الرئيسية / دراسات / صور من التواصل التاريخي بين دول الخليج العربي والدول المغاربية
unnamedhart000

صور من التواصل التاريخي بين دول الخليج العربي والدول المغاربية

مفهوم دول الخليج والدول المغاربية
إن المنطق الجغرافي يحدد دول الخليج بمجموع الدول أو الأقطار التي تقع كلا أو جزءا على ساحل ما كان يسمى في الماضي بالخليج الفارسي، وما أصبح يعرف منذ بضع عقود بالخليج العربي، باعتبار أن معظم هذا الخليج يشغل ضفافه تراب عربي ومجتمعات عربي. غير أن العرض يركز بصورة خاصة، على المنطقة التي يضمها حاليا مجلس التعاون الخليجي: لا بقصد التنكر لشعوب لا ترتبط بهذا المجلس وهي بجوار دوله، بل لأن الإطار التاريخي قد يتطلب فضاء إضافيا وواسعا ضمن هذا العرض لا تحتمله صفحات معدودة. ثم إن الحديث عن آفاق المستقبل القريب، يظل مرهونا بتوفر الشروط السياسية والنفسية لتقييم خليجي في إطاره الواسع، وهذا غير مهيأ الآن. على أن الضرورة تستدعي بالنسبة للماضي، الوقوف عند بعض صور التواصل التاريخي، في النطاق الخليجي الأوسع.
وأما الدول المغاربية فمعلوم أنها تضم المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا: ولكنها إذا كانت تعاني بعض الأزمات المحلية في النطاق السياسي، إما بسبب قضية الصحراء المغربية المختلفة من أصلها، أو بسبب الوضع الداخلي للجزائر، فإن الحدثين معا ليس من شأنهما انقطاع المنطقة المغاربية عن العالم الخارجي، لا سيما العربي الذي تحتل فيه دول الخليج مكانا مرموقا وعزيزا لا سيما لدى المجتمع المغربي.
الاتصالات الأولى
لو أخذنا ببعض الروايات التي وردت في بعض المصادر المغربية المتأخرة عن قيام وفد من “رجراجة” المغربية بالتوجه إلى المدينة المنورة وإسلامه على يد الرسول r . لكان هذا أول ما وطئت قدما مغاربي شبه جزيرة العرب في ظل الإسلام. إن هؤلاء الرجال الذين كانوا سبعة، نقشت أسماؤهم داخل ضريح أبي العباس السبتي بمراكش، والذي خرج في القرن 6/12م بنظرية تخلي الأغنياء عما فضل من أموالهم لصالح الفقراء (1) ، على غرار نظرية الصحابي أبي الدرداء.
هذا إذا بالنسبة للعصر النبوي، مع التحفظ في هذه الرواية قبل الرجوع إلى مصادرها الأولى، وهي على أي حال متواترة في الأوساط المصمودية بالمغرب. أما إذا رجعنا إلى ما قبل الإسلام بزمن طويل فإن شطرا كبيرا من أمازيغ الشمال الإفريقي تنسبه مصادر عربية وأمازيغية إلى العنصر القحطاني، ولا حاجة إلى إثارة هذا الموضوع بتفصيل في هذا العرض وقد تعددت فيه الكتابات قديما وحديثا.
أما الموجات الخليجية الأولى في ظل الإسلام، فهي التي قدمت في عصر الفتوح الأولى بدءا بخلافة عمر بن الخطاب، عندما كان عمرو بن العاص على رأس الإدارة المصرية، وأخذت طلائع الحاميات العربية تتسرب إلى ليبيا. وتتابعت الفتوح بعد ذلك على مراحل عبر الشمال الإفريقي فالسكان العرب في هذه الفترة كانوا من الجيش. لكن النصف الثاني من القرن الأول بدأ يشهد توافد بعض المثقفين والدعاة، خاصة على القسم الشرقي من المنطقة المغاربية.
وتكون المجموعات المنتمية إلى قبيلة بني تميم، جزءا كبيرا من العناصر التي توافدت من جزيرة العرب ضمن الأفواج الأولى، فقد تكاثرت أعدادها وتعذر عليها البقاء بهذه الكثافة في أراض جدباء شمال الجزيرة وفي التراب العراقي فكانت فترة مناسبة مواتية لالتحاقها بالجيش الإسلامي. وكما هو معلوم، فإن عناصر منها اعتنقت الفكر الشراتي وتولت ريادته سواء بجزيـــرة العرب أو بالمناطق العربية المجاورة. ومن بني تميم تكونت دولة الأغالبة بأفريقية، والتي ساهمت بحظ كبير في البناء الحضاري. ولا زال بالقطر التونسي حتى الآن أعقاب بني تميم والمنتسبون إليهم. كما أن سبتة المغربية حلت بها أسر تميمية. وبين أفرادها من برزوا في الأدب والفنون المعرفة مثل القاضي محمد بن عيسى التميمي السبتي، وعبد الله بن محمد التميمي السبتي، وكلاهما من القرن الخامس، والأخير كان محدثا في زمن المرابطين(2) .
