الرئيسية / دراسات / الموقف الإسلامي الهندي من الثورة الفلسطينية (1936-1939)
Palest_against_british

الموقف الإسلامي الهندي من الثورة الفلسطينية (1936-1939)

مقدمة
شهدت فلسطين أطول إضراب في العالم العربي احتجاجا على السياسة الإِنجليزية. كانت كثرة الهجرة اليهودية وبيع الأراضي تتغاضى عنها الحكومة الإنجليزية في فلسطين، والهدف من ذلك تطبيق وعد بلفور بإيجاد وطن قومي لليهود في فلسطين. وطبيعي أن لا يسكت الفلسطيني على هذا الظلم، لكنه لا يستطيع وحده أن يرغم بريطانيا على تغيير سياستها. لذا نادى الفلسطيني بضرورة الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية وأن المسجد الأقصى بحاجة إلى الدفاع عنه. وقد وصل هذا النداء إلى العالم الإسلامي وخصوصا الهند. ومن المعروف أن المسلمين في شبه القارة الهندية أكثر عددا من كل قطر من أقطار العالم الإسلامي. والهند هي درة التاج البريطاني. لذا فالتأثير عليها من قبل الثورة الفلسطينية سيكون مؤثرا على وضع الإنجليز هناك. وهذا التأثير سيأتي من المسلمين قاطبة في شبه القارة الهندية. لذا دعم المسلمون الهنود إخوانهم في الدين في فلسطين في ثورتهم ضد الإِنجليز والصهيونية. ولم تستطع بريطانيا التغاضي عن هذا الدعم فحاولت إيقافه وحاولت وقف الإضراب الفلسطيني بشتى الطرق إلى أن تم لها ذلك ولكن بعد جهود مضنية.
إن دوافع هذه الدراسة كانت لعدة أسباب، منها أن هذا التاريخ من الدعم الهندي الفلسطيني لم يتطرق إليه أحد من المؤرخين. لذا واجب علينا أن نبين ونكشف هذه الحقائق المدفونة في دور الأرشيف المختلفة في بريطانيا وخارجها، كما أن هذا العدد الهائل من المسلمين في شبه القارة الهندية لم يعرف عنه العرب كثيرا. ففيهم العالم والمجاهد والطبيب والغني والأديب وكل هذه الطاقات كانت في خدمة فلسطين أثناء الإضراب.
موقف المسلمين الهنود من الثورة الفلسطينية (1936-1939م)
تعتبر هذه الفترة التاريخية من تاريخ فلسطين عام 1936م حافلة بالأحداث الجسام، منها الإضراب الفلسطيني ومحاولة تقسيم فلسطين بين العرب واليهود. وفي الإضراب الفلسطيني الطويل، عبر الفلسطينيون عن ظلمهم ونقمتهم. لذا ثار الشعب بسبب عدم وقف الهجرة اليهودية المتزايدة لفلسطين وبيوع الأراضي، ويعتبر هذا الإضراب أطول فترة تحد للإِنجليز شهدته فلسطين ولم يشهد الإِنجليز مثيلاً له في العالم العربي. ومن أهم الأسباب التي دعت إلى الإضراب هي:
1- الهجرة اليهودية الكثيفة حيث دخل فلسطين في الفترة التي سبقت الإِضراب، أي من 1931 إلى 1935م، مهاجرون يهود أكثر مما دخلها خلال خمسين سنة مضت، وهؤلاء المهاجرون كانوا بحاجة إلى أراض يقفون عليها. لذا قام زعماء الصهاينة بشراء أراض على الساحل الفلسطيني من لبنانيين وسوريين إقطاعيين لهم أراض واسعة في فلسطين.
2- استشهاد الشيخ عز الدين القسام عام 1935م. وقد كان هذا أول من قام علناً وتصدى للإِنجليز بسبب السياسة الجائرة في فلسطين. وبعد استشهاده، استمرت العمليات العسكرية ضد الإِنجليز من » إخوان القسام« مثل الشيخ فرحان السعدي الذي تصدى لقافلة إنجليزية كانت تسير لحماية بعض المستوطنين اليهود، على الطريق بين نابلس وطولكرم قرب عنبتا بتاريخ 14/4/1936م(1). وما أن سمع اليهود في تل أبيب بالخبر حتى قاموا بالانتقام
واعتدوا على السكان في يافا فاستشهد سبعة من العرب وجرح آخرون في حي المنشية في
يافا(2). وفي 19/4/1936م، وهو اليوم الأول للإِضراب، قام سكان يافا -الملاصقة لتل أبيب- بمظاهرة ضد الإِنجليز واليهود بسبب هذه الأحداث وتأزم الوضع في يافا وتل أبيب، فأعلن المندوب السامي منع التجول على اليهود وعلى العرب في يافا(3). وفي اليوم التالي، أي في 20/4/1936م، وقف سكان نابلس مع إخوانهم في يافا فأعلنوا الإِضراب المفتوح احتجاجاً على السياسة الإِنجليزية في فلسطين وحتى ينال الفلسطينيون حقوقهم المشروعة. وتشكلت في نابلس أول لجنة للإشراف على الإِضراب، وفي اليوم التالي تشكلت لجنة قومية في يافا دعت إلى الإِضراب المفتوح تأييدا لما أعلنته نابلس، وفي الأيام التالية تشكلت لجان قومية في المدن والقرى الفلسطينية بلغت 22 لجنة قومية.
اجتمع رؤساء الأحزاب السياسية في فلسطين في 25/4/1936م تلبية لنداء اللجان القومية، وقرروا تشكيل » اللجنة العربية العليا« للإشراف على الإِضراب العام. وكانت اللجنة مكونة من السادة: الحاج أحمد الحسيني (رئيسا)؛ وعوني عبد الهادي (رئيس حزب الاستقلال) سكرتيرا؛ وجمال الحسيني (رئيس الحزب العربي)؛ وحسين فخري الخالدي (رئيس حزب الإصلاح)؛ ويعقوب الغصين (رئيس حزب الكتلة الوطنية)؛ وأحمد حلمي عبد الباقي (أمين المال)؛ وألفرد روك (عن المسيحيين الكاثوليك)؛ ويعقوب فراج (عن المسيحيين الأرثوذكس). وقد قرر رؤساء الأحزاب السياسية في اجتماعهم عدم وقف الإِضراب إلا إذا تحققت مطالب الشعب الفلسطيني وتتلخص في ما يلي:
1- وقف الهجرة اليهودية وعدم بيع الأراضي؛ 2- الاستقلال التام لفلسطين؛ 3- إلغاء وعد بلفور. وأقسم الأعضاء في اجتماعهم على مواصلة الإِضراب حتى تتحقق مطالبهم
العادلة(4).
عم الإِضراب كل مدن فلسطين حيث تعطلت حركة السير وأقفلت الحوانيت وأصبح الوضع متدهوراً. وقد شرح المندوب السامي في رسالة لوزارة المستعمرات البريطانية بتاريخ 29/4/1936م عن هذا الوضع، وذكر أن الأحوال لن تهدأ إلا إذا تحققت مطالب الشعب الفلسطيني وهي: وقف الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي العربية لليهود وتشكيل حكومة فلسطينية والاستقلال التام لفلسطين(5).
أرسل رئيس اللجنة العربية العليا الحاج أمين الحسيني رسائل إلى زعماء العالم الإسلامي شارحاً فيها الوضع في فلسطين، وطالباً منهم تأييد الشعب الفلسطيني في مطالبه العادلة والوقوف لدفع الخطر اليهودي الذي يهدد الأماكن الإسلامية في القدس وأهمها المسجد الأقصى المبارك. وقد وقفت المخابرات الإِنجليزية للمفتي بالمرصاد فأخذت ترصد حركاته ورسائله خوفا من تأثيرها على الرأي العام الهندي وحصول إضرابات مشابهة في أماكن تخضع للسيطرة الإنجليزية. وقد بعثت لندن إلى حاكم الهند الإِنجليزي تسأله عن مدى تأثير الإِضراب الفلسطيني على المسلمين في الهند، فأجابت حكومة الهند في برقية جوابية بتاريخ 31/5/1936م إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند في لندن قالت فيها: » إنه حتى هذا اليوم لم يهتم المسلمون الهنود بشؤون فلسطين، لكن الصحافة هنا سوف تحرك الشعور الإِسلامي«(6).
وكانت من الرسائل المؤثرة رسالة مفتي القدس لمولانا شوكت علي -رئيس جمعية الخلافة في الهند- حيث قال فيها: » إذا بقي الموقف جامدا من قبل زعماء العالم الإِسلامي والعربي تجاه فلسطين، فإن المسلمين سيفقدون فلسطين كما فقد العرب الأندلس «(7) . قرر الفلسطينيون عدم دفع الضرائب للحكومة ابتداء من 15/5/1936م، ووقفت كل طبقات الشعب الفلسطيني مع الإِضراب، فتوقف عن العمل، مثلا عمال السكك الحديدية وعمال شركة بترول العراق وعمال الموانئ، وطلاب المدارس، والتجار في المدن أغلقوا محلاتهم التجارية، وتضامن الشعب من أجل إنجاح الإِضراب. وقد وصف هذا التكاتف والتضامن المندوب السامي في رسائله لوزارة المستعمرات قائلا: » إن الفلاح رغم فقره إلا أنه يتبرع من محاصيله إلى رفاقه في المدن، وأن العائلة الغنية في المدن تعتني بعائلة أو عائلتين فقيرتين، وأن التاجر يدفع لمستخدميه العاطلين عن العمل أجورهم كاملة أو بقسم منها، وأن الظرف الراهن قد خلق مشاعر أخوية قوية بين المسلمين«(8).
استعمل الإِنجليز أساليب قاسية لوقف الإِضراب مثل فتح الحوانيت بالقوة وإعدام كل من يمسك بحوزته بندقية والسجن المؤبد لمن يمسك معه طلقة رصاص وتفتيش البيوت أثناء الليل بالقوة. وقد احتج الفلسطينيون على هذه التصرفات فشكا علماء ومشايخ القدس إلى المندوب السامي أثناء اجتماعهم معه، حيث قال الشيخ إسماعيل الحافظ للمندوب السامي: » إن الجنود الإِنكَليز قاموا -بحجة التفتيش عن الأسلحة- بمداهمة البيوت ليلا لإرهاب الأهالي، فدخلوا بيوت العرب في حي باب حطه في القدس ليلا، حيث ما زالت النساء ترتدين ملابس النوم ولم يسمح لهن بتغطية أنفسهن، كما أن الإِنجليز رموا القرآن الكريم وداسوا عليه بأرجلهم بقصد إهانة المسلمين«(9).
أعلن رئيس اللجنة العربية الجهاد ضد الإِنجليز علناً وطلب من الوعاظ والشيوخ إعلان الجهاد، وأرسل لزعماء العالم الإسلامي رسائل حثهم فيها على الجهاد والدفاع عن المقدسات الإِسلامية فقال في رسائله: » إن الصهاينة سوف يهدمون المسجد الأقصى المبارك ويقيمون بدلا منه هيكل سليمان«(10). واستند في كلامه هذا إلى تصريحات زعماء الصهاينة في الجرائد اليهودية.
رغم بعد المسافة عن فلسطين ورغم محاولات الإِنجليز خنق أخبار الإِضراب كي لا يعلم عنها المسلمون في الهند، إلا أن مولانا شوكت علي رئيس جمعية الخلافة قد وصلته أنباء الإِضراب وكفاح الشعب الفلسطيني، لذا حث إخوانه المسلمين هناك على نصرة إخوانهم في فلسطين فكتب في جريدةRoznama-e-Khilafat بتاريخ 17/5/1936م قائلا: »إن العرب في فلسطين يكافحون بشجاعة لنيل استقلال بلدهم -البلاد المقدسة- إنني أحث مسلمي بومبي على أن لا يضيعوا وقتهم بل يسرعوا لمساعدة إخوانهم الشعب ا لفلسطيني«(11).
وقد كتب M.G. Hallet: »من حكومة الهند في سملا إلى وزارة الهند في لندن بتاريخ 28/5/1936م رسالة ذكر فيها أن الزعيم الهندي المسلم شوكت علي سيكون أول من يبادر بتحريك شعور المسلمين في الهند ولكن ستبقى عيوننا تراقبه وتراقب جرائد بومبي«(12).
والحقيقة أن مقالات شوكت علي في الجرائد الهندية أيقظت الشعور الإسلامي وعرفته على قضية فلسطين والإِضراب في البلاد المقدسة. وفي مقال له بتاريخ 21/5/1936م، اتهم بريطانيا بعدم احترامها للعهود ونقضها للعهود. فقال: » إن بريطانيا العظمى أعطتنا -نحن المسلمين الهنود- وعدا كما أعطت مسلمي فلسطين وعدا كذلك بعدم التعدي على الأراضي المقدسة وسكانها في فلسطين، ولكن لماذا تحدث مثل هذه الحوادث الآن في فلسطين؟ أين وعود بريطانيا للعرب؟ لم تُمنح هذه الوعود بسبب ضغط اليهود على الإِنجليز. إنني أرى أنه رغم جهودنا الحسنة مع الإِنجليز، إلا أن العلاقات الإِنجليزية الإِسلامية سوف تسير من سيئ إلى أسوأ بسبب السياسة الإِنجليزية الحالة في فلسطين«(13).
اطلع الإِنجليز في الهند على هذا المقال، فكتبت حكومة الهند في سملا إلى وزارة الهند في لندن حول هذا المقال فقالت: » إن عيوننا ستبقى تراقب شوكت علي، وإن مقاله الحالي شجع على الوحدة الإسلامية، ولكن سنقوم بدعاية مضادة، وواضح أن الدعاية المضادة ليست سهلة، ولكن سنحاول قدر الإمكان بجهودنا«(14).
حاول المندوب السامي في فلسطين تهدئة الوضع فيها، وطلب من اللجنة العربية العليا فك الإِضراب، وقبول مقابلة اللجنة الملكية التي سيبعثها وزير المستعمرات لدراسة الأوضاع السياسية في فلسطين ودراسة أسباب الإِضراب، رفض زعماء فلسطين طلب المندوب السامي، فاتبع سياسة القمع بشدة والاعتقالات الجماعية ونسف البيوت ونسف دور اللجان القومية، ونصح وزارة المستعمرات في رسالته المؤرخة في 18/5/1936م ضرورة نفس زعماء فلسطين إلى قبرص أو مالطا، فجاء جواب وزير المستعمرات أنه إذا ساءت الأحوال في فلسطين فلا مانع من نفيهم إلى جبل طارق(15).
وبعد مضي شهر على الإِضراب، ازدادت الانتقادات في الصحف الهندية ضد سياسة الإِنجليز في فلسطين. وهذا يعود إلى نشاط مولانا شوكت علي في مقالاته في » روزنامة الخلافة« واعترف الإِنجليز بذلك. كما أن زعيم الهند نهرو وهو غير مسلم، تعاطف مع الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الإِنجليز، وقام بالتحضير لعقد اجتماع في مدينة » الله أباد« ضد السياسة البريطانية في فلسطين(16).
