بالعهد واحترام أهل العلم والصلاح(15).

أ‌- حلف آية الجمل: ويضم اثني عشرة قبيلة ومنهم مجاط التي تنسب إلى قبيلة مجاط المعروف في سوس.

ب‌- حلف آية بلة: ينتسب إلى المرابط بن ياسين. ويتكلم المنتمون إليه باللهجة البربرية السوسية ويضم قبائل كثيرة ونجد منها آية إبراهيم(16).

وأذكر كنموذج لارتباط قبائل تكنة بالدولة العلوية كون ممثلوها حضروا في مدينة سمارة عام 1323هـ/1905 في حفل تقديم الخليفة السلطاني إدريس بن المولى عبد الرحمان العلوي وحضروا كذلك تنصيب زعماء الصحراء المعينين من طرف السلطان المولى عبد العزيز بظهائر حملها محمد بن حسن بن يعيش(17).
وفي نفس الإطار نجد ضمن مداخلة قبائل تكنة في ندوة البيعة والخلافة التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالعيون سنة 1405هـ/1985م، ورود ذكر بأن التاريخ يشهد من جهة على كون الصحراء المغربية جزءا لا يتجزأ من المملكة المغربية، ومن جهة ثانية على الرباط الوثيق بين أبنائها والأسرة العلوية. وتجسد ذلك مثلا في عهد السلطان المولى إسماعيل العلوي، حيث لما عزم على السفر إلى الصحراء المغربية صحب معه خليفته بها حدو سعيد فارس أحد أبناء هذه القبيلة المجاهدة. وقد دامت رحلته شهرين. ونجد أن السلطان المولى الحسن الأول إثر زيارته لوادي نون ومنطقة الجنوب قام بتعيين عدد كبير من أبناء القبيلة في هذه المنطقة، ومنهم إبراهيم ولد مبارك محمد البلال وسليمان الجلالي بظهائر سلطانية لا تزال محفوظة إلى اليوم مع بعض الرسائل السلطانية(18).

3- المجموعة الثالثة: عرب المعقل
وطن الموحدون قبائل عربية ومنها عرب المعقل في سهول المحيط الأطلسي، وتوجه منها قسم إلى الواحات في الصحراء المغربية، واستمروا ينتشرون في الأراضي الرملية خلال عهد المرينيين كقبائل رحل أقطعهم الملوك فيافي شاسعة وصاهروهم. فكانوا يشكلون رديفا للجيش السلطاني في السهول والفيافي، وخاصة في الواحات التي استمرت فيها مظاهر العمران الصحراوية بمميزاتها المغربية البربرية والعربية والإسلامية حضارة وتفكيرا. وعلى إثر ذلك حدث الاستقرار الحضاري في عادات القبائل الرحل في الصحراء المغربية ومنها عرف المعقل لأول مرة، فازدهرت الزروع والماشية، وانتشرت اللغة العربية وكان لهم الغلبة والسيطرة خلال القرن 6هـ/12م. وخلال عهدالسلطان
المريني أبي يوسف كان بنو معقل يوجدون في سوس ودرعة. وقيل إنهم انتقلوا إلى الساقية الحمراء حوالي سنة 676هـ/1277م(19). وقيل إنهم استقروا في الصحراء المغربية قبل هذه الفترة على دفعتين أساسيتين: فمن جهة من المشرق الإسلامي مع حسان بن النعمان ومع غيلان بن حسان نحو السنيغال، ومن جهة ثانية من شمال الصحراء في مهمة عربية لضبط الصحراء (20).
ولقد سكن الصحراء المغربية من عرب المعقل الجعفريون الذين قيل أن نسبهم يرجع إلى جعفر بن أبي طالب (21). وقيل بأنهم هلاليون نشأوا فيها وشاركوا في بناء قصورها واستغلال خراطيها واستثمار خيراتها(22). ويلاحظ أن كل من دخل في حلف عرب المعقل من غير أصلهم أصبح ينتسب إليهم. ونجد من عرب المعقل أبناء حسان….
إذن هذه هي تقسيماتهم العامة وفروعهم الكبيرة التي شكل كل واحد منها قبيلة تفرعت إلى عدة فروع انقسم كل واحد إلى تفريعات، ومنها من أصبح يشكل قبائل…وغلبت على كل من تعاطى منهم للعلم تحصيلا وتدريسا تسمية الزوايا (23).
ونجد من عرب المعقل أبناء دليم- السالف الذكر- الذين ينقسمون إلى قسمين كبيرين..
هما: أولاد سنان وتوجد مضارب أحيائهم في الجانب الشرقي من بلاد شنقيط، ثم أولاد معرف. ويقسمون إلى أولاد الشويخ وأولاد الرميثة…. ولا زال البعض من عقبهم يقيم اليوم في توات ووادي درعة. ويقيم البعض الآخر بالحوض الشرقي من بلاد شنقيط. ونجد منهم من استقر بين وادي الذهب ونواديبو….(24).
ونجد من فروع أبناء دليم فرعا يستقر منتمون إليه في مدينة سيدي قاسم وفرع آخر يستقر منتمون إليه بين مدينتي مراكشوالصويرة(25).
وأذكر كنموذج من عناية الدولة العلوية بسكان الصحراء المغربية كون السلطان المولى إسماعيل العلوي قد بعث بخمس رسائل إلى ولده المامون يتجلة بمقتضى محتوياتها مدى عنايته بهؤلاء السكان كما هو الشأن بالنسبة لأولاد دليم بالصحراء المغربية (26).