إن منطقة الخليج بمفهومها الواسع خرج منها ثلاث شخصيات تقاسمت الجزء الأكبر من المغرب العربي المسلم في وقت واحد:
1 -إبراهيم بن الأغلب التميمي من غرب ليبيا إلى النصف الشرقي للجزائر.
2 -عبد الرحمان بن رستم الذي أنشأ دولة إباضية عاصمتها تاهرت بالشطر الغربي للجزائر.
3 -إدريس بن عبد الله الحسني الذي لجأ من ملاحقة العباسيين بالحجاز إلى المغرب، فأنشأ الدولة الإدريسية وجعل من فاس التي أنشأها عاصمة.
كل الثلاثة حكموا في وقت واحد، وكل الأنظمة التي أسسوها قوضتها أو أضعفتها الدولة الفاطمية، وكانت نشأتها متقاربة خلال القرن 2/8م.
كان المغرب المسلم أرض اللاجئين، لكن الحجاز أيضا، ما لبث أن تحول إلى مهجر دولي إسلامي يستقطب العلماء والصلحاء والراغبين في التوبة، وطلاب المعرفة، وعندما نذكر طلب المعرفة لا بد أن نتوقف قليلا عند تأثير الإمام مالك.
مؤثرات مالك
وصل المذهب المالكي من طريقين اثنين إلى الشمال الإفريقي:
1 -من طريق التلاميذ الذين تلقوا عن مالك بن أنس مباشرة، وأكثرهم ينتمون إلى ليبيــــا وإفريقية. والذين ينتمون إلى ليبيا أغلبهم من برقة وطرابلــــس(3) ، بينما أخـذ معظـم رواد المذهــــب المالكي من المغرب فقه مالك بالقيروان، وبعضهم بالأندلس وآخرون بمصر.
2 -من طريق كتاب الموطأ برواية علي بن زياد من طرابلس على أن التفاصيل بشأن انتشار المذهب المالكي لا تهم هذا العرض في حد ذاتها، والذي يهم هو هذا الارتباط القوي بين منطقة المغرب العربي والحجاز من حيث استغلال المغاربيين لوجودهم بالبقاع المقدسة، في الاتصالات الثقافية التي كان مثقفوهم يجرونها كطلاب في الدراسات الحديثية والشرعية بكل من مكة والمدينة، ولا زال للمذهب المالكي حضور ببعض دول الخليج.
إن أثر المدرسة المالكية لم يكن مجرد انتقال معارف دينية من جهة إلى أخرى، فقد تركت بصماتها في السلوك الأخلاقي لغالبية الفقهاء الذين اغترفوا من معينها، وربطت فقهاء المذهب بالفئات الاجتماعية ربطا وثيقا، لا سيما بالمدن. وعدد كبير منهم حظي باحترام السلطات ونجح في عدة فترات، في توجيه المسؤولين إلى الحلول التي تتطلبها الأزمات والأوضاع الاجتماعية، على أن الثقافة العربية الإسلامية في جملتها إنما دخلت المنطقة المغاربية بمحض اختيار أهلها الذين رأوا فيها روح القرآن الكريم ونصوصه، كما أمسوا فيها السنة النبوية التي احترمها الواعون منهم وحتى الأميون. ولقد كان من الشروح الأولى لصحيح البخاري، شرح أحمد بن نصر الداودي في القرن الرابع الهجري، وهو من أهل المغرب الأوسط.
أما التعريب البشري فقد ساهمت فيه الموجات العربية خلال الفتوح، وفيها موجات عدنانية وقحطانية، وهذا بالإضافة إلى الاحتكاك بعرب الأندلس، لكن أضخم موجة مثلها عرب بني هلال وسليم.
عرب الخليج بالشمال الإفريقي، في أضخم موجة إن المجموعة الهلالية فرع من هوازن التي وجد الإسلام مضاربها حول المدينة المنورة. وتكاثر هدا الفرع حتى أصبح قوة يحسب لها حسابها ضمن الكتل القبلية في حركة القرامطة، في أوائل القرن الرابع. ثم عملت السلطات الفاطمية على توطينهم بصعيد مصر وقد أصبح الحجاز تابعا لهــــا في أيام الماعز لدين الله منذ سنة 363هـ(4) .
وأذن الفاطميون لبني هلال بالتوجه إلى إفريقية بعد إعلان القطيعة نهائيا في أواسط القرن 5/11م بين الزيريين حكام هذه البلاد، وبين الفاطميين أولياء نعمتهم السابقين. وهذه الجموع الحاشدة توزعت