وعقدت »جمعية عموم مسلمي الهند« اجتماعاً بتاريخ 9/6/1936م بشأن الدعم الإسلامي الهندي لفلسطين، وفي الاجتماع حذر المسلمون الهنود الحكومة البريطانية من استمرار الدعم اليهودي، وأن سياستهم هذه تواجه سخطاً شديدا من مسلمي الهند. واتخذت الجمعية في الاجتماع قرارات هامة منها: اعتبار يوم 9/6/ من كل عام هو » يوم فلسطين« حيث تعطل فيه المدارس والمؤسسات الإسلامية في الهند دعماً لفلسطين، وقرارات أخرى. وتشكلت لجنة في الاجتماع لتطبيق بنود القرارات مكونة من السادة: محمد إقبال (شاعر الهند)، وكفاية الله، وظفر علي خان، وشوكت علي، وشمس العلماء نهر الحسن، وداود غزوني(17). وقد عين محمد إقبال رئيسا لجمعية المسلمين في الهند(18).
وقد بعث حاكم الهند رقية إلى وزارة الهند في لندن بشأن هذا الاجتماع ذكر فيها أن المسلمين الهنود عقدوا مؤتمرا لهم في لاهور يوم فلسطين، وأضاف قائلا: » … وتشير التقارير التي وصلتني أن السيد ظفر علي خان اتخذ قراراً حماسياً جاء فيه أن الحالة في فلسطين ستقود إلى حرب إسلامية مسيحية تشبه الحروب الصليبية، وطلب من جميع الممالك الإسلامية المستقلة أن تقوم بواجبها في محاولة تغيير الحالة الحاضرة في فلسطين«(19).
كتبت الجرائد العربية الصادرة في فلسطين وصفاً مسهباً حول هذا المؤتمر الهندي. وقد كان صدى هذا المؤتمر مؤثراً على الإِنكَليز في شبه القارة الهندية. فقد اقتبست جريدة » جريدة فلسطين« الصادرة في القدس بعض ما ذكرته الصحف الهندية عن الشعور الإسلامي الهندي، فقالت جريدة » «Advance الهندية الصادرة في كلكتا أن ثورة السوريين ضد فرنسا، والإِضراب الفلسطيني، هما دلالة واضحة على أن هناك خطأ في طريقة الانتدابات؛ كما أن جريدة » Star of India « التي تصدر في كلكتا ذكرت أنه يستحيل التغافل عن إخواننا في فلسطين الذين اشتبكوا اليوم في عراك مميت مع العنصر اليهودي الغني والقوات الإِنجليزية«(20).
وقد صرح مولانا الشيخ مشير حسن علي في مدينة لكنو للصحف الهندية ذاكراً أن عرب فلسطين يشاهدون بأعينهم ما بين 50 و 60 ألف يهودي يدخلون فلسطين كل عام. ومعنى ذلك أن » إخواننا في فلسطين سيصبحون بعد عشر سنوات أقلية في وطنهم الذي عاشوا فيه سادة قروناً عديدة، إن الواجب يحتم على تركيا وإيران والعراق والهند بنوع خاص أن تشترك في الإِلحاح على عصبة الأمم بوجوب إلغاء الانتداب البريطاني على فلسطين«(21).
كما عقد المسلمون الهنود مؤتمرات شعبية كثيرة عدا مؤتمر » عموم مسلمي الهند« لدعم فلسطين. وأهم هذه المؤتمرات هي (22) مؤتمر في ساماستيبور (Samastipur) في مقاطعة خيري حيث دعا أعضاء المؤتمر إلى مساعدة المسلمين في فلسطين ووقف الهجرة الصهيونية، ومؤتمر عقده المسلمون في Araria برعاية الحاج رياض الدين مختار، وبعث أعضاء المؤتمر رسالة احتجاج إلى حاكم الهند البريطاني بسبب السياسة البريطانية المجحفة في فلسطين. وعقد مؤتمر في مدينة أحمد آباد حضره أكثر من عشرة آلاف مسلم وأرسلوا برقية لحاكم الهند احتجوا فيها على السياسة البريطانية في فلسطين، كما عقد مؤتمر ضم ممثلين عن جمعية الشباب المسلم في Balia Batam، وعصبة الشباب المسلم في مدينة سملا، ومسلمي كابا دونجي، وقد اتخذت جميع المؤتمرات السابقة قرارات أيدت جميع القرارات التي أوصى بها مؤتمر جمعية عموم مسلمي الهند.
وكانت الصحف البريطانية المؤيدة للصهاينة وكذلك الصحف الصهيونية التي تصدر في الهند قد نشرت دعايات مضللة لقرائها كاد المسلمون الهنود يصدقون هذه الأخبار الكاذبة، وقد تصدت لهذه الأكاذيب جريدة » النير ايست« (Near East) التي كانت تصدر في الهند باللغة الإنجليزية وكانت الناطقة باسم المسلمين في الهند، ومما جاء فيه أن العرب قاموا بثورة ضد الإِنجليز لأسباب عدة، منها أن اليهود طلبوا من الإِنجليز تفريغ شحنات البواخر بدلا من ميناء يافا العربي إلى ميناء تل أبيب اليهودي(23). حتى أن هذه الجريدة المسلمة تصدت للجرائد العبرية التي صدرت في فلسطين. فتصدت لجريدة » هآرتس« الصهيونية التي كانت وصفت زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية بصفات الإجرام وقطاع الطرق، فانبرت الجريدة المسلمة الهندية للرد على أكاذيب » هآرتس« قائلة: » أيها الإِنجليز! وأنت يا عصبة الأمم! لقد آن لكم أن تلغوا هذا الانتداب على فلسطين«(24). وقد استمر الدفاع على صفحات جريدة » Near East « عن الحقوق العربية ودحضت الأكاذيب الصهيونية الكثيرة. ومن هذه الأكاذيب أن الحرب في فلسطين هي حرب أهلية، وأن ثورة الشعب الفلسطيني هذه دبرها الإقطاعيون من زعماء العرب وغيرها من أكاذيب. فكتبت الجريدة المسلمة تقول: » إن هذه دعوى كاذبة، وليس أدل على كذبها من الاستشهاد بجرائد إنجلترا الاستعمارية… إن كل يهودي ينزل فلسطيني يعتبر نفسه أوروبياً متحضراً ينزل بين أمة من الهمج، أو أنه سيد من الجنس الأبيض آت ليحكم آخرين من الشعوب الملونة. إن المبدأ الإِجرامي الذي يقوم عليه وعد بلفور لا يعادله في الهند إلا تشبيهنا إياه برجل يقوم الآن فيزعم أن لليونان الحق في إقامة وطن قومي لهم في البنجاب، لأن الإِسكندر فتح الهند منذ 2300 سنة فاستعمرها فريق من اليونان القدماء، ثم تأتي حراب الإِنجليز وترغم الهنود على قبول هذا الاستعمار اليوناني«(25).
تصاعدت عمليات الثورة في فلسطين عام 1936م وأصبح موقف الإِنجليز حرجاً، خاصة عندما قام الثوار بالهجوم على الثكنات العسكرية الإِنجليزية واستولوا على أسلحة الإِنجليز وحاربوهم بها. لذا جرى نقاش في مجلس العموم البريطاني عن محاولة نقل جنود من الهند إلى فلسطين لإيقاف الثورة الفلسطينية والإِضراب الفلسطيني بالقوة. فقد اقترح المستر كلفتون براون (Clifton Brown) على وزير المستعمرات البريطانية ضرورة الإسراع في نقل فرق عسكرية من الفرسان الموجودين في الهند إلى فلسطين وذلك لعدم تمكن فرق المشاة الإنجليز من تهدئة الحال في فلسطين(26). وعن هذا الموضوع نشرت مجلة » Indian Social Reform « وهي جريدة هندية ناطقة باسم المسلمين في الهند، مقالا ذكرت فيه:
إن حكومة الانتداب لا تبدي عطفاً على العرب، ومن الغريب أنك لا تجد إنجليزياًّ واحداً يوافق حكومته على سياستها الحاضرة ضد العرب. أما رأي الهند المسلمة، فهو جلي ظاهر ويتلخص في أن سبعين مليون هندي مسلم يعطفون عطف الأخ على أخيه لأنهم يرتبطون معهم برباط الإسلام. إن الهنود المسلمين يطالبون بمنع الهجرة اليهودية بتاتاً والامتناع عن زيادة عدد اليهود الحاليين في فلسطين، وتريد الهند أن تعلن في جلاء عبارتها أنها ترفض إرسال جنود هندية لمحاربة العرب أو الضغط عليهم إذا طالت الاضطرابات في فلسطين وخطر للحكومة إرسال جنود من الهند إليها. ونريد أخيرا أن نطلب من حكومة الهند إبلاغ لندن أن الرأي العام الهندي يهمه أكبر الاهتمام أن ترعى حقوق الفلسطينيين في فلسطين وأن تهدأ ثائرتها لأننا ثائرون لهم غاضبون لغضبهم(27).
لقد أصبح وضع الإِنجليز في الهند حرجاً بسبب الهياج الإِسلامي في الهند على السياسة البريطانية في فلسطين، لذا فقد اقترح المستر Haig حاكم المقاطعات المتحدة في الهند على حاكم الهند أن ينشر مذكرة ولو كذباً للمسلمين الهنود تؤكد لهم فيها أن المسلمين في فلسطين يأخذون حقوقهم كاملة وأن الإِنجليز هناك يهتمون بالمسلمين في فلسطين(28).
وكان قد بعث حاكم الهند رسالة إلى وزير المستعمرات شرح فيها الوضع الإِنجليزي السيء والحرج في الهند بسبب السياسة البريطانية الظالمة في فلسطين، فقال فيها: » إن المسلمين في الهند يهتمون أكثر فأكثر بشؤون فلسطين، وهذا الاهتمام يمكن أن يسبب لنا مشاكل خطيرة في المستقبل«(29)، مشيراً من طرف خفي في رسالته بأن تتدبر وزارة المستعمرات الأمر وتخفف الضغط عن المسلمين في فلسطين وتعطي الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير ووقف الهجرة الصهيونية.
لقد توصل رجال المخابرات البريطانية إلى أن المسلمين في فلسطين ومصر هم الذين حركوا مشاعر المسلمين في الهند. والدلالة على ذلك وصول رسائل كثيرة إلى المسلمين الهنود مرسلة من القاهرة والقدس طلبوا فيها إرسال ممثلين عن المسلمين الهنود إلى لندن لشرح المعاناة الفلسطينية للشعب والحكومة البريطانية(30)؛ كما أن وزارة المستعمرات استلمت تقارير من
المسؤولين الإِنجليز في الأماكن التي كانوا يسيطرون عليها في العالم ذكروا فيه القضية الفلسطينية. كما استلم مكتب الهند في لندن رسائل من المستعمرات؛ فقد بعث المقيم السياسي البريطاني في الخليج برقية تحمل رقم 525 إلى سكرتير وزارة الهند شرح فيها تأييد الكويت للإِضراب الفلسطيني، فقال المقيم البريطاني في برقيته: »سلمني اليوم شيخ الكويت برقية بعثها إلى الحاج أمين الحسيني بتاريخ 8/7/1936م طلب فيها أن يخبره بالتفصيل عن الحوادث في فلسطين، وأن يوضع حد لسفك الدم العربي«. وقد أجاب سكرتير الهند في برقية جوابية إلى المقيم البريطاني بتاريخ 20/7/1936م قال فيها: »قل لشيخ الكويت أن لا يزج نفسه في الشؤون الفلسطينية«(31).
وعقد المسلمون الهنود مؤتمراً في مدينة » اللـه أباد« بتاريخ 18/7/1936م، دعماً لفلسطين. وقد أرسل جواهر لال نهرو -الزعيم الهندي غير المسلم- رسالة باسم الأمة الهندية إلى المؤتمر الإسلامي مؤيدا القضية الفلسطينية. وجاء في رسالته ما يلي: » إني متأسف جداً لعدم مقدرتي حضور الاجتماع في اللـه أباد بسبب أشغال هامة. ولو كنت موجوداً، لاشتركت بكل إخلاص ومودة وأخوة مع عرب فلسطين… وقد قرر المجلس الوطني الكبير إظهار المحبة والعطف على قضية العرب في فلسطين بإجماع آراء أهالي الهند«(32).
وبعد مرور مائة يوم على الإِضراب الفلسطيني، حاول الإِنجليز أن يوسطوا بعض الزعماء العرب لكي يقنعوا زعماء الشعب الفلسطيني بفك الإِضراب. فقام بالوساطة وزير خارجية العراق نوري السعيد، لكنه فشل في وساطته ورجع للعراق. لذا قرر الإِنجليز استعمال القوة لوقف الإِضراب، فأرسلوا الجنرال ديل (Dill) الذي كان يشغل منصبا عسكريا كبيرا في الهند، فوصل فلسطين وتحت إمرته سبعون ألفا من الجنود المدججين بالحراب الإِنجليزية. غضب المسلمون الهنود لسماعهم هذه الأخبار، وقد عبر عن هذا الانزعاج اللورد ليلينثاو
(Linlithgaw) في رسالته من الهند إلى وزير المستعمرات أورمسبي غور (Ormsby Gore) حيث شرح فيها الشعور الإسلامي الهندي تجاه القضية الفلسطينية(33).
واجتمع أعضاء الجمعية التشريعية في الهند وناقشوا سياسة حكومة بريطانيا في فلسطين وناقش آصف علي السير كرايك (Sir Karyl) فقال له إن جمعية العلماء في الهند وجواهر لال نهرو وجميع الجمعيات والمؤسسات الهندية تحتج على سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين. فأجاب كرايك قائلا: »إن الحكومة أدركت مبلغ الشعور المتأثر في الهند بسبب الحالة في فلسطين وأبلغت حكومة لندن بذلك«. ووجه آصف علي سؤالا إلى كرايك قائلا: » هل طلبت حكومة الهند من حكومة لندن عدم إرسال جيوش إلى فلسطين؟« فأجاب السير كرايك أنه لم يعلم بأمر إرسال الجيوش إلى فلسطين إلا أمس فقط. وقد أثبت آصف علي أن كلام كرايك ليس صحيحاً لأن حكومة لندن تستشير دوماً حكومة الهند في كل أمور السياسة البريطانية(34).
لم ينجح ديل (Dill) في وقف الإضراب، بالرغم من استعماله أساليب القمع الوحشية ضد الشعب الفلسطيني. لذا أخذ الأهالي يتهكمون عليه قائلين: » دبرها يا مستر ديل يمكن على يدك بتحل«(35). وفي الحقيقة أنه في الوقت الذي وصل فيه الجنرال ديل (Dill) إلى فلسطين كان المفتي الحاج أمين الحسيني قد دعا سراً فوزي القاوقجي البطل اللبناني الأصل والذي كان يعمل في مدرسة بغداد العسكرية، وذلك للتصدي للقوات الإِنجليزية. وعندما وصل إلى فلسطين، انضم إليه كثير من المتطوعين الفلسطينيين والعرب(36).
تحول الإِضراب من مظاهرات عامة إلى أعمال عسكرية مسلحة ضد الإِنجليز، كما انضم البوليس العربي للثوار، وازدادت عمليات الثوار في كل فلسطين مثل نسف الجسور، وقلب القطارات، وقطع خطوط التليفونات، ووضع الحجارة في الطرقات بقصد إعاقة القوات الإنجليزية من التحرك بحرية، ونسف أنابيب البترول. وقد وصل فلسطين مئات من المتطوعين من الدول المجاورة. ومن هؤلاء الثوار الشيخ محمد الأشمر وسعيد العاص وهما من سوريا، وقد سيطر الأشمر على طولكرم ومنطقة الثلث. أما سعيد العاص، فقد سيطر على المنطقة الممتدة بين الخليل والقدس(37).