4- المجموعة الرابعة: القبائل المنفردة
1- قبيلة الشرفاء العروسيون: ذكر ذ. المرحوم محمد حجي أنهم من الشرفاء الحسينيين نسبة إلى الحسين بن علي بن ابي طالب.
وينقسم العروسيون إلى فصيلتين، وهما: أولاد خليفة وأولاد بومهدي. ويلاحظ أن موطن الشرفاء العروسيون الأصلي هو بلاد الهبط في شمال المغرب(27).
ويقطن أفراد هذه القبيلة بإقليم أبي الجدور. وتتكون من عدة جدوع يجمعها الجد الصالح الشيخ أحمد العروسي دفين الساقية الحمراء (28).
والجدير بالذكر أنه ورد في كلمة الشرفاء العروسييين في ندوة البيعة والخلافة- السالفة الذكر- أن أبناء الصحراء المغربية ومنهم هؤلاء الشرفاء كانوا دائما متشبثين بالبيعة والولاء للدولة العلوية وتصدوا لكل المؤامرات الاستعمارية(29).

2-قبيلة أهل الشيخ ماء العينين:
ينتمي الشيخ ماء العينين إلى قبيلة الجيه المختار، وهي أكثر القبائل الادريسية عددا، ويستقر اليوم منتمون إليها كذلك في موريطانيا والسنيغال الشقيقتين…(30).

3- أبناء تدرارين:
يرفع أبناء هذه القبيلة نسبهم إلى بعض الصحابة من الأنصار الذين رافقوا عقبة بن نافع في زحفه نحو الصحراء(31)، ونجد منهم أهل الطالب…(32).
وهي تسكن في منطقة إيمريكلي ببادية مدينة أبي الجدور التي يكونون الآن جل سكانها. وقيل تمت إقامتهم منذ عهد الدولة السعدية. ويوجد مدفن صلحائهم وأوليائهم بالمكان المعروف بالزريبة قرب مركز المسيد على بعد 80 كلم شمال أبي الجدور(33).

4- شرفــاء فــلالــة:
يرجع نسبهم إلى آل البيت العلويين. وانتقل أجدادهم إلى الصحراء المغربية منذ عهد السلطان المولى إسماعيل العلوي. وشهروا بالتمسك بالمذهب المالكي والطريقة القادرية والعقيدة الأشعرية.
وتسلسل فيهم العلم بعلوم القرآن والفقه والنحو.
وأسسوا زوايا في مختلف مناطق الجنوب كزاوية الكطوع التي لازالت موجودة(34).

ويلاحظ أن زاوية الحكونية الفلالية التي أسسها الشيخ أبو بكر الفلالي شبيهة بالزاوية الدلائية في الأطلس المتوسط علما وتقوى(35).

5-شرفــاء تبالــت:
يرفع نسبهم إلى الصوفي الشريف الادريسي دفين تارودانت، وهم ينتشرون في الصحراء المغربية من منطقة آية عمران جنوبا إلى العيون شمالا. وتوجد جدوع منهم مستقرة في مدينة الصويرة(36).

6- الــزوايا:
هي قبائل يضمها مصطلح واحد ولا ينتمي لسلالة محددة أوحلف معين. وأطلق عليها هذا الإسم لتحصيلها العلم، والتزامها بالسلوكيات الإسلامية، ونجد منها: الصنهاجي الحميري والكنعاني والمعقلي الحساني الجعفري. وانحدرت منها قبائل من الزوايا التي استوطن أغلبها ببلاد موريطانيا. وتواتر عطاء أبنائها الفكري في العلوم الشرعية ونجد منها ما يلي:

أ- اديقب:
اشتملت على كل مفاخر العرب ومحاسن الزوايا. وهي تنتمي إلى المجموعة التي تعرف في شنقيط بقبائل تشمشة، وتضم قبائل: – ايدا اتفاغة- واد كبهني- بنوديمان- ادوداي- اديقب، وتسكن كلها جنوب موريطانيا إلا قبيلة إديقب فإنها تسكن بإقليم وادي الذهب، ونجد منهم الصلحاء والعلماء.

ب- أهل بارك الله:
هي قبيلة جعفرية، تنتسب إلى يعقب بن سام بن عبد الله بن عمر بن حسان، حيث تنحدر صحبة إديقب من حسان المذكور.

ج- أهل محمد سالم:
هم من مدلش، وهو إسم محرف عن مجلس العلم لكثرة اشتغال أصولهم الاولى به درسا وتدريسا. ونبغ من هذه الأسرة الكريمة عدة علماء وشعراء(37). ويرجع المجلسيون نسبهم إلى إبراهيم الأموي الذي قيل إنه من ولد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز(38).

خاتمة المحور الأول:
وخلاصة القول إن كل القبائل بالصحراء المغربية لها علاقات نسب مع القبائل المغربية المستقرة في شمال المملكة المغربية، سواء البربرية منها أو العربية.
ونجد مما يميز سكان المغرب سواء في شماله أو جنوبه، أنه وقع تمازجا اجتماعيا بين كل هذه القبائل نتج عنه تلاقحا حضاريا ساهم في دعم الوحدة الوطنية وفي تحقيق استقرار المغرب رغم كل المخططات الاستعمارية.

المحور الثاني: نماذج من علماء الصحراء المغربية
في خضم غياب لمعاجم علمية حول علماء المنطقة، نجد هناك أخبارا متناثرة حول فحول من العلماء في مصادر متنوعة.
وتميز القسم الكبير منهم بالثقافة الموسوعية، وسأتناول بإيجاز كبير من جهة الحديث عن أخبار عشرة علمــاء توفــي أولهـم سنــة 1143هـ/1731م وآخرهم سنة 1376هـ/1957، مع الإشارة إلى عناوين بعض مؤلفاتهم، ومن جهة ثانية سأشير إلى نماذج من نظم ثلاثة شعراء.

1- العلمـــاء:

أ- عبد الله بن محمد الشنكيطي العلوي:
كان له إلمام بعلوم النحو واللغة والبيان وصناعة البديع وميزان العروض والأنساب والتاريخ والمنطق والحساب، فضلا عن تقريظ الشعر. توفي سنة 1143هـ/1713م، وله تأليف في المنطق، وقصيدة في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأجوبة على أسئلة للفقيه محمد بن علي الولاتي، ونظم نزهة المعاني في ظهور البيان والمعاني الذي يقع في 500 بيت(39).

ب- حمى الله بن أحمد بن أحمد الادريسي:
كان عالما بعلوم المنقول والمعقول توفي عام 1160هـ/1747م وله فتاوي، وشرح منطومة الأوجلي في العقائد سماه: تحصيل البيان، والإفادة في شرح ما تضمنته كلمة الشهادة، وشرح على صغرى السنوسي(40).