ووصل متطوعون مسلمون من شبه القارة الهندية إلى فلسطين للدفاع عن الأقصى. والدلالة على ذلك وجود هنود جرحى في المستشفى الحكومي، حيث كتب المندوب السامي رسالة إلى وزير المستعمرات البريطانية بتاريخ 12/6/1936م جاء فيها: » إن هناك اثنين من الهنود يعالجون في المستشفى الحكومي نتيجة جراح بسيطة«(38).
كانت الصحف الهندية المسلمة نشيطة في إيصال أخبار الإِضراب الفلسطيني للشعب المسلم في شبه القارة الهندية. وبسبب الإِجحاف الإِنجليزي بحق الشعب الفلسطيني، عقد المسلمون الهنود مؤتمراً ضخماً برئاسة مولانا السيد سليمان الندوي في نيودلهي شهده أكثر من 25.000 مدعو، كان بينهم ممثلون عن الأقاليم الهندية، كما حضر المؤتمر جواهر لال نهرو -الزعيم الهندي غير المسلم والذي أصبح رئيسا للهند فيما بعد. استمر المؤتمر ثلاثة أيام اتخذ فيها المسلمون قرارات هامة كان من أهمها: مقاطعة حفلات التتويج البريطانية، والدعوة إلى مقاطعة البضائع الإِنجليزية، وعدم التجنيد في الجيش البريطاني إذا لم تغير بريطانيا سياستها تغييراً أساسياً في فلسطين وتمنح العرب حقوقهم الشرعية في وطنهم(39) .
كما عقد المسلمون اجتماعاً في كولومبو بجزيرة سيلان جنوب الهند، حضره آلاف من المسلمين الهنود، وترأسه السيد جانا رئيس الجمعية الإسلامية في تلك الجزيرة. وفي بداية الاجتماع قرأ رئيس المؤتمر رسالة فلسطين مرسلة من الحاج أمين الحسيني حث فيها المسلمين على نجدة عرب فلسطين، وأصدر المؤتمر قرارا هاما جاء فيه: » المسلمون في سيلان يتتبعون بقلق وباهتمام ما بعده اهتمام الحوادث المؤسفة في فلسطين… ونقترح على حكومة بريطانيا سرعة الوفاء بعهودها للعرب وتغيير السياسة الحاضرة. وبغير ذلك يفقد الإِنجليز عطف كل العالم الإسلامي… إن فلسطين أقدس لدى المسلمين والمسيحيين مما هي لدى اليهود، وإن هذا البلد المقدس الذي أخرج للعالم أكثر من نبي يجب أن لا تحوله السياسة إلى ميدان اضطرابات وتقتيل وتدمير، كما أنه يجب تعديل وعد بلفور«(40).
كانت الضغوط الإسلامية على حكومة الهند هائلة. لذا أخذ حاكم الهند يستجدي وزير المستعمرات كي يرسل مقالاً أو اثنين ولو كذبا عن سياسة بريطانيا في فلسطين، وذلك لنشرها في الصحف الهندية. والقصد من ذلك التخفيف من حدة الغضب الإسلامي الهندي على سياسة الإنجليز التعسفية في فلسطين، كما طلب أن يتضمن كل مقال شيئاً عن إنصاف الإنجليز للمسلمين في فلسطين. فبعث وزير المستعمرات البريطانية رسالة للمندوب السامي في فلسطين طلب منه كتابة مقالين لنشرهما في الصحف الهندية. فجاء الجواب من المستر هول (Hull) السكرتير العام إلى المستر باركنسون (Parkinson) في لندن جاء فيه: »وجدت من الصعوبة تحضير معلومات لنشرها في عمودين في جرائد الهند حول تاريخ سياستنا في فلسطين نبين فيه أن العرب أنصفناهم وأعطيناهم حقوقهم. إن كتابة عمودين للدعاية أمر غير ناجح«(41).
نستنتج من المراسلات المتبادلة بين الإنجليز في لندن والإنجليز في الهند أن المسؤولين الإنجليز في لندن كانوا يحسبون ألف حساب لرأي المسلمين الهنود قبل أن يتخذوا قراراً بشأن فلسطين. ونستنتج أيضا أن الجرائد الهندية الإسلامية كانت مليئة بالأخبار عن فلسطين. لذا فإن كتابة مقال كاذب في الصحف الهندية مصيرها الفشل وعدم التصديق.
أثار المسلمون الهنود قضية فلسطين في البرلمان الهندي. وقد ذكرت جريدة
»فلسطين« عن هذا الموضوع فقال: »كانت من الأسئلة الملتهبة التي أثارها إخواننا الهنود في برلمان الهند في الأسبوع الماضي ما يدل على مدى خطورة ثورة النفوس هناك غضباً وسخطاً على السياسة المتبعة فيها… ثورة لها خطورتها الدولية«(42).
كانت الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية على علم بما تنشره الصحف الإسلامية الهندية. لذا حاولوا نشر دعاية هدامة في الهند ضد الإضراب الفلسطيني كي يقرأها المسلمون في الهند من جهة، وشد أزر اليهود الموجودين في الهند وهم قليلون. لذا أرسل مدير »الكارن هايسود« (»مكتب المال التأسيسي اليهودي«) مندوباً يهودياً له إلى الهند واستراليا هو الدكتور عمانويل أولفانجر لتشجيع اليهود على الصبر والثبات ولجمع الأموال لليهود في فلسطين. وقد وصل هذا المندوب مدينة بومباي في أواخر شهر آب عام 1936م، وألقى خطاباً هناك نشرته الجريدة الهندية اليهودية ذي جيوش أدفوكيت (The Jewish Advocate) قال في خطابه:
» إن العرب الآن في منتهى التعب من الإضراب… إن اليهود لم يختل شعورهم من جراء الحوادث… يجب أن تفهموا أن الثورة الفلسطينية ليست من صنع الأمة العربية، إنها من صنع أفراد قلائل من المحرضين الإقطاعيين » الأفندية« الذين يستغلون جهل الفلاحين ويستغلون تعصبهم الديني لغاية واحدة هي احتفاظ هؤلاء الأفندية بما أيديهم من الممتلكات ومن النفوذ على العوام. أما الفلاح العربي الفلسطيني، فلا يهمه شيء من أمور السياسة؛ ولكنه عندما يمس شعوره الديني، فعندئذ يهيج ويثور كما هو ثائر وهائج الآن«(43).
إن هذه الدعاية اليهودية في الهند كانت تهدف بطبيعة الحال إلى الطلب من اليهود عدم تصديق الجرائد الإسلامية الهندية وتطلب منهم عدم قراءتها لأنها تخيفهم وتغير أفكارهم.
وربما استأجر اليهود خائناً فلسطينياً كي يبث لهم دعاية خبيثة في الهند مفادها أن الحالة الاقتصادية في فلسطين أصبحت جيدة منذ مجيء اليهود لفلسطين. وقد وضحت جريدة »فلسطين« هذا الموضوع فكتبت تحت عنوان: »اليهود يتصيدون فلاحاً عربياً ليبث لهم دعوتهم الخبيثة في الهند«. قالت: »نقلت الجريدة اليهودية الهندية ذي جويش ادفوكيت عن جريدة »ذي تايمز أوف انديا«(The Times of India) ما يلي: »وصل من فلسطين إلى بومباي المستر أحمد الصفدي، وهو فلاح عربي، فوصف لنا تقدم فلسطين في السنين الأخيرة والحرية الاقتصادية التي يتمتع بها قسم من العرب أصحاب الأراضي منذ بدأت الهجرة اليهودية إلى الآن…«(44). وقد علقت جريدة » فلسطين« على هذا النبأ قائلة: »ربما يكون هذا الشخص هو » أدونا« وتسمى باسم أحمد. ومهما يكن من أمر هذا الفلاح العربي، فيجب معرفة شيء أهم وهو أن الجالية اليهودية قليلة جداً وأفرادها معدودون على الأصابع؛ أما الجالية الإِسلامية هناك، فهي أكثر من ثمانين مليون مسلم. ولكن لم تذكر هذه الدعايات اليهودية حقيقة أهداف اليهود وهي جعل فلسطين يهودية كما هي إنجلترا إنجليزية وفرنسا فرنسية حسب أقوال الزعيم الصهيوني وايزمن«.
ونشرت الجريدة اليهودية في الهند » ذي جيوش أدفوكيت« أخباراً غير صحيحة عن فلسطين والأوضاع فيها، فنشرت رسالة مطولة وصلتها من لندن وهي عبارة عن دعاية يهودية ملفقة وتقول إن الإنجليز في فلسطين يقفون في صف العرب ويحتقرون اليهود، وإن الأكثرية الساحقة من موظفي الإدراة الإنجليز في فلسطين موالون للعرب تماماً بسبب النزعة اللاسامية التي تسيطر على نفوس هؤلاء الإنجليز، وإن العربي في نظر الإنجليز هو » جنتلمان« (Gentleman) أما اليهودي، فليس كذلك(45) . وإذا كان هذا الكلام صحيحا، إذا لمن صدر
وعد بلفور؟ هل صدر لإعطاء وطن قومي للعرب؟ ومن هنا نستنتج عدم صحة الدعاية اليهودية في الهند. وقد اعترفت جريدة »دافار« اليهودية في فلسطين بأن مقالات مولانا شوكت علي في الصحف والمساجد الإسلامية في الهند كانت طافحة بدعايات شديدة لمساعدة عرب فلسطين. وليس من المعقول مناظرة ومنافسة هذه الدعاية(46).
ازدادت الأعمال التعسفية البريطانية ضد الشعب الفلسطيني وذلك بقصد فك الإضراب بالقوة، كما جلبت بريطانيا جنوداً آخرين لفلسطين. لذا قرر المسلمون في الهند مقابلة الحاكم الإنجليزي في الهند للإعراب عن احتجاجهم على السياسة الإنجليزية في فلسطين. وهكذا، ففي يوم 28/9/1936م قابل حاكم الهند وفدا إسلاميا برئاسة السر محمد يعقوب ممثلا عن »منظمة مسلمي الهند« . وألقى رئيس الوفد خطاباً أمام حاكم الهند قال فيه: » إن التعاون الإسلامي البريطاني في الهند لن يستمر وفلسطين في خطر«(47). ومما جاء في الخطاب ما يلي:
إنكم تعرفون شعور القلق والاضطراب الذي أعرب عنه المسلمون في اجتماعاتهم الكثيرة التي عقدوها في معظم أنحاء البلاد الهندية بعد أن قرأوا أنباء الجيوش البريطانية التي ترسل إلى فلسطين لتسحق الآمال الشرعية القانونية للأمة العربية الفلسطينية ولتخمد بقوة السلاح هذه الحملة التي يقوم بها العرب من مسلمين ومسيحيين ضد الظلم الواقع عليهم من وعد بلفور، ومن استمرار تنفيذه بالقوة على شعب يحتج عليه غير راغب فيه. إن هذا الوعد هو الذي يقاومه جميع المسلمين مع العرب الفلسطينيين… لقد تلقى المسلمون في الهند تأكيدات كثيرة متكررة عن ضمان بريطانيا للأماكن الإسلامية المقدسة وللحقوق والامتيازات التي منحها لأهالي الأراضي المقدسة الخليفة (عمر). ومما يقلق هؤلاء المسلمين الآن أشد القلق أن سلسلة العهود قد طرحت جانبا … وعليه، فإننا باسم الإنسانية واسم الإنصاف نطلب من حكومة صاحب الجلالة أن تعيد الحق إلى نصابه للشعب الفلسطيني الآن، وذلك بمحو الإجراء الحربي وهو وعد بلفور وإنهاء الانتداب، والمساعدة على تأسيس حكومة مسؤولة في فلسطين والسماح لشعبها بأن يعيش بسلام في بلاده ليؤدي الواجبات الدينية والإنسانية التي عليه وكلما تأخر اتخاذ هذه الإجراءات الضرورية، زاد نفور المسلمين من بريطانيا(48).
بعد هذه المقابلة التي تمت بين الوفد الإسلامي الهندي وحاكم الهند الإنجليزي، وبعد تقديم الخطاب له، قال الحاكم مُطمئناً الوفد الإسلامي بأن اللجنة الملكية ستأتي إلى فلسطين وسوف تبحث المسألة الفلسطينية وأسباب الإضراب، ولكن بعد أن تهدأ البلاد. ثم غادر الوفد الإسلامي مقر الحاكم، ورجع كل إلى مقاطعته، وبعث حاكم الهند رسائل إلى زعماء المقاطعات الإسلامية جواباً لهم عن الأسئلة والطلبات التي قدموها له أثناء مقابلتهم معه(49).
بقي الإنجليز في قلق خاصة بعد هذه المقابلة التي جرت بين الوفد الإسلامي الهندي وحاكم الهند الإنجليزي. لذا بعث الموظف الإنجليزي والتون (J.C.M.C. Walton) رسالة إلى باركنسون (Parkinson) في وزارة المستعمرات البريطانية شارحاً فيها مقابلة الوفد الإسلامي الهندي لحاكم الهند، فقال في رسالته: »إن حاكم الهند أجاب الوفد عن أسئلتهم… ولكن ما زال الحاكم يشعر أن المشكلة مع المسلمين الهنود ما زالت معلقة«، وأضاف والتون أنه سيكون مسرورا لو أن وزارة المستعمرات تقوم بتقديم أية مساعدة له عن شرح نية حكومة جلالته في فلسطين، وأضاف والتون أيضاً » أن الوفد الإسلامي سأل حاكم الهند كم عدد العرب (مسلمين ومسيحيين) وكم عدد اليهود في فلسطين؟«. وأضاف قائلاً: »هل نقول للمسلمين الهنود إننا لسنا مسؤولين عن وعد بلفور وإنما المسؤول عصبة الأمم؟«(50).
أجاب باركنسون من وزارة المستعمرات البريطانية إلى والتون في تاريخ 16/10/1936م قائلاً: » إن وعد بلفور هو جزء من الانتداب، وإنه أجري آخر إحصاء للسكان في فلسطين بتاريخ 30/6/1936م، وكان قد جرى إحصاء للسكان عام 1922م وفي عام 1931م. وكان عدد سكان فلسطين حسب آخر إحصاء وذلك بتاريخ 30/6/1936م كما يلي:(51).
عدد المسلمين :848.342 مسلماً،
عدد المسيحيين:106.474 مسيحياًّ،
عدد اليهود:307.483 يهودياًّ،
آخرون:11.219.
المجموع:1.336.518 نسمة.
وذكرت الصحف الإسلامية في الهند أن فلسطين بحاجة إلى أطباء بسبب كثرة الجرحى والشهداء في صفوف المسلمين في فلسطين. لذا عقدت » جمعية علماء الهند« مؤتمرا بتاريخ 27/9/1936م في نيودلهي برئاسة مولانا شفيع داود. وقد صدر قرار عن هذا الاجتماع طلب فيه المسلمون الهنود ضرورة إرسال لجنة طبية لمعالجة الجرحى الفلسطينيين من جراء الحوادث. ومما جاء في القرار ما يلي: »قررت جمعية علماء الهند بإجماع الآراء الاحتجاج على السياسة المتبعة في فلسطين ومطالبة الحكومة البريطانية بإجابة مطالب العرب الحقة العادلة، وترى الجمعية أن الحاجة ماسة في فلسطين إلى بعثة طبية. وهي -لذلك- تقرر سرعة إرسال هذه البعثة من الأطباء المسلمين في الهند، كما تقرر جمع مساعدة مالية قيمة لتقديمها إلى اللجنة العربية العليا في فلسطين«(52).