ت‌- محمد بن الإمام أحمد بن محمد الادريسي الحسني:
كان فقيها ونحويا ولغويا. وتولى وظيفة التدريس. وجاء أجله سنة 1208هـ/1894م.
ونجد من إنتاجه الفكري: شرح نظم أبي بكر المسلمي لقطر الندا في النحو، وشرح تأليف المجرادي في التصريف المسمى بالبسط والتعريف، وشرح الحكم العطائية، وتعليق على تخميس العشرينات لان مهيب في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم(41).

ث‌- عبد الله بن أحمد الغلاوي الاحمدي الشنكيطي:
كان له إلمام بعلوم اللغة العربية وأصول الدين فضلا عن تقريظه الشهر، توفي سنة 1209هـ/1895م ونجد من إنتاجه الفكري: كتاب تقرير المنة بشرح إضاءة الدجنة، ونظم في المتشابه من القرآن على نمط السخاوي، وتأليف في الزكاة، واختصار مختصر خليل (42).

ج- المختار بن أحمد بن ابي بكر الكنتي الوافي:
يعد من فحول العلماء ومن شيوخ التصوف توفي سنة1226هـ/1811م. وخلف ابنه محمد المتوفى سنة 1270هـ/1153 وألف هذا الأخير إنتاجا فكريا غزيرا في عدة علوم إنسانية(43). ولقد ألف المختار الكنتي مؤلفات متعددة في عدة علوم إنسانية وخاصة الفقه والأدب والتصوف. ويلاحظ أن جلها لازال مخطوطا. ونجد من بينها كتاب حزب الإسراء يوجد بالخزانة العامة في الرباط تحت رقم 2557، وكتاب كشف النقاب من أسرار خاتمة الكتاب يوجد بالخزانة الصبيحية في سلا تحت رقم 119، وكتاب نفح الطيب في الصلاة على النبي الحبيب. وهذا الكتاب الأخير قمت بتحقيقه وطبعه ولم ينشر بعد (44).

ح- محمد سالم بن عبد الفتاح الصحراوي:
ينتمي إلى قبيلة أدؤ علي من تاكنت. واستقر والده في الساقية الحمراء عام 1322هـ/1904م، وبها ولد محمد سالم، الذي أخذ العلم عن محمد بن محمود البيضاوي خال الشنكيطي الباشا الشهير في ردانة، والحضري بن الشيخ أحمد حفيد الشيخ محمد فاضل بن مامين، والشيخ ماء العينين بن العتيق. وقد مات والده في سمارة قبل انتقاله مع الشيخ ماء العينين إلى تزنيت. ثم عاد إلى الصحراء المغربية. فصار يتردد على مراكش وإليغ، إلى أن توفي في نواحي طانطان حوالي سنة 1364هـ/1944.
ونجد من ضمن إنتاجه الفكري قصيدة ميمية تقع في 120 بيتا، وعنوانها: مجمع العرفان في مدح عدنان. طبعت في سلا عام 1348هـ/1930م (45).

خ- الشيخ ماء العينين بن فاضل:
ولد بالحوض في القبلة يوم الثلاثاء 27 شعبان عام 1246هـ، وتتلمذ على يد والده. وزار عدة مناطق شمال المغرب كطرفاية والصويرة ومراكش ومكناس وطنجة. وأدى مناسك الحج…وأبلى البلاء الحسن في مقاومة الاستعمار بالصحراء المغربية كما هو الشأن بالنسبة لمعركة الداخلة سنة 1303هـ/1885م التي ألف عنها كتاب هداية من جارا في أمر النصارى، الذي نشر بتحقيق الأستاذ ماء العينين مربيه رابه. وقد فتح هذا الكتاب آفاقا جديدة للبحث في تاريخ مقاومة المغاربة الصحراويين للاستعمار. وكان لهذه المعركة الدور الكبير في إلهاب المشاعر الوطنية المغربية بالنسبة لهذه الفترة، فضلا عن عرقلة المشاريع الاستعمارية(46). ونموذج علاقته مع السلاطين العلويين الذي عاصرهم هو المولى الحسن الأول الذي بعث له رسالة بتاريخ 15 جماى الثانية عام 1303هـ يطلب منه بمقتضاها أن يلتقي به بوادي نون عندما عقد هذا السلطان العزم على زيارة مناطق الجنوب، ونجد مما ورد ضمن هذه الرسالة مت نصه:”… اقتضت الداعية الروحية والسابقة العرفانية استدعاءكم لملاقاتنا بناحية بقرب منكم. ونحن بواد نول بقصد التبرك والمذاكرة في ذات الله التي هي منتهى وغاية النيل والظن بكم. إن داعية محبتكم لجانبنا قوية وعواطف أردافها عطرة نسيبة…”(47).
وخلال السنة الموالية زار هذا السلطان في مراكش وقال له: “إنيزرت جدك مولاي عبد الرحمان فجعلني بانا، واباك فجعلني أخا “فقال به السلطان: ” وأنا أجعلك أبا”.
وقام الشيخ ماء العينين بالتوسط لدى بعض السلاطين العلويين من أجل إطلاق سراح بعض العلماء المغاربة، ونموذج ذلك إرساله ابنه أحمد الهيبة (48) إلى السلطان المولى عبد الحفيظ في فاس سنة 1327هـ/1909م من أجل إطلاق سراح أحد العلماء من الأسرة الكتانية. وقد وفق في مهمته (49).