ازدادت النداءات أكثر من ذي قبل من علماء المسلمين في العالم الإسلامي تحث على ضرورة مساعدة إخوانهم في الدين شعب فلسطين. ففي نداء وجهه الزعيم الشيعي حجة الإسلام محمد حسين آل كاشف الغطاء إلى العالم الإسلامي بعنوان » فلسطين الدامية« أوضح فيه ضرورة مساعدة إخوانهم في الدين المسلمين في فلسطين الذين استمر إضرابهم حتى الآن خمسة شهور(53).
لم تُلب وزارة المستعمرات البريطانية اقتراحات حاكم الهند الإنجليزي وأهمها النظر في احتجاجات المسلمين في الهند. لذا أرسل الحاكم رسالة احتج فيها للحكومة البريطانية في لندن على وزارة المستعمرات لأنها لم تهتم بمسلمي الهند. ففي رسالة من لاثويث (Lathwaite) نائب حاكم الهند إلى ستيوارت (Stewart) نائب سكرتير الدولة لشؤون دولة الهند قال فيها: يجب أن يكون المسلمون الهنود مهمين في نظر الحكومة، إن الحاكم العام في الهند قلق بسبب عدم الاهتمام بالمسلمين ذوي المقام المرموق من قبل الحكومة البريطانية، علما أن هؤلاء المسلمين يستطيعون التأثير على كل المسلمين في الهند، ويجب أن لا نسمح لوزارة المستعمرات أن تنسى الشعور الإسلامي في الهند، بل يجب أن تبقى حكومة الهند في الصورة«(54). يتضح من هذه الرسالة الصراع القائم بين وزارة المستعمرات البريطانية وبين حكومة الهند الإنجليزية بسبب عدم الاهتمام بملايين المسلمين في الهند. ومعروف أن رأي هؤلاء الملايين واضح وهو شد أزر إخوانهم في الدين في فلسطين؛ ولأن وزارة المستعمرات لم تهتم كثيرا بالمسلمين الهنود، ظن هؤلاء أن رأيهم لم يوصله حاكم الهند إلى لندن. لذا احتج السيد محمد يعقوب رئيس جمعية المسلمين الهنود لدى حاكم الهند قائلا: »يجب أن نرسل احتجاجاً رسمياً إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند في لندن، وعندما يأتي جواب احتجاجاتنا من بريطانيا يجب أن ننشره رسمياً باسم حكومة الهند«(55).
أصبح موقف الحكومة البريطانية حرجاً أمام الرأي العام العالمي بسبب الإِضراب الفلسطيني. لذا قررت بريطانيا أن توسط ملوك العرب لكي يبادروا بإقناع إخوانهم في فلسطين لفك الإِضراب، فتوجه نوري السعيد -وزير الخارجية العراقي- إلى فلسطين بعد أن جرت مفاوضات في عمان والرياض وبغداد بين وزراء الخارجية لهذه العواصم ا لعربية. وبعد مباحثات مطولة أجراها نوري السعيد مع رؤساء اللجنة العربية العليا في فلسطين، قرر الفلسطينيون موافقتهم على استمرار المفاوضات مع وزير الخارجية العراقي كي يتصل برؤساء الدول العربية. وفي نفس الوقت الذي كان نوري السعيد يجري فيه اتصالاته مع زعماء فلسطين، كانت الحكومة البريطانية تخطط لطرد المفتي وصحبه الذين أشرفوا على الإِضراب، طردهم من فلسطين، معتقدة أن طرد الزعماء يحل المشكلة ويفك الإضراب، فبعثت وزارة الخارجية البريطانية برقيات إلى المندوبين السامين الإنجليز في كل من بغداد (المستر كلارك كير) وجدة (المستر سير بولارد) والإسكندرية (المستر كيلي) تسألهم عن رأي المسلمين في مناطقهم لو طرد المفتي وجماعته، وطلبت منهم أن يبقى ذلك سراً(56).
استمرت المفاوضات السرية بين الزعماء الإنجليز في وزارة الخارجية حول طرد زعماء فلسطين بسبب الإضراب. فقد أرسل سكرتير الدولة لشؤون الهند في لندن برقية رقم 2838 إلى حكومة الهند في نيودلهي بتاريخ 8/10/1936م سأل فيها عن شعور المسلمين في الهند إذا تم طرد المفتي وجماعته، وطلب في البرقية عدم إفشاء السر وبأن يبقى ذلك الخبر مكتوما. فجاء جواب حكومة الهند إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند في لندن بتاريخ 10/10/1936م في برقية رقم 2297 تنص على »أن معظم التقارير التي وصلت مكتب الهند تقول إن طرد المفتي لن يؤثر كثيرا، ولكن لا بد من معارضة لأنها لا تريد مشاكل أخرى تضاف على رأسها«(57). بينما كان رأي المندوب السامي في فلسطين ليس طرد المفتي بل » قص جناحه« ، أي تجريده من وظائفه(58). وبعد جهود مضنية مع زعماء اللجنة العربية العليا في فلسطين، نجح نوري السعيد في إقناعهم على فك الإضراب. لذلك وجّه ملوك العرب إلى أبنائهم عرب فلسطين، نداء طلبوا فيه فك الإضراب. واستعد الملوك القيام بالمباحثات مع الإنجليز لتحقيق طلبات الشعب الفلسطيني. وهذا هو نص النداء الذي وجهه ملوك العرب للشعب الفلسطيني:
إلى أبنائنا عرب فلسطين. لقد تألمنا للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله ندعوكم للإخلاد والسكينة حقناً للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم(59).
وهكذا انتهى الإضراب الفلسطيني الذي استمر ستة شهور عندما أصدرت اللجنة العربية العليا نداء إلى الشعب الفلسطيني بتاريخ 13/10/1936م بوقف الإضراب، وطلبت من الشعب الفلسطيني أن ينتظر مجيء اللجنة الملكية (لجنة بيل) التي ستبحث أسباب الإضراب، لكن الإنجليز اشترطوا قبل إرسال لجنة التحقيق هذه أن يغادر فوزي القاوقجي والمتطوعون معه أرض فلسطين.
غادر القاوقجي وصحبه الثوار البلاد دون رغبة منه، علماً أنه طلب من اللجنة العربية العليا البقاء في فلسطين حتى تنتهي اللجنة الملكية من التحقيق، بل وحتى تنشر قرارها وتوصياتها. فإذا كان القرار لصالح الشعب الفلسطيني، فسوف يغادر فلسطين؛ وإذا كان القرار غير ذلك، فسوف يستمر في ضرب الإنجليز. لكن اللجنة العربية العليا شكرته على جهوده وجهاده وطلبت منه -بسبب ضغوط الملوك العرب- مغادرة البلاد، فغادرها على مضض(60).
كان من أهم نتائج الإضراب الفلسطيني صدور قرار الوزارة البريطانية بتاريخ 29/7/1936م الذي ينص على ضرورة إرسال اللجنة الملكية (لجنة بيل)(61) إلى فلسطين للنظر في أسباب الإضراب، ولكن لجنة بيل قررت عدم السفر إلى فلسطين إلا بعد انتهاء الإضراب.
وعندما هدأت الحالة في البلاد، سافر أعضاء لجنة بيل إلى فلسطين ووصلوها بتاريخ 11/11/1936م، وكان من المفروض أن تصل اللجنة قبل هذا التاريخ.
واتصل الصهاينة، والإنجليز المؤيدين لهم، باللجنة الملكية سراً قبل شهرين من وصولها إلى فلسطين، حيث قابلها وايزمن وجابوتنسكي، الزعيمان الصهيونيان، ولويد جورج، وجيمس مالكوم الذي قد أجرى مفاوضات عام 1916 مع الصهاينة والتي أدت إلى إصدار وعد بلفور. وعندما باشرت لجنة بيل عملها بمقابلة الأشخاص في فلسطين، تظاهر وايزمن بأنه لا يعرف بيل ولم يشاهده من قبل.
وقبل وصول اللجنة الملكية إلى فلسطين، كان وزير المستعمرات البريطانية اورمسبي غور -صديق الصهاينة- قد منح 1800 شهادة هجرة يهودية جديدة إلى فلسطين، ضاربا بعرض الحائط طلبات الشعب الفلسطيني التي كان أهمها منع الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ومن المعروف أن الإضراب الفلسطيني الطويل الذي دام ستة أشهر كان أحد أسبابه زيادة الهجرة اليهودية. لذلك أعلن مفتي القدس الحاج أمين الحسيني أنه لن يقابل اللجنة الملكية
– لجنة بيل(62) -، احتجاجا على قرار وزير المستعمرات البريطانية بمنح 1800 مهاجر يهودي للإقامة في فلسطين.
وبعث المفتي رسائل إلى الملك غازي ملك العراق، والملك عبد العزيز بن سعود، والأمير عبد الله، شارحاً لهم في رسائله الأسباب التي دفعت زعماء فلسطين إلى عدم مقابلة اللجنة الملكية. ففي رسالته إلى الملك عبد العزيز بن سعود بتاريخ 21/11/1936م، كتب المفتي قائلا: »إن سياسة الهجرة اليهودية إلى فلسطين هي بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت، لأن اليهود كانوا يشكلون 7 %في بداية الانتداب. أما الآن، فيشكلون 30% من السكان. إن القضية الفلسطينية بالنسبة للعرب قضية وجود أو لا وجود، وإن الكيان العربي الإسلامي بدأ في التلاشي والزوال تدريجيا، وإن هذا الكيان سيفقد آجلا أو عاجلاً، وإن فلسطين ستكون إما ولاية يهودية وإما دولة عربية إسلامية«(63).
مكثت اللجنة الملكية في فلسطين أكثر من شهرين استمعت فيها إلى شهادات اليهود والإنجليز، ولكنها لم تستمع إلى شهادة عربي واحد بسبب رفض العرب مقابلة اللجنة، وتدخل ملوك العرب مرة ثانية وضغطوا على زعماء فلسطين لمقابلة لجنة بيل والإدلاء بشهاداتهم وتقديم طلباتهم العادلة. فوافق زعماء فلسطين وقابلوا أعضاء اللجنة في أواخر أيام إقامتهم في البلاد. وكانت أهم طلبات الشعب الفلسطيني كما عرضها المفتي أثناء مقابلة اللجنة وهي: منع الهجرة اليهودية منعاً باتاً ومنع انتقال الأراضي العربية لليهود وإلغاء وعد بلفور واستقلال فلسطين(64). ثم رجع أعضاء اللجنة إلى لندن لتقديم تقريرهم إلى وزير ا لمستعمرات البريطانية.
سافر وفد فلسطيني إلى مكة المكرمة، وكان مكوناً من الحاج أمين الحسيني ومحمد عزة دروزة. وأثناء وجودهما في مكة، حضرا اجتماعاً دعت إليه جمعية الشباب العربي السعودي في منى؛ كما حضر الاجتماع المقيم الهندي في الحجاز بدعوة من محرر جريدة » صوت الحجاز«؛ كما حضرت أيضا شخصيات عربية مثل رياض الصلح وبشير السعداوي أثناء وجودهما في مكة وكانا مبعوثين من الرئيس السوري إلى السعودية لبحث موضوع الوحدة العربية(65). وألقيت في الاجتماع خطب سياسية عن فلسطين كانت حماسية ردد الجميع معاً » الله أكبر«، وظهرت في الصحف السعودية وخاصة صحيفة » صوت الحجاز« مقالات وصفت المفتي وجماعتهم بأنهم قادة سوريون أبطال ومجاهدون، كما وصفتهم جريدة » أم القرى« كذلك(66).
وعندما كان في مكة، اقترح الجنرال ديل استغلال الفرصة ومنع الحاج أمين من العودة إلى فلسطين(67). ولكن أورمسبي غور وزير المستعمرات رفض هذا الاِقتراح، ورفض طرد المفتي بهذه الطريقة، وذلك -حسب ما قال أورمسبي غور- » خوفا من تحريك شعور المسلمين في الهند والعالم ضدنا، ولكن نستطيع أن نطرده بطريقة مناسبة عندما يرفض قرار لجنة بيل«(68).
وانتشرت في الأفق إشاعات تقول إن اللجنة الملكية ربما توصي بتقسيم فلسطين، فبعث المفتي وفداً فلسطينياً إلى لندن في أيار عام 1937م يتكون من جمال الحسيني وعزة طنوس(69) للاحتجاج سلفا على التقسيم إذا صدرت لجنة بيل ذلك القرار. كما أرسل المفتي رسائل إلى الزعماء المسلمين في الهند طلب في رسائله أن ترسل الهند وفدين إلى لندن للاحتجاج سلفاً على قرار التقسيم المقترح إصداره من قبل لجنة بيل(70). وقد قال مولانا شوكت علي إلى حاكم الهند بتاريخ 14/4/1937م إن إرسال وفدين من الهند إلى لندن للدفاع عن فلسطين هو قيد الدرس الآن، وإن المفتي سيرسل اثنين من فلسطين إلى لندن للاحتجاج سلفاً على قرار لجنة بيل في حالة توصيتها بالتقسيم(71).
وأصدرت لجنة بيل تقريرها الذي يوصي بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق، مناطق يهودية، ومنطقة عربية تمتد إلى شرقي الأردن، ومنطقة تبقى تحت الانتداب وهي الأماكن المقدسة في القدس وبيت لحم والناصرة. كما أوصى تقرير اللجنة الملكية بوجوب تبادل السكان بين المنطقتين العربية واليهودية. ونستنتج من التقرير أنه في حالة تطبيق تبادل السكان، فإنه لن يكون سوى تنفيذ عملية طرد السكان العرب من أراضيهم وبيوتهم، لأن عدد العرب في المنطقة اليهودية المقترحة يبلغ عددهم نصف السكان، أي ثلاثمائة ألف نسمة، ويملكون ثلاثة أضعاف الأملاك اليهودية ومقدارها ثلاثة ملايين وربع المليون دونم تقريبا، بينما عدد اليهود في المنطقة العربية لا يتجاوز 1250 يهودي فقط وأن أراضيهم مائة ألف دونم تقريبا(72). وهذه التوصية ظلم فادح للسكان العرب.
نستنتج من توصيات لجنة بيل أنها كانت واضحة لصالح اليهود، لأنها أعطتهم منطقة ليشكلوا فيها دولة لأول مرة في التاريخ. ونستنتج أن الأماكن المقدسة لن تكون تحت إشراف العرب بل تحت إشراف الإنجليز الذين سوف يعملون على تسليمها تدريجياً لليهود. لذلك بعث مفتي القدس رسائل إلى زعماء العالم الإسلامي طلب منهم حماية المقدسات الإسلامية في فلسطين، فقال: » إن هذه الأماكن المقدسة الإسلامية ليست للفلسطينيين وحدهم بل هي لكل المسلمين في ا لعالم« (73). وأما رسالته إلى الملك عبد العزيز بن سعود، فكانت أكثر تأثيرا عندما ذكر له أن الأقصى في خطر، وسيؤدي هذا الوضع إلى أن تكون مكة المكرمة والمدينة المنورة في المستقبل بنفس الخطر(74).
والحقيقة أن رسائل المفتي كانت مؤثرة. والدليل على ذلك أن علماء المسلمين في الدول الإسلامية أصدروا فتاوى ضد التقسيم المقترح. فمثلا، أصدر علماء العراق فتوى تنص على أن أي شخص يوافق على التقسيم لا يسمح بدفنه في مقابر المسلمين(75).
وأرسل مفتي القدس رسائل وبرقيات باسم اللجنة العربية العليا إلى كل زعيم هندي في منطقته. وكان ذلك بتاريخ 8/7/1937م. ومن أهم هذه الرسائل رسالة إلى مولانا طاهر سيف الدين في مدينة بومباي، وإلى مولانا أبو الكلام آزاد في كلكتا، وإلى مفتي الهند في دهلي، وإلى مولانا سر محمد إقبال في لاهور، وإلى مولانا أبو بكر وسكان كانتور، وإلى يوسف عبد الله فوزان رئيس جمعية الشبان المسلمين في الهند، وإلى مولاي أشرف في راندر، وإلى عبد الرحمن صديقي في كلكتا، وإلى الشيخ غلام رسول سكرتير مجلس اتحاد الأمة -صدر بازاردلهوزي، وإلى مولانا شوكت علي، وغيرهم من زعماء الهند المسلمين. وفي كل رسائله شرح المفتي للزعماء الهنود تقرير اللجنة الملكية وبيان الحكومة البريطانية المتضمن تقسيم فلسطين، وكان يركز على أن القدس قبلة المسلمين الأولى ومسرى النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكان يذكر آيات من القرآن الكريم في رسائله وطلب منهم الدعم الكامل لفلسطين والاحتجاج ضد الإنجليز سواء في الهند أو لندن على خطورة التقسيم(76).
واستلم مفتي القدس عدة رسائل من هؤلاء الزعماء الهنود رداً على رسائله نذكر منها: رسالة من أبي بكر وسكان كانتور بتاريخ 26/7/1937م حيث ذكر للمفتي أن مؤتمراً عقد لبحث قضية فلسطين، ورفعوا تقريراً لحكومة الهند يستنكرون فيه التقسيم، فأرسل الحاج أمين برقية بتاريخ 14/8/1937م يشكرهم فيها على ذلك (77). كما استلم المفتي رسالة من رئيس جمعية الشبان المسلمين يوسف عبد الله فوزان أخبره فيها بعقد اجتماع كبير في 1/8/1937م برئاسة الأستاذ حبيب إبراهيم استنكروا فيه تقرير اللجنة الملكية بشأن التقسيم وأن المسلمين الهنود سيرفعون شكوى إلى عصبة الأمم. وبعث المفتي جوابا لهم بتاريخ 8/8/1937م يشكرهم على ذلك (78).
وأما رسالة الدكتور محمد إقبال (رئيس الحلف الإسلامي في البنجاب) للمفتي، فكانت بتاريخ 29/7/1937م. وكانت أكثر شدة وصرامة ضد الإنجليز، حيث ذكر للمفتي أن اجتماعاً عقد في مدينة لاهور بتاريخ 26/7/1937م وألقى محمد إقبال خطبة قال فيها للمسلمين هناك: » أؤكد لكم أن مسألة فلسطين مسألة إسلامية وتهم جميع المسلمين في العالم«. واقترح إيجاد عصبة إسلامية بدلاً من عصبة الأمم (79)، كما انتقد السياسة البريطانية المجحفة بحق المسلمين في فلسطين، وقد حضر الاجتماع أكثر من 20.000 مسلم هندي(80).
كما وصلت برقيات أخرى من زعماء هنود إلى الحاج أمين الحسيني، منها برقية من مولاي أشرف -راندر في الهند البريطانية، قال فيها: » نؤيدك في معارضة تقسيم
فلسطين«(81)؛ وبرقية من جمعية الشبان المسلمين في بومباي بتاريخ 25/8/1937م ذكروا فيها أن قرار اللجنة العليا الملكية غير عادل للقضية الفلسطينية وللمسلمين عموماً(82)؛ وبرقية من شيخ غلام رسول -دلهوزي بتاريخ 24/8/1937م، وفيها تأييد الهند لفلسطين ومعارضة المسلمين الهنود تقسيم فلسطين(83)؛ وبرقية من عبد الرحمن صديقي بدعم الهنود المسلمين للشعب الفلسطيني واستنكاره للتقسيم. وقد بعث الحاج أمين الحسيني أجوبة على هذه البرقيات كان آخرها بتاريخ 1/9/1937م شكر فيها عبد الرحمن صديقي على الدعم الهندي لفلسطين(84).
أما جواهر لال نهرو الزعيم الهندوسي غير المسلم، فكان قد صرح لمراسل جريدة »مدينة« ، وهي جريدة هندية، قائلا إنه يستنكر التقسيم الذي اقترحته اللجنة الملكية ويؤيد الحقوق الفلسطينية. فأرسل مفتي القدس برقية لسيادته بتاريخ 2/9/1937م يشكره فيها على دعمه لفلسطين في التصريح الذي أدلى به لجريدة »مدينة« . فأرسل الزعيم الهندوسي للمفتي برقية جوابية بتاريخ 5/9/1937م قال فيها: » … إن عدم تقسيم فلسطين يضمن لها الحرية التامة من نفوذ الاستعمار البريطاني«(85).
وأرسل زعماء الهنود المسلمين رسائل وبرقيات إلى حكومة الهند، ورسائل وبرقيات أخرى إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند في لندن احتجوا فيها على اقتراح اللجنة الملكية بتقسيم فلسطين. وكان من أهم البرقيات برقية المجلس الإسلامي في مالابار -مدارس سكرتير الدولة لشؤون الهند بتاريخ 24/8/1937م(86)؛ وبرقية من جمعية الإدارة في عمان إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند بتاريخ 23/7/1937م(87)؛ وبرقية من الحلف الإسلامي في البنجاب إلى سكرتير الدولة بتاريخ 29/7/1937م(88).
وقرر المسلمون الهنود أن يرسلوا وفداً هندياً مسلماً لبريطانيا للتعبير عن شعورهم في معارضة تقرير اللجنة الملكية بشأن تقسيم فلسطين. وقد عين الوفد بعد أن عقد مؤتمرا يدعى »مؤتمر عموم مسلمي الهند بشأن فلسطين« في الفترة الواقعة بين 24 و26/9/1937م في مدينة كلكتا. وشكل هذا الوفد من السادة: نواب محمد إسماعيل خان ومحمد أشرف وعبد الرحمن صديقي(89).
وأصدر المؤتمر قراراً جاء فيه: » إن تقسيم فلسطين غير مقبول لمسلمي الهند ومسلمي العالم، وإن السياسة التي تتبعها بريطانيا هي التحيز لليهود ويجب وقفها وعدم التحيز لهم؛ وإلا فإن بريطانيا ستفقد صداقتها مع العالم الإسلامي وتجبر الهند على ذلك أيضا لمصلحة الإسلام«(90). وتأسست في المؤتمر لجنة الدفاع عن فلسطين، وتكلم بعض الأعضاء في المؤتمر فقال: » إن قرار اللجنة الملكية بالتقسيم قد وضع ثمانين مليون مسلم هندي في موقف حرج، وهو إما أن يختاروا الولاء للدولة البريطانية أو الولاء للدين الإسلامي. وطبعا سيختارون الولاء للإسلام«(91). ومعنى هذا الكلام أن المسلمين سيثورون ضد الإنجليز عن حقوق الشعب الفلسطيني -إخوانهم في الدين.
كما عقد جميع مسلمي الهند في لكنو بالهند بتاريخ 18/10/1937م وقرر أعضاء المؤتمر الدعم الكامل للشعب الفلسطيني ورفض التقسيم، وقرر إرسال وفد هندي لزيارة فلسطين للتعرف على أحوالها عن كثب. ومن الشخصيات الهامة التي حضرت المؤتمر إسكندر حياة خان رئيس وزراء البنجاب وفضل الحق رئيس وزراء البنغال(92) .
وفي برقية من ضابط الإدراة الحكومية في فلسطين إلى سكرتير الدولة لشؤون المستعمرات بتاريخ 25/11/1937م قال فيها: »إنه لن يسمح بدخول الوفد الهندي إذا قرر زيارة فلسطين«(93).
ووصلت رسائل إلى حاكم الهند من زعماء هنود مسلمون احتجوا فيها على التقسيم على السياسة البريطانية في فلسطين. وكان أهمها رسالة بعثها مولانا شوكت علي إلى السكرتير الخاص لحاكم الهند المستر لايثويت (Mr. Laithwaite) بتاريخ 10/10/1937م قال فيها: »إنني أكتب إليكم بناء على طلب الأعضاء المسلمين في المجلس التشريعي، حيث طلبوا مني أن أقدم البيان المرفق الذي صدر عنهم بالنسبة للمسألة الفلسطينية. إن هذه القضية تأخذ أبعاداً خطرة وجدية وتقلق المسلمين الهنود، وإنه لمن الواضح أن الحكومة البريطانية سلمت إلى يهود العالم، وليس من العدل والحكمة أن تهمل ملايين المسلمين لمصلحة اليهود الغرباء«(94). وحذر شوكت علي أنه إذا استمر الوضع في فلسطين، فإنه من الصعب السيطرة على الأمور في الهند، وذكروا أن هناك كثيراً من التواقيع لمسلمين هنود احتجوا فيها على التقسيم، وقالوا: » يجب حتى عدم التفكير في فكرة التقسيم، لأن المسلمين في العالم سيثورون إذا حصل ذلك«(95).
وليس مسلمو الهند فقط الذين استنكروا اقتراح التقسيم، بل استنكره أيضا المسلمون في أفغانستان وإيران وكل زعماء العرب. وقد طلب المسلمون في إيران وأفغانستان من سمو آغاجان في الهند أن يوصل احتجاجاتهم إلى بريطانيا(96).
وكان سكرتير الدولة البريطانية لشؤون الهند في لندن قد أرسل مجموعة برقيات إلى المسؤولين الإنجليز في مختلف المناطق بالخليج العربي يستفسرهم عن شعور المسلمين في الخليج تجاه اقتراح التقسيم(97). فكانت الأجوبة التي تلقاها السكرتير تدل على غضب العرب من اقتراح لجنة بيل بشأن التقسيم.
غضب الإنجليز من المفتي، لأنه حث العالم الإسلامي ضد الاستعمار. لذلك قرروا نفيه وطرده من فلسطين، واعترفوا أنهم لا يستطيعون منافسة نشاطه في العالم الإسلامي(98). وقد وضع الجنرال ديل خطة للقبض على المفتي، وذلك بمداهمة اللجنة العربية العليا، ولكن المفتي شعر بذلك حين همس حارس البناية في أذن المفتي بتقدم الإنجليز نحو البناية؛ فهرب المفتي من الباب الخلفي للبناية والتجأ للحرم الشريف(99)، ومكث فيه ثلاثة أشهر مختبئا. وقد احتج المندوب السامي في رسالته إلى سكرتير الدولة البريطانية على المستر فيتزجرالد (Fitz gerald) (مدير البوليس)، لأنه فشل في القبض على المفتي في الاجتماع العام للجنة العربية العليا بتاريخ 17/7/1937م مساء السبت. وقال المندوب السامي: » يجب أن يعاقب مدير البوليس، ولن يقبل عذره لأن المفتي نجح في الهرب«(100).
وفي الوقت الذي كان فيه المفتي مختبئاً في الحرم، اغتيل المستر أندروس الحاكم الإنجليزي لمنطقة الجليل في فلسطين بتاريخ 26/9/1937م، واتهم الإنجليز المفتي بأنه وراء عملية الاغتيال رغم أنه ملتجئ في الحرم(101). وقد قرر الإنجليز بسبب اغتيال أندروس اعتقال كثير من شيوخ شمال فلسطين في منطقة الحادث، وكذلك جميع أعضاء اللجنة العربية العليا وذلك بتاريخ 30/9/1937م. وتم القبض على بعض أعضاء اللجنة العربية لأن الباقين كانوا خارج فلسطين. أما الذين اعتقلوا، فتم نفيهم إلى جزيرة سيشل في المحيط الهندي كما جرد الإنجليز مفتي القدس من وظائفه. وأرسل المفتي رسالة إلى ضابط الإدارة الحكومية احتج فيها على اعتقال كثير من العلماء في شمال فلسطين بسبب اغتيال أندروس(102).
وبعث الشيخ عبد الرحمن سعيد رئيس جمعية الشبان المسلمين في مصر رسالة إلى السفير البريطاني في الإسكندرية بتاريخ 3/10/1937م احتج فيها على اعتقال القادة الفلسطينيين وطردهم من بلادهم وتجريد المفتي من وظائفه، وهدد قائلا إنه إذا استمرت السياسة البريطانية هذه في فلسطين، فإن الصداقة بين المسلمين في العالم وبريطانيا ستنقطع(103).
احتار الإنجليز في الطريقة التي يتم بها اعتقال المفتي: هل يقتحمون الحرم ويكسرون حرمة الأماكن المقدسة ويغتالون المفتي أو يتركونه وشأنه؟ واقترح بعض الإنجليز عدم اعتقال المفتي خوفاً من تفسير المسلمين الهنود بأن الإنجليز أهانوا حرمة المسجد الأقصى(104)، بينما اقترح آخر أثناء المناقشة في وزارة المستعمرات عدم احترام قدسية الحرم الشريف حيث قال الكولونيل Dennys أن الاعتقال يجب أن يتم بواسطة بوليس هندي مسلم، بينما المستر Buss قال إن هذا صعب للغاية(105). ولما علم المفتي بمحاولة اعتقاله عن طريق بوليس هندي، قرر الهرب سراً خوفاً من حصول مجزرة في ساحة الأقصى(106). وقد خرج إلى يافا سراً ثم إلى لبنان حيث طلب من السلطات الفرنسية هناك منحه حق اللجوء السياسي(107).
وعقدت الوزارة البريطانية جلستها رقم 36/1937 بتاريخ 8/12/1938م، وتوصل الوزراء في مناقشاتهم إلى أن الاحتجاجات على التقسيم قد ازدادت لدى المسلمين الهنود. كما ناقشوا بيان رئيس »رابطة عموم مسلمي الهند« الذي صرح به قبل أيام قليلة من جلسة اجتماع أعضاء الوزارة البريطانية، حيث قال المسؤول الهندي إنه إذا لم تذلل الصعاب في المشكلة الفلسطينية، فإن مستقبل الإمبراطورية البريطانية سيهتز(108).
وقررت »رابطة عموم مسلمي الهند« إرسال وفد مسلم هندي لزيارة الدول الإسلامية وبريطانيا وجنيف، وذلك لشرح موقف المسلمين الهنود من القضية الفلسطينية، وتشكل الوفد من السادة: مولانا عبد الرحمن صديقي رئيساً، وعضوية كل من جسرات موهاني شودري وخليف الزمان ومولانا سيد فضل الحسين ورجا أمير أحمد خان(109).