د- محمد يحيى بن محمد المختار الشنكيطي:
يعد من فحول العلماء. وكان يقوم بتدريس صحيحي مسلم والبخاري. وتوفي سنة 1330هـ/1912م. ونجد من أولاده محمد المختار العالم الشاعر الذي توفي بعد حوالي عقد من تاريخ وفاة والده. وألف محمد يحيى ما يفوق 100 كتاب في عدة علوم إنسانية كالحديث والفقه والنحو والتاريخ. ونجد من مؤلفاته على سبيل الذكر: رحلة حجازية وفتاوي توجد مخطوطة بالخزانة العامة في الرباط تحت رقم د 2457، وكتاب مرتقى الوصول إلى علم الأصول الذي طبع بفاس عام 1827م (50).

ذ- محمد الإمام بن الشيخ ماء العينين:
هو العالم العلامة الجليل والأديب الشاعر. ووالده هو ابن الشيخ محمد فاضل بن مامين. وينتهي نسبه إلى المولى ادريس الثاني مؤسس فاس، وكانت ولادته في مدينة سمارة التي بناها والده سنة1310هـ/1893م. ونشأ في بيئته علم ودين وصلاح ساهمت بدور فعال في تكوين شخصيته العلمية والدينية والسياسية. ونجد من شيوخه إضافة إلى والده الشيخ محمد بن محمود البيضاوي. وفي سنة 1327هـ/1909م. غادر مدينة سمارة صحبة والده، وتوجه إلى مدينة تزنيت بسبب الحصار الذي فرضته القوات الاستعمارية عليه نتيجة مواقفه الوطنية. ولما توفي والده سنة 1328هـ/1910م، انتقل إلى قرية آيت الرخا. وخلال سنة 1352هـ/1934م توجه إلى قرية تكنفل ثم إلى قرية أكيسل. ثم توجه إلى مدينة سيدي إيفني التي قام فيها بأدوار بارزة ثقافيا ودينيا وسياسيا. وفي هذا الإطار تولى رئاسة الشؤون الدينية الإسلامية بقبائل آيت باعمران والصحراءالمغربية.
ثم تولى رئاسة رابطة علماء شنقيط. وأصبح إماما في المسجد الكبير، فضلا عن مهامه السياسية المتجلية في تأطير السكان وبث الروح الوطنية فيهم، وكذلك بجانب اشتغاله بالمهام العلمية المتجسدة في الاهتمام بالمدرسة العلمية التي كانت تدرس لطلابها سائر العلوم كالفقه والحديث والنحو والتاريخ والأدب. وكان هؤلاء الطلاب يقصدونها من مختلف الجهات الوطنية. وفي سنة 1956م عاد إلى تزنيت التي منها توجه ضمن أعضاء أول وفد يضم القبائل الصحراوية والباعمرانية إلى الرباط من أجل تجديد البيعة لجلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، الذي عينه ضمن الوفد الرسمي للحج بعد استقلال المغرب. وعينه نفس الملك كذلك عضوا في المجلس الوطني الاستشاري الذي تأسس يوم 6 ربيع الثاني عام 1376 الموافق 15 نونبر 1956. والجدير بالذكر أنه كانت له مواقف مشرفة في الدفاع عن مغربية الصحراء. وجاء أجله في تزينت يوم الجمعة 13 غشت 1970 ودفن بجانب والده.
وبخصوص إنتاجه الفكري فأغلبه ما يزال مخطوطا. وطبع منه كتاب الجأش الربيط في النضال عن مغربية شنقيط سنة 1376هـ/1957م، وكتاب إسعاف السائل في الكلام على بعض المسائل، وكتاب حلى الأوراق في ضرورة التخلي عن الاسترقاق، والدر المنتخب في تصحيح أنساب من بالمغرب من العرب(51).