بعد اغتيال الجنرال اندروس في منطقة الجليل، أرسلت حكومة لندن مزيدا في الجنود الإنجليز إلى فلسطين وازدادت الثورة الفلسطينية قوة. عندئذ قررت وزارة المستعمرات البريطانية إرسال ضابط إنجليزي خبير في محاربة الثوار، فوصل إلى فلسطين قادما من الهند الجنرال تيجارت(111) الذي نظر إلى فلسطين بأنها حديقة صغيرة مقارنة بالهند. فبدأ منذ وصوله فلسطين بناء سور من الأسلاك الشائكة طوله ثمانون كيلو مترا وعرضه ثلاثة أقدام، وزرع على مقربة منه مجموعة من الألغام. وكان قد كلف بناء السور نصف مليون جنيه، وسمي بسور تيجارت. والقصد من بنائه هو منع وصول المتطوعين من الثوار من خارج فلسطين إلى فلسطين، ومنع خروج الثوار المحليين للبلاد المجاورة لطلب المزيد من الأسلحة والمساعدات المالية. ورغم متانة السور، إلا أن الثوار بدأوا في تقطيعه قبل إكماله وباع الثوار أجزاء من السور في دمشق وبيروت. وهكذا قدم تيجارت للثورة مورداً مالياً من حيث لا يدري(112).
وقام تشارلز تيجارت بتسجيل أسماء الثوار وعناوينهم، وذلك لمحاولة القبض عليهم في بيوتهم. وقد تم له جمع قائمة أسماء من الثوار لكل بلد في فلسطين(113). ومن أبرز الثوار: في منطقة الشمال أبو إبراهيم الكبير (خليل العيسى) وأبو إبراهيم الصغير (توفيق الإبراهيم) وأبو علي (سليمان عبد القادر)؛ وفي منطقة الوسط أبو كمال (عبد الرحيم الحاج محمد) القائد العام وأبو فيصل (عارف عبد الرزاق) وأبو علي (حسين سلامه) وعبد القادر الحسيني وعيسى البطاط وغيرهم.
وبسبب ازدياد لهيب الثورة الفلسطينية وغضب العالم الإسلامي على التقسيم، قررت وزارة المستعمرات البريطانية إرسال لجنة فنية إلى فلسطين لدراسة احتمال نجاح أو فشل التقسيم. ووصلت اللجنة إلى فلسطين بتاريخ 27/4/1938م برئاسة السير جون وودهيد، فقابلها العرب بالمظاهرات الاحتجاجية وقرر زعماء فلسطين مقاطعة اللجنة.
وكان المسلمون الهنود قد اقترحوا على بريطانيا إرسال محقق هندي مع لجنة وودهيد للوقوف على آراء العرب، فكتب السر سيد سردار علي رسالة إلى جريدة »المانشستر غارديان« (The Manchester Guardian) في لندن كي يطلع عليها زعماء الإنجليز، فقال في رسالته التي نشرتها الجريدة اللندنية ونقلت عنها جريدة الدفاع ما يلي:
“… ليس من الضروري تذكير القراء الإنجليز بأن الهند في الهند طائفة كبيرة جداً وهامة جداً… ويلوح لي أن بريطانيا تتظاهر بالهدوء والسكينة في مسألة فلسطين… آمل من الإنجليز أن لا يظنوا في الهند أنها غير قلقة على مصير فلسطين. نعم، لا يجوز للإنجليز أن يقعوا في مثل هذا الخطإ، فإننا معشر المسلمين الهنود في قلق شديد على فلسطين وعلى كل ما يجري فيها مما يؤثر أسوأ الأثر على الأخوة الإسلامية، ولكن الوقت لم يفت بعد لتعيين رجل هندي يذهب مع لجنة التحقيق الجديدة الذاهبة إلى فلسطين ويكون هذا الرجل موضع ثقة كصاحب السمو آغا خان الذي يستطيع أن ينظر بإنصاف إلى مطالب المتخاصمين من المسلمين واليهود من وجهة النظر الهندية. وهذه مسألة أؤكد لكم أنها مسألة مستعجلة جداً وأنها في غاية الخطورة(114).”
في تلك الفترة الحرجة عام 1938م وهي الفترة التي كان الإنجليز يتدارسون فيها احتمال تقسيم فلسطين، أصيبت الهند بفاجعة كبيرة لفقدانها رئيس الحلف الإسلامي السر محمد إقبال الشاعر والفيلسوف والسياسي الهندي، بتاريخ 21/4/1938م، وهو الذي ناصر ودافع عن القضية الفلسطينية طيلة حياته(115)، فكانت وفاته صدمة للشعبين الهندي والفلسطيني.
وقبل صدور توصية لجنة » وودهيد«، شكل محمد علي علوبة في القاهرة لجنة برلمانية، ودعا النواب البرلمانيين في الدول العربية والإسلامية لعقد المؤتمر البرلماني العالمي للبلاد العربية والإسلامية. وقد لبى الدعوة ممثلو مجالس النواب في معظم الدول الإسلامية. وقد مثل الهند السادة: عبد الرحمن صديقي (عضو المجلس التشريعي في البنغال) والسيد خليف الزمان (عضو المجلس التشريعي في المقاطعات المتحدة). وعقد المؤتمر البرلماني في القاهرة بتاريخ 8/10/1938م؛ وكان أبرز قراراته استنكار التقسيم والتنديد بالمظالم التي يلقاها الشعب الفلسطيني. وقرر المؤتمر إرسال وفد إلى لندن للدفاع عن الحقوق الفلسطينية(116).
وكانت المراسلات مستمرة بين حاكم الهند ووزير الهند في لندن. وكان يذكر له في رسائله سخط وغضب المسلمين من اقتراح لجنة بيل بالنسبة للتقسيم، وكان يوصي دوماً في رسائله ويعطي نصائحه بضرورة إلغاء هذا الاقتراح، لأنه سيؤثر كثيرا على الإنجليز في الهند. ففي برقية بعثها حاكم الهند إلى مكتب (وزارة) الهند في لندن بتاريخ 10/11/1938م، قال فيها: »إن المحمديين (المسلمين) في الهند يشكلون أكبر نسبة محمديين في العالم، وهم دائما يهتمون بالقضية الفلسطينية وإنه من غير المعقول دفن آرائهم وهم أكبر جماعة في الإمبراطورية”(117). وكان حاكم الهند يذكر في رسائله أن عدد المسلمين في الهند يبلغ حوالي 90 مليون مسلم تقريباً.
وصدر قرار لجنة وودهيد بتاريخ 9/11/1938م، وأشار إلى الصعوبات الجمة التي ستواجه التقسيم سياسياً واقتصادياً وجغرافياً في حال تطبيقه. وبناء على ذلك، أصدرت الحكومة البريطانية بياناً بالعدول عن التقسيم. وقد اعتبر الثوار العرب أن توصية لجنة وودهيد بعدم التقسيم نصر كبير للثورة الفلسطينية. ومن الأسباب التي أدت ببريطانيا إلى العدول عن التقسيم هو خوفها من حدوث ثورة إسلامية كبرى في جميع مستعمراتها، يكون على رأس هذه الثورة المسلمون الهنود.
مؤتمر المائدة المستديرة بشأن فلسطين في لندن عام 1939م
بعد أن أصدرت وزارة المستعمرات البريطانية بياناً بالعدول عن التقسيم، أصدرت بياناً آخر بضرورة عقد مؤتمر في لندن لبحث المسألة الفلسطينية من جميع جوانبها وأن تتفاوض بريطانيا مع العرب واليهود حول مائدة مستديرة. وافق الفلسطينيون على حضور المؤتمر، ولكن بشرط أن لا يجلسوا مع اليهود، كما وافقت الدول العربية على حضور المائدة المستديرة أيضا واشترطت لحضورها عدم الجلوس مع اليهود على طاولة معا. وبارك المسلمون هذه الخطوة بعد أن أكثروا رسائل الاحتجاج ضد السياسة البريطانية حول توطين اليهود في فلسطين لأنها بلد إسلامي(118).
وفي رسالة بعثها اللورد زيتلاند (Zetland) من حكومة الهند إلى وزير المستعمرات مالكوم ماكدونالد (Malcom Mac Donald) بتاريخ 23/11/1938م شرح فيها شعور المسلمين في الهند حول تقرير لجنة وودهير ومذكرة الحكومة البريطانية وتأثير ذلك على مسلمي الهند، فقال في رسالته: » إن الصحافة هنا لا تحبذ التقسيم، وإنما تفضل عقد مؤتمر المائدة المستديرة، كما ترغب الصحف في عدم اشتراك اليهود في المؤتمر وضرورة إعطاء العرب الحرية في اختيار مندوبيهم، كما انتقدت الصحف رفض الإنجليز اشتراك مفتي القدس في المؤتمر«(119). ونصح محمد علي جنه -» رئيس رابطة عموم مسلمي الهند«- زعماء العرب الاشتراك في مؤتمر المائدة المستديرة ومباحثاتها(120).
واقترح حاكم الهند على وزير المستعمرات ضرورة قبول وفد هندي مسلم للمشاركة في مباحثات مؤتمر المائدة المستديرة بشأن فلسطين في لندن، وذلك لأن المسلمين في الهند أكبر نسبة » محمديين« في العالم(121).
وقبل انعقاد جلسات المؤتمر، رفع رئيس » رابطة عموم مسلمي الهند«كتاباً بتاريخ 30/1/1939م إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند قال فيه: » إن » عصبة عموم مسلمي الهند« تحث حكومة جلالته على إعطاء الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتطلب العصبة أن يحضر ممثلون عنها المؤتمر. إن المسلمين في الهند ينتظرون بفارغ الصبر نتائج المؤتمر. إن فشل المؤتمر سيكون وبالاً ومصيبة كبرى على جميع المسلمين في العالم وسينتج عن ذلك عواقب وخيمة«(122). ونستنتج من هذه الرسالة التهديد الإسلامي الهندي للإنجليز في حال فشل مؤتمر المائدة المستديرة وعدم إعطاء الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني.
وكانت الزيارات متبادلة بين الوفود العربية قبل افتتاح المؤتمر الذي تم انعقاده في 7/2/1939م. ودعا الوفد الهندي الوفود العربية لتناول الطعام في فندق كلاردج في لندن تكريماً لهم، وكذلك للتشاور فيما بينهم حول اتخاذ موقف موحد في المؤتمر. وكان الوفد الهندي غير الرسمي مكوناً من السادة: عبد الرحمن صديقي (عضو المجلس التشريعي في البنغال)؛ خليق الزمان (عضو المجلس التشريعي في المقاطعات المتحدة)(123). وطلب الوفد الهندي من الحكومة البريطانية موافقتها على المشاركة في جلسات مؤتمر المائدة المستديرة إلى جانب الوفود العربية(124). إلا أن الحكومة البريطانية اعتذرت عن ذلك. عندئذ رفع الوفد الهندي مذكرة باسم رابطة جميع مسلمي الهند إلى وزير الهند في لندن عن آراء المسلمين الهنود بشأن فلسطين. وتقع المذكرة في ثماني صفحات من الحجم المتوسط، وزعت نسخ منها على أعضاء مجلس البرلمان البريطاني (مجلس اللوردات ومجلس العموم)، ورؤساء وأعضاء الوفود العربية في لندن، كما وزعت نسخ أخرى على عدد كبير من أنصار القضية العربية. وتناولت هذه المذكرة تاريخ القضية الفلسطينية منذ بدايتها، وذكرت بالتفصيل جميع الوثائق والمذاكرات التي اعترف فيها الإنجليز باستقلال فلسطين. وأهم هذه الوثائق مراسلات حسين -مكماهون، والتصريح البريطاني الفرنسي الذي أعلن للزعماء العرب السبعة في القاهرة، والبيان الإنجليزي الذي أعلنه الجنرال اللنبي، وغيرها من الوثائق.
وذكرت الوثيقة الهندية أنه بعد دراسة كل هذه الوثائق السالفة الذكر المتعلقة بفلسطين والبلاد العربية، تميل »رابطة عموم مسلمي الهند« إلى الاعتقاد بأن الوعود التي قدمت إلى المسلمين لم تلق العناية الجدية التي تستحقها وأن الإنجليز خالفوا كل الوعود المقطوعة للعرب. وأضافت المذكرة أن حاكم الهند اعترف للمسلمين الهنود في بداية الحرب العالمية الأولى أن الأماكن المقدسة الإسلامية في بلاد العرب ستبقى تحت السيادة الإسلامية وسوف يتم المحافظة عليها من كل اعتداء. وأضافت الوثيقة أنه »بناء على هذه التصريحات التي أيدها رؤساء حكومتي الهند وبريطانيا العظمى، انضم المسلمون إلى صفوف قوات حكومة جلالة ملك بريطانيا بمئات الألوف وحاربوا في كل جبهة من جبهات الحرب العظمى«(125).
بدأ مؤتمر المائدة المستديرة جلساته بتاريخ 7/2/1939 وانتهى في 17/2/1939م، وألقى الأستاذ جمال الحسيني رئيس الوفد الفلسطيني خطاباً حدد فيه المطالب الفلسطينية.
وغادر الوفد الهندي لندن غاضباً وذهب يشكو الإنجليز إلى عصبة الأمم في جنيف. وهناك شرح الوفد الهندي (عبد الرحمن صديقي وخليق الزمان) إلى سكرتير عصبة الأمم موقف المسلمين الهنود، وقد أكدا له أن الإسلام لا يمكن أن يستقر في فلسطين ما لم تتحقق رغبات العرب في استقلال بلادهم وحريتها. كما أطلعاه على رأي المسلمين الهنود النهائي من قضية فلسطين، وأكدا له أن مسلمي الهند لا يوافقون على أي حل يطبق على فلسطين لا يكون ضامنا لحقوق إخوانهم العرب، وقالا: »إن فلسطين ليست للفلسطينيين وحدهم وإنما هي ملك لكافة العرب والمسلمين. ولذلك، فإن العالمين العربي والإسلامي عامة ومسلمي الهند خاصة يراقبون باهتمام زائد تطورات الموقف في قضية فلسطين والذي ستحل على أساسه«.
والحقيقة أن الإنجليز اعترفوا أثناء مفاوضاتهم في مؤتمر المائدة المستديرة إعطاء الشعب الفلسطيني استقلاله ولكن بعد عشر سنوات، ولكنهم اشترطوا أن يكون ذلك مرهونا بموافقة اليهود. وفي نفس الوقت حاولت الحكومة البريطانية أن توسط بعض زعماء الهنود لإقناع العرب بقبول مفاوضات مؤتمر المائدة المستديرة. ففي رسالة من آغا خان إلى حاكم الهند بتاريخ 3/4/1939م، قال فيها إن الحكومة البريطانية دعته إلى لندن لبحث شؤون فلسطين، فوافق وذهب إلى لندن، واجتمع هناك بزعماء العرب وحاول إقناعهم بخطة بريطانيا، ولكن العرب رفضوا لسببين هما: الهجرة الصهيونية، والاستقلال بعد عشر سنوات. واقترح آغاخان على الإنجليز أن يسافر إلى مصر لمقابلة رئيس الوزراء المصري والتباحث معه لإقناع المفتي بقبول هذه النقاط، وقد حبَّذت الحكومة البريطانية اقتراح آغاخان.
ثم سافر الوفد الهندي إلى دمشق ثم إلى بلاده. وعندما كان الوفد الهندي في دمشق، عرج على بيروت لزيارة مفتي القدس. وقد انضم للوفد الأستاذ الأنصاري، حيث رحب بهم المفتي وشكرهم على ما قاموا به من دفاع عن قضية فلسطين في لندن وجنيف والهند.
وفي هذه الفترة، توفي مولانا محمد عرفان رئيس صحيفة »خلافت« اليومية سكرتير جمعية الخلافة التي أسسها المرحوم مولانا شوكت علي. ومن المعروف أن الفقيد حضر مؤتمر الدفاع عن فلسطين وكان مندوبا عن حزب الكتلة الإسلامية (Muslim League)؛ وللفقيد خدمات جليلة في سبيل القضية الفلسطينية.
وفي تلك الفترة أصبح العالم على شفا حفرة من الحرب العالمية الثانية عندما بدأ هتلر تهديداته لجيرانه. عندئذ أرادت بريطانيا استرضاء العالم الإسلامي والعربي. فأصدرت الكتاب الأبيض بشأن فلسطين. والحقيقة أن إصدار الكتاب الأبيض كان القصد منه أن لا يشترك العرب والمسلمون مع هتلر في الحرب العالمية الثانية ضد بريطانيا.
صدر الكتاب الأبيض في 27/5/1939م، وصرح الإنجليز أنهم سوف ينفذون بنود الكتاب الأبيض بالقوة سواء قبل به العرب أو رفضوه وسواء عارضه اليهود أو وافقوا عليه. وأهم ما جاء في الكتاب الأبيض من بنود ما يلي:
1- أن تصبح فلسطين دولة مستقلة بعد فترة انتقال مدتها عشر سنوات وأن يوضع دستور لفلسطين.
2- يسمح بالهجرة في أول خمس سنوات، فيسمح بدخول 75 ألف مهاجر يهودي في هذه الفترة ثم تتوقف الهجرة اليهودية نهائيا، وتصبح الهجرة مرهونة بموافقة العرب.
3- يمنع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود خوفاً من إلحاق الضرر بالاقتصاد العربي، ويسمح لليهود بشراء أراض في أماكن مختلفة محددة في فلسطين، وتوضع قيود على انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود في بعض المناطق الأخرى.
رفض الفلسطينيون الكتاب الأبيض، لأنه لم يحقق المطالب الفلسطينية التي تدعو إلى تشكيل جمهورية فلسطينية خلال ثلاث سنوات كحد أقصى، وكذلك لأن الكتاب الأبيض يقوم على صك الانتداب، وأن الدولة الفلسطينية مرهون قيامها بالوفاق العربي اليهودي.
احتج الشيخ عبد الحميد سعيد (رئيس اللجنة العليا المصرية للدفاع عن فلسطين والرئيس العام لجمعيات الشبان المسلمون) على الكتاب الأبيض، حيث أرسل برقيتين بتاريخ 22/5/1939م: الأولى إلى الحكومة البريطانية، والثانية إلى العصبة الإسلامية في الهند، احتجاجاً على الكتاب الأبيض. فقال في برقيته إلى الحكومة البريطانية: » كتابكم الأبيض عن سياستكم بفلسطين خيب آمال العرب والمسلمين كافة في إمكان التحالف مع بريطانيا. إن هياج اليهود اليوم جاء نتيجة تدليلكم ومحاباتكم لهم طوال العشرين سنة الماضية، وتذبذب السياسة البريطانية في الاعتراف بعروبة فلسطين يقطع الأمل في وقوف العالم الإسلامي إلى جانب بريطانيا في الأزمات المقبلة، وكل من يقول لكم عكس هذا يضلل الشعب البريطاني وحكومته«.
وأما برقية الشيخ عبد الحميد سعيد إلى العصبة الإسلامية في الهند، فطالبت بالدعم الإسلمي الهندي لفلسطين. وهذا هو نص البرقية: » استنكرنا تلغرافياً سياسة بريطانيا في كتابها الأبيض بشأن فلسطين، لأنها أبقت باب الهجرة اليهودية مفتوحاً، ولم تمنع انتقال الأراضي إلى اليهود، واشترطت لتشكيل الحكومة الفلسطينية المقبلة شروطا فرضت فيها لنفسها حرية التصرف وقضت بالنص صراحة على صبغة فلسطين الإسلامية ولا يزال الجيش البريطاني ينكل ويمثل بالمسلمين إلى اليوم. فندعوكم باسم الإسلام إلى الاحتجاج «.
وهكذا كانت المكاتبات المستمرة بين المسلمين لاستنصار بعضهم بعضاً، وكان المسلمون في الهند يؤيدون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. لذلك عقد المسلمون في بومباي بالهند ثلاثة مؤتمرات إسلامية لثلاث هيئات سياسية كبرى في الهند. وتناول البحث في هذه المؤتمرات الثلاث قضية فلسطين، وموقف المسلمين الهنود من الكتاب الأبيض. وقد تقرر في هذه المؤتمرات الثلاث بالإجماع ما يلي:
» 1- إعلان عطف مسلمي الهند العام على إخوانهم عرب فلسطين وتأييدهم في مطالبهم.
2- الاحتجاج على السياسة الحالية الموجودة في فلسطين.
3- الاعتراف بأن مقترحات الكتاب الأبيض معناه الاعتداء الصريح على حقوق العرب ونقض للعهود والمواثيق التي أعطيت لهم.
4- محاولة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين معناها الاستهتار بشعور مسلمي الكرة الأرضية.
5- مطالبة السلطات المسؤولة بإجابة أماني عرب فلسطين«.
الخاتمة
نستنتج مما تقدم أن المسلمين الهنود كانوا يدافعون عن المسجد الأقصى الموجود في فلسطين دائما، وكانوا يقفون بجانب الشعب الفلسطيني في كل مؤتمر هندي أو عالمي. كما نستنتج مما تقدم أيضا أن الإنجليز كانوا قبل اتخاذ أي قرار بشأن مصير فلسطين أو بشأن زعماء فلسطين يحسبون ألف حساب للتأثير الإسلامي الهندي. وكان الإنجليز يعلمون أنه إذا غضب المسلمون الهنود بشأن فلسطين، فإن الشجرة البريطانية ستهتز؛ وإذا اهتزت، فإنهم لن يستطيعوا النوم الهادئ.
كان تأثير الإضراب واضحا على المسلمين في شبه القارة الهندية. فقد وقفوا مع إخوانهم في فلسطين موقفا مشرفا فدعموهم بالكلمة الهادفة في الجرائد الإسلامية في الهند، ودعموهم ماديا لإسعاف الجرحى والعائلات الثكلى نتيجة الثورة الفلسطينية. ودافعوا بقوة أمام المحافل الإنجليزية عن الحقوق الفلسطينية والأماكن المقدسة وضرورة صيانتها واحترام قدسيتها. إن النداء الإسلامي في الهند بأن المسجد الأقصى ليس للفلسطينيين فقط بل هو لكافة المسلمين في العالم، كان نداء واضحا وصل لمسامع الإنجليز. لذا تأكدوا أنه مهما بعدت المسافات بين أقطار العالم الإسلامي، فإن الرابطة الدينية تجمعهم للدفاع عن الأماكن المقدسة.
لقد حاولت الدعايات الصهيونية المضللة أن تصل إلى مسامع المسلمين في الهند، ولكنها كانت تواجه دعايات أشد من قبل زعماء الهند المسلمين. فالحرب الدعائية الصهيونية لم تكن ناجحة في الهند. فلم يستطع الكاتب الصهيوني تغطية الشمس بالغربال. إن المسلم الهندي الذي يقدم روحه فداء للدفاع عن المقدسات الإسلامية كغيره من المسلمين في العالم. ولو لم تمنع بريطانيا المسلمين الهنود المتطوعين لوصل إلى فلسطين عشرات الآلاف للدفاع عن فلسطين، ولكن بريطانيا منعت الهنود من الذهاب لفلسطين في تلك الفترة.

المصادر والمراجع
الأرشيفات:
أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية (PRO)، لندن.
أرشيف وزارة الخارجية البريطانية (FO)، لندن.
أرشيف مكتب الهند (L/P and S)، لندن.
أرشيف جمعية الدراسات العربية -القدس، والجرائد العربية.
الكتب بالعربية
1- بيهم، محمود جميل. -فلسطين أندلس الشرق، بيروت، 1946.
2- جبارة، تيسير. -وثائق فلسطينية في دور الأرشيف البريطانية، مركز الأبحاث، جامعة الخليل، 1986م.
3- حسين، محمد عبد الرحمن. -العرب واليهود في الماضي والحاضر والمستقبل، دار المعارف، الإسكندرية، بدون تاريخ النشر.
4- الحسيني، محمد أمين. -حقائق عن قضية فلسطين، المطبعة السلفية مصر 1954م.
5- الحوت، بيان. -القيادات والمؤسسات في فلسطين، دار الأسوار، عكا، 1984م.
6- الخالدي، حسين فخري. -مذكرات، محفوظة لدى ابنته في بيروت.
7- دروزة، محمد عزة. -حول الحركة العربية الحديثة، المطبعة العصرية، صيدا، لبنان، 1951م.
8- الزركلي، خير الدين. -شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز.
9- زعيتر، أكرم. -وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1918م-1939م)، إعداد بيان الحوت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط.1، بيروت.
10 –. -القضية الفلسطينية، دار المعارف، مصر، 1955.
11- سعيد، أمين. -تاريخ الدولة السعودية، عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل (1319-1373هـ). المجلد الثاني، دار الكتاب العربي.
12- سعيد، محمد علي. -بريطانيا وابن سعود، العلاقات السياسية وتأثيرها على المشكلة الفلسطينية، دار الجزيرة للنشر، 1982م.
13- صدقة، نجيب. -قضية فلسطين، دار الكتاب، بيروت، 1946م.
14- طربين، أحمد. -الوحدة العربية (1916-1945م)، القاهرة، جامعة الدول العربية، معهد البحوث والدراسات العربية العليا، 1959م.
15 –. -فلسطين في خطط الصهيونية والاستعمار (1939-1947م)، القاهرة، جامعة الدول العربية، معهد البحوث والدراسات العربية، 1972م.
16- عبد الهادي، مهدي. -المسألة الفلسطينية، منشورات المكتبة العصرية، ط.1، صيدا، 1975م.
17- علوش، ناجي. -المقاومة العربية في فلسطين (1917-1948م)، مركز الأبحاث الفلسطيني، بيروت، 1967م.
18- الغوري، إميل. -فلسطين عبر ستين عاماً، دار النهار، بيروت، 1975م.
19- قاسمية، خيرية. -مذكرات القاوقجي. دار القدس، بيروت، 1975م.
20- الكيالي، عبد الوهاب. -وثائق المقاومة الفلسطينية العربية ضد الاحتلال البريطاني الصهيوني (1918-1939م)، مركز الأبحاث الفلسطيني، 1969م.
المراجع باللغة الإنجليزية:
1- Abu Lughud, Ibrahim, The Transformation of Palestine, Northwestern Univ. Press, Ebanston, 1971, Collection of Essays by Scholars.
2- Bentwich, Norman and Helen, Manadate Memories 1918-1948, The Hogarth Press, London, 1965.
3- Furlonge Sir Geoffrey Warren, Palestine is my country, the Story of Musa Al-Alami, John Murry, London, 1969.
4- Hyamson, Albert, Palestine Under the Manadate 1920-48, Green-wood Press Publishers Port, Conn, 1976.
5- Jeffries, J.M.N., Palestine, the Reality, Longmans Green and co., London 1939.
6- Jbara, Taysir, Hajj Muhammad Amin Al-Husayni, Mufti of Jerusalem, The Kingston Press, Inc. Princeton, New Jersey, 1985.
7- Kish, F.H., Palestine Diary, Victor Gollancz Ltd, 1938, London.
8- Porath, Yehushua, The Emergence of the Palestine National Movement, 1918-1939, Trank Cass and Co Ltd.
9- Great Britian and Palestine -1915-1939. Information, Dept No. (20A) The Royal Institute of International Affaires Oxford University Press, 1939, India Office, T.1852, Palestine, 1915-1939.

الهوامش:
(1) صبحي ياسين، الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936-1939م، مطبعة دار الهنا، 1959. ص.30.
(2) أميل الغوري، فلسطين عبر ستين عاماً، ص. 57 .
(3) عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، صص. 302-303.
(4) محمد عزة دروزه، حول الحركة العربية الحديثة، ص.125.
(5) أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ملف رقم Co 733/297/75156/ part II.
(6) الأرشيف نفسه، ملف رقم CO 733/310/75528/p.z.3755.
انظر برقية رقم 1287 من حكومة الهند إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند، لندن، بتاريخ 31/5/1936م.
(7) عبد الوهاب الكيالي، وثائق المقاومة، وثيقة رقم 185، ص.388، ووثيقة رقم 164. انظر أيضا نجيب صدقة، قضية فلسطين، ص.18.
(8) أرشيف وزارة الخارجية البريطانية، ملف رقم CO 733/20022.
(9) أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ملف رقم. CO 733/310/75528/ part II. Disp. No: 602.
(10) الأرشيف نفسه، ملف رقم CO 733/321/75591/.
انظر رسالة من جورمان إلى باركنسون بتاريخ 5/7/1936م.
(11) الأرشيف نفسه، ملف رقم CO 733/310/75528/part III.
From: M.G. Hallet (Government of India, Simla, 28th May, 1936). To: R.T. Peel. India Office, London.
رسالة من حكومة الهند في سملا إلى وزارة الهند في لندن.
(12) المصدر نفسه.
(13) المصدر نفسه.
(14) أرشيف مكتب الهند في لندن، ملف رقم L/P and S/12/3347.
انظر وثيقة رقم p.z. 3899 من حكومة الهند في سملا إلى المستر بيل (Peel) بتاريخ 28/5/1936م.
(15) أرشيف وزارة المستعمرات، ملف رقم CO 733/311/75528/6.
انظر رسالة من المندوب السامي إلى سكرتير الدولة لشؤون المستعمرات بتاريخ 18/5/1936م.
(16) الأرشيف نفسه، ملف رقم CO 733/312/13.
انظر رسالة Ian Stephens من دائرة المعلومات العامة -سملا- الهند إلى R.A. Vernes (المسؤول الصحفي-القدس) بتاريخ 4/6/1936م. وجاء جواب هذه الرسالة في 7/7/1936م.
(17) الأرشيف نفسه، ملف رقم CO 733/312/75528/13.
رسالة من حاكم الهند The Viceroy إلى مكتب الهند في لندن بتاريخ 13/6/1936م.
(18) جريدة فلسطين عدد 81/3272 بتاريخ 18/6/1936م. انظر تحت عنوان »جمعية المسلمين في البنجاب تستنكر سياسة عداء انكَلترا للعرب«.
(19) أرشيف مكتب الهند في لندن. ملف رقم L/PO/S/34.
(20) جريدة فلسطين بتاريخ 19/6/1936م الموافق 30 ربيع أول عام 1355هـ عدد رقم 87/3273.
(21) جريدة فلسطين بتاريخ 24/6/1936م الموافق 5 ربيع الآخر عام 1355هـ عدد رقم 87/3278.
(22) أرشيف مكتب الهند في لندن، ملف رقم L/Pand S/12/4473.
(23) جريدة فلسطين بتاريخ 18/6/1936م الموافق 29 ربيع أول عام 1355هـ عدد 81/3272.
(24) جريدة فلسطين بتاريخ 19/6/1936م الموافق 30 ربيع أول عام 1355هـ عدد 82/3237.
(25) جريدة فلسطين بتاريخ 25/6/1936م الموافق 6 ربيع الآخر عام 1355هـ عدد 88/3279.