ر- محمد ماء العينين بن محمد العتيق:
لقد ولد عام 1306هـ/1889. ونجد أن أمه هي العالية بنت الشيخ ماء العينين. وكان يعد من فحول العلماء وهو الأمر الذي جعله يتولى وظيفة القضاء في مدينة طانطان، ثم وظيفة التدريس في جامع ابن يوسف بمراكش التي توفي بها سنة 1376هـ/1957.

وبخصوص إنتاجه الفكري فنجد ضمنه: ديوان شعر، والرحلة المعينية المحررة إلى مكة والمدينة توجد مصورة على الشريط في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم 80، وكتاب سحر البيان في شمائل شيخنا ماء العينين الحسان. يوجد كذلك مصورا على الشريط في نفس الخزانة تحت رقم 641 (52).

2- الشعـــراء:

أ- عبد الله بن محمد بن الطالب العلوي:
يعرف بابن رزاكة بكاف معقودة. ويعد من فحول الشعراء. ونجد كنموذج لذلك مما قاله ملغزا في قول الله تعالى الوارد في الآية 76 من سورة يوسف ” ثم استخرجها من وعاء أخيه” (53) يخاطب بمقتضاه علماء فاس عموما والعلامة الأديب ابن زكري خصوصا ضمن نظم ما نصه:
……قراه لديكم أهل فاس جوابه بنص في البيـان وجيـه
……وأنت بن زكري نبيه محقق تفردت في الدنيا بعيش شبيه
وقال يرثي العلامة أحمد بن يوسف البوحسني في مطلع نظم:
هو الاجل الموقوت لا يتخلـف وليس يرد لفائت المتأسف
وقال يمدح الأمير محمد بن المولى إسماعيل العلوي في مطلع نظم ما نصه:
دع العيش والبيداء تدرعها شطحا وسمها بحور الآل تسبحها سبحا (54)

ب- محمد بن عثمان المجلسي
قدم على فاس واتصل بعلمائها وذكرهم في فنون العلم. وكان جامع القرويين يعتبر من بين الجوامع التي يقصدها العلماء والأدباء المغاربة الصحراوين. وقد خاطب هذا الشاعر طلاب المدارس متسائلا في مطلع نظم:
إلى مدارس فاس الغر أسئلة عيالم العلم أهل الحفظ والملكة
أريد منكم جوابا رائقا حسنا نظما وإلا فما أعطتكم الشبكة (55).

محمد بن محمد العلوي:
قيل خضعت له رقاب الأدباء وفطاحل الشعراء، غطت شهرته شعره على علومه.
ونجد من نماذج شعره مدحه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في مطلع نظم ما نصه:
هاج التفرق فاعذليني أو دعي شوقا أصم عن العواذل مسمعي
ونظم شعرا لما عزم على السفر من أجل أداء مناسك الحج بعدما حظي بمقابلة السلطان المولى عبد الرحمان العلوي الذي أكرمه، حيث يقول في مطلعه ما نصه:
تجلد جهد نفسك للفراق وكفكف غرب سافحة المـاق

ويقول في مطلع نظم خلال مدة إقامته بفاس لما زار ضريح الصوفي أحمد التيجاني ما نصه:
أبدى الزمان من البشاشة والصفا سرا وأثبت منهما ما قد نفى(56).

خاتمة المحـور الثانـي:
وخلاصة القول، يتضح لي من خلال ما وقفت عليه من مادة علمية أن علماء الصحراء المغربية لعبوا أدوارا بارزة في تثبيت الوحدة الوطنية ونسج الروابط التاريخية بين شمال المملكة وجنوبها، أو في المساهمة في تقدم الحياة الثقافية المغربية.
وكان علماء الصحراء يفتخرون بانتمائهم الوطني، حيث نجد عددا كبيرا منهم يضيف إلى نسبه لقب: المغربي. وعلاوة على ذلك نجد عمق الوحدة الوطنية تؤكده وحدة التوجه سواء في الفكر أو التصوف. ونجد هذه العناصر متداولة عند علماء الصحراء وعند رجال الفقه والعقيدة. كما يتجلى من خلال المتون التي كانت تدرس في الشمال والجنوب، فالطلبة الصحراويون المغاربة درسوا نفس المتون التي كانت تدرس في الشمال سواء تلك المتعلقة بالفقه والعقيدة أو تلك المتعلقة بالنحو أو اللغة(57). وقد تمسك سكان الصحراء المغربية بمذهب الإمام مالك بن أنس الذي عن طريقه تأسست الدولةالمرابطية التي ساندها القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي تلميذ ميمون الصحراوي المغربي.
وعلى صعيد الإنتاج الفكري نجد من نماذج ذلك شرح مختصر خليل لأحمد بابا السوداني التنبكتي الذي ألف كذلك في مبهمات المختصر المذكور. ويوجد مخطوطا بالخزانة الملكية بالرباط، وشرح أحمد بابا السوداني كذلك عقيدة المذهب المالكي، ونجد كذلك شرح محمد بن محمد الدليمي للامية الزقاق الذي يوجد مخطوطا في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم د 2140، وشرح أحمد بيبا الشنجيطي للتحفة العاصمية. وألف أحمد بابا الصحراوي كتابا في الأصول في إطار الدفاع عن مذهب الإمام مالك.
ونجد من فحول علماء الصحراء المالكيين الذين نهلوا العلم بجامع القرويين في فاس عبد الرحمان بن أحمد الشنجيطي، ومحمد بن يوسف الركائبي. وكان ملوك المغرب العلويون يستعينون برجال الفتوى من علماء المذهب المالكي في الصحراء المغربية، ومثال ذلك محمد البوهالي الركائبي الذي استقدمه السلطان المولى الحسن الأول عام 1291هـ/1874، وعاش في بلاطه عشر سنوات ثم عاد إلى الصحراء المغربية مزودا بتكوين علمي أعمق في مدرسة القصر العامر التي كانت منبرا يتبارى فيه كبار العلماء…(58).
ويتجلى الطابع الثقافي المشترك بين شمال المغرب وجنوبه في الكتب الدراسية التي لا تكاد تختلف في مضارب الصحراء عنها في كراسي جامع القرويين في فاس وجامع ابن يوسف في مراكش. فمثلا نجد الأجرومية وألفية ابن مالك ومرشد ابن عاشر ورسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومختصر خليل بشروحه وحواشيه….بل نجد في الصحراء المغربية إلحاحا على استعمال نفس المؤلفات والشروحات والمختصرات المنتشرة بشمال المغرب في التدريس، حيث نجد له مثيلا في شمال المغرب بفاس أو تازة أو سلا أو غيرها(59). كما أن الإنتاج الفكري لعلماء الصحراء غزيرا وشمل مختلف العلوم الإنسانية كعلماء شمال المغرب ويتوفر قسم منه كل المكتبات العمومية في شمال المغرب ولازال معظمه مخطوطا وينتظر التحقيق.

خاتمة عامة:
أسدل الستار على العرض الذي هو بالنسبة إلي هو ضمن بدايات أبحاث خاصة متعلقة بالصحراء المغربية، سواء على صعيد الدراسة النظرية أو على صعيد تحقيق مخطوطات لبعض علمائها في أفق وضع معجم وموقع بالأنترنيت خاصين بالقبائل الصحراوية المغربية. *
————————————————————————-

*كلية الآداب –ظهر المهراز جامعة سيدي محمد بن عبد الله

بتصرف يسير ديوان اصدقاء المغرب