(26) جريدة فلسطين بتاريخ 17/7/1936م الموافق 27 ربيع الآخر عام 1355هـ عدد 103/3292.
(27) جريدة فلسطين، بتاريخ 28/6/1936م الموافق 9 ربيع الآخر عام 1355هـ عدد 91/3282.
(28) أرشيف المستعمرات البريطانية، ملف رقم CO 733/312/75528/13.
انظر رسالة من المستر والتون في مكتب الهند بلندن إلى المستر وليامز بتاريخ 5/8/1936م.
(29) المصدر نفسه. انظر رسالة من زيتلاند في مكتب الهند إلى أورمسبي غور وزير المستعمرات.
(30) أرشيف مكتب الهند. ملف رقم L/PO/366. انظر رسالة حاكم الهند إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند بتاريخ 5/7/1936م.
(31) أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ملف رقم CO 733/314/75528/44/par 1.
انظر برقية رقم 525 من المقيم السياسي البريطاني في الخليج إلى سكرتير وزارة الهند. وانظر برقية جوابية بتاريخ 20/7/1936م.
(32) جريدة الدفاع، الخميس 13/8/1936م الموافق 25 جمادى الأولى سنة 1355هـ عدد 669.
(33) أرشيف مكتب الهند في لندن، ملف رقم L/PO/366. انظر رسالة من W.D.C إلى Boyd؛ وكذلك برقية حاكم الهند إلى مكتب الهند في لندن بتاريخ 14/9/1936م.
(34) جريدة الدفاع، بتاريخ 22/9/1936م الموافق 6 رجب سنة 1355هـ عدد 701.
(35) مذكرات الدكتور حسن فخري الخالدي محفوظة عند ابنته في بيروت.
(36) محمد عزة دروزة، تسعون عاما في الحياة، ج.2، ص.26. هذا الجزء أهداني إياه المرحوم دروزة قبل نشره أثناء مقابلتي له بدمشق عام 1980م.
(37) محمد عزة دروزة، حول الحركة العربية الحديثة، ج.3، ص.128. استشهد سعيد العاص في فلسطين ودفن في قرية الخضر قرب بيت لحم.
(38) أرشيف وزارة المستعمرات، ملف رقم CO 733/310/75528/III.Disp.602
(39) محمد عزة دروزة، حول الحركة العربية الحديثة، ج، 3، ص.132.
(40) جريدة فلسطين، بتاريخ 10/8/1936م الموافق 23 جمادى الأولى عام 1355هـ، عدد 113/3304.
(41) أرشيف وزارة المستعمرات، ملف رقم CO 733/312/7:28/13 رسالة من هول Hull إلى باركنسون؛ وانظر رسالة من والتون إلى وليامز بتاريخ 8/9/1936م.
(42) جريدة فلسطين، بتاريخ 28/9/1936م الموافق 13 رجب عام 1355هـ، عدد 152/3243.
(43) جريدة فلسطين، بتاريخ 13/9/1936م الموافق 27 جمادى الآخرة عام 1355هـ، عدد 44/3335.
(44) جريدة فلسطين، بتاريخ 15/10/1936م الموافق 30 رجب عام 1355هـ، عدد 164/3355.
(45) جريدة فلسطين، بتاريخ 27 تشرين أول عام 1936م الموافق 2 شعبان عام 1355هـ، عدد 166/3257.
(46) جريدة فلسطين، بتاريخ 27/8/1936م، عدد 128/3329.
(47) جريدة فلسطين، بتاريخ 14/10/1936م الموافق 29 رجب عام 1355هـ، عدد 136/3254.
(48) المصدر نفسه.
(49) أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ملف رقم : CO 733/312/75528/13. انظر رسالة من A.S.Hands مفوض السكرتير العام لحكومة الهند إلى نائب سكرتير الدولة العام لحكومة الهند إلى نائب سكرتير الدولة لشؤون الهند في لندن، بتاريخ 1/10/1936م.
(50) المصدر نفسه. انظر رسالة من والتون إلى باركنسون، بتاريخ 9/10/1936م.
(51) المصدر نفسه. انظر رسالة باكنسون إلى والتون، بتاريخ 16/10/1936م.
(52) جريدة فلسطين، بتاريخ 17/10/1936م الموافق 2 شعبان عام 1355هـ عدد 166/3357.
(53) أرشيف مكتب ا لهند، ملف رقم India Office: R/15/12/165، بتاريخ 31/10/1936م.
(54) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم India Office: L/S and S/12/3347. انظر الرسالة بتاريخ 1/10/1936م.
(55) أرشيف وزارة المستعمرات، ملف رقم: CO 733/311/75528/13. انظر رسالة من والتون إلى باركنسون، بتاريخ 4/11/1936م.
(56) أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ملف رقم: CO 733/311/75528/6. انظر برقيات من وزارة الخارجية إلى المندوبين السامين بتاريخ 7/10/1936م.
(57) أرشيف مكتب الهند في لندن، ملف رقم L/P and S/12/3342/p.z.7298 من حكومة الهند إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند، بتاريخ 10/10/1936م.
(58) أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ملف رقم CO 733/311/75528/6. رسالة من المندوب السامي في فلسطين إلى باركنسون في وزارة المستعمرات، بتاريخ 31/10/1936م.
(59) أكرم زعيتر، وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية، وثيقة رقم 261، ص.458؛ انظر أيضا: وثيقة رقم 57 في كتابي
وثائق فلسطينية في دور الأرشيف البريطانية، إصدار مركز البحث العلمي، جامعة الخليل، عام 1986م، ص. 217.
(60) خيرية قاسميه، مذكرات القاوقجي، دار القدس، بيروت 1975م.
(61) سميت اللجنة الملكية » لجنة بيل« نسبة إلى رئيسها اللورد بيل. كان بيل يشغل منصب سكرتير لشؤون الهند، وكان عضواً في مؤتمر المائدة المستديرة المتعلق بالهند عام 1930/1931م، وعمل وكيلاً لوزارة الحربية ثم وزيراً للمواصلات ثم مندوباً لوزارة الأشغال ثم وزيراً لأختام الملك (انظر جريدة فلسطين، بتاريخ 23/7/1936م الموافق 5 جمادى الأولى عام 1355هـ، عدد 105/3296؛ وانظر جريدة
فلسطين، بتاريخ 11/8/1936م الموافق 24 جمادى الأولى عام 1355هـ، عدد 114/3205، توجد في هذا العدد صورة اللورد بيل وتحت صورته عبارة تقول: » حامل وسام كوكب الهند من رتبة كوماندوز أعظم ووسام صليب الإمبراطورية الأكبر. وفي سن 33 أصبح عضواً في البرلمان وعضواً في مجلس ولاية لندن، ثم أسندت له رئاسة هذا المجلس الخطير. وفي سن الخمسين، عين وزيراً من وزراء صاحب الجلالة الملك… ومنصب وزير الهند ورقي إلى رتبة ايرل«.
(62) عبد الوهاب الكيالي، وثائق المقاومة الفلسطينية، وثيقة رقم 188، ص. 456، بتاريخ 6/11/1936م.
(63) المصدر نفسه، وثيقة رقم 271، ص.469. انظر أيضا عزة دروزة، حول الحركة العربية، ص.139.
(64) ناجي علوش، المقاومة العربية الفلسطينية، ص.133.
(65) أرشيف مكتب الهند في لندن، ملف رقم L/P and S/12/3342. رسالة من لامبسون في القاهرة إلى المستر ايدن بتاريخ 8/4/1937م.
(66) أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ملف رقم CO 733/326/75023/2. انظر رسالة من القنصل البريطاني في جدة (بولارد) إلى ايدن بتاريخ 9/3/1937م.
(67) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/P and S/12/3342. وثيقة رقم 1488 »سري«.
(68) أرشيف وزارة المستعمرات، ملف رقم CO 733/326/75023/2. انظر رسالة من اورمسبي غور إلى رئيس الوزراء، بتاريخ 2/3/1937م.
(69) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/P and S/12/3347. وثيقة رقم P.Z.3882.
(70) الأرشيف والملف نفسه، رقم P.Z. 3882 انظر رسالة من S.I James إلى المستر Clauson؛ وانظر أيضا رسالة حاكم الهند إلى ويليامز وثيقة رقم P.Z2643 وثيقة رقم P.Z. 2367.
(71) الأرشيف نفسه، رقم الوثيقة P.Z. 2643، بتاريخ 16/4/1937م. برقية من الحاكم العام في الهند إلى مكتب الهند، لندن.
(72) محمد عزة دروزة، حول الحركة العربية الحديثة، ج، 3، ص.155.
(73) أرشيف مكتب الهند في لندن، ملف رقم R 15/2/156 File No:19/25.
(74) أرشيف جمعية الدراسات العربية، القدس، ملف مخابرات مع السعودية رقم 1/25، » اللجنة العربية«، بتاريخ 19/7/1937م.
(75) محمد عزة دروزة، حول الحركة العربية الحديثة، ج.3، ص.163؛ وانظر نجيب صدقة، قضية فلسطين، ص.204.
(76) أرشيف جمعية الدراسات العربية، القدس، ملف الهند، » الهيأة العربية العليا« ، بتاريخ 9/7/1937م.
(77) الأرشيف نفسه، برقية من المفتي إلى أبو بكر وسكان كانتور، بتاريخ 14/8/1937م.
(78) الأرشيف نفسه، رسالة من رئيس جمعية الشبان المسلمين يوسف عبد الله فوزان إلى المفتي.
(79) الأرشيف نفسه، رسالة محمد إقبال إلى المفتي في 29/7/1937م.
(80) أرشيف مكتب الهند في لندن، ملف رقم L/P and S/3347، وثيقة رقم P.Z. 5152 ، رسالة من الحلف الإسلامي في البنجاب إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند بتاريخ 29/7/1937م.
(81) أرشيف جمعية الدراسات العربية، برقية رقم 47 من راندر -الهند البريطانية بعثها مولاي أشرف إلى المفتي الحاج أمين الحسيني.
(82) الأرشيف نفسه، برقية من جمعية الشبان المسلمين إلى المفتي في 25/8/1937م.
(83) الأرشيف نفسه، برقية غلام رسول إلى المفتي، في 24/8/1937م.
(84) الأرشيف نفسه، برقية إلى عبد الرحمن صديقي من الحاج أمين الحسيني، بتاريخ 1/9/1937م.
(85) الأرشيف نفسه، برقية من جواهر لال نهرو رقمها 384 وعدد كلماتها 64 ووصلت إلى القدس بتاريخ 5/9/1937م.
(86) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/P and S/12/3347، وثيقة رقم P.Z.6355.
(87) الأرشيف نفسه، رقم الوثيقة P.Z.6007.
(88) الأرشيف نفسه، رقم الوثيقة P.Z.5152.
(89) الأرشيف نفسه، رقم الوثيقة P.Z.5782.
(90) الأرشيف نفسه، رقم الوثيقة P.Z.7803.
(91) كتاب تاريخ بريطانيا العظمى وفلسطين 1915-1939م، مكتب المعلومات البريطانية Great Britain and Palestine 1915-1939.
أرشيف مكتب رقم T.1852.
(92) جريدة الأهرام بتاريخ 19/10/1937م و14 شعبان 1356هـ، عدد 19073، ص.7.
(93) أرشيف وزارة المستعمرات، ملف رقم CO 733/333/7515/32. برقية من O.A.G إلى سكرتير الدولة البريطانية، بتاريخ 25/11/1937م.
(94) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/po/366. من شوكت علي إلى المستر Laithwaite، بتاريخ 10/10/1937م.
(95) أرشيف وزارة المستعمرات، ملف رقم CO 733/333/75156/32. رسالة من شوكت علي إلى Laithwaite بتاريخ 10/10/1937م من سملا بالهند.
(96) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/PO/366. رسالة من آغاجان إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند بتاريخ 23/10/1937م.
(97) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم: L/PO/366. برقية من سكرتير الدولة إلى حاكم الهند بتاريخ 1/10/1937م.
(98) أرشيف وزارة المستعمرات، ملف رقم: CO 733/332/75156/1. رسالة من شكبرغ J.E.Shuckburgh إلى
W.D.Battershill بتاريخ 4/10/1937م.
(99) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/P and S/12/3350، وثيقة رقم P.Z./7066 رسالة من هافارد (Havard) القنصل البريطاني في بيروت إلى وزارة الخارجية البريطانية.
(100) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/P and S/12/3350، وثيفة رقم P.Z./7066 رسالة من القنصل الإنجليزي في بيروت إلى وزارة الخارجية البريطانية؛ وانظر أيضا بيان الحوت، القيادات، ص.373.
(101) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/PO/366.
(102) أرشيف مكتب الهند، رقم L/PO/366. رسالة من حكومة الهند إلى المندوب السامي في فلسطين، بتاريخ 17/11/1937م.
(103) أوراق تشارلز تيجارث محفوظة في جامعة سانت أنطوني في اوكسفورد ببريطانيا.
(104) بيان الحوت، القيادات، ص.382.
(105) أوراق تشارلز تيجارت.
(106) جريدة الدفاع، الأحد 2 صفر عام 1357هـ الموافق 3/4/1938م، عدد 1120، انظر تحت عنوان »المسلمون الهنود في فلسطين«.
(107) جريدة الدفاع، بتايخ 22/4/1938 الموافق 21 صفر 1357هـ، عدد 1137.
(108) بيان الحوت، القيادات، ص.385.
(109) أرشيف مكتب الهند في لندن، ملف رقم L/PO/75. برقية من حاكم الهند إلى مكتب الهند، بتاريخ 10/11/1939م.
(111) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/PO/75 من اللورد زيتلاند (حكومة الهند) إلى مالكوم وزير المستعمرات بتاريخ 23/11/1938م.
(112) الأرشيف والملف نفسه.
(113) الأرشيف نفسه، برقية من حاكم الهند إلى مكتب الهند في لندن، بتاريخ 10/11/1938م.
(114) الأرشيف نفسه، ملف رقم L/PO/75 رسالة من محمد علي جنه إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند، بتاريخ 30/1/1939م.
(115) جريدة الجهاد، 15 ذي الحجة عام 1357هـ الموافق 4/2/1939م، عدد 10.
(116) جريدة الجهاد، 17 ذي الحجة عام 1357هـ الموافق 6/2/1939م، عدد 12.
(117) جريدة الجهاد، 27 ذي الحجة عام 1357هـ الموافق 16/2/1939، عدد 21.
(118) جريدة الجهاد، 10 صفر عام 1358هـ الموافق آذار عام 1939م، عدد 58.
(119) أرشيف مكتب الهند، ملف رقم L/PO/75 رسالة من آغاخان إلى حاكم الهند، بتاريخ 3/4/1939م.
(120) جريدة الجهاد، 8 ربيع أول عام 1358هـ الموافق 28/4/1939م، عدد 83.
(121) جريدة الجهاد، 4 ربيع أول عام 1358هـ الموافق 24/4/1939م، عدد 79.
(122) أكرم زعيتر، القضية الفلسطينية، ص.140.
(123) بيان الحوت، وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1939م، من أوراق أكرم زعيتر، وثيقة رقم 15، ص.648.
(124) المصدر نفسه.
(125) جريدة الجهاد، 25/7/1939م الموافق 16 جمادى الأول عام 1358هـ، عدد 131.

مجلة التاريخ العربي 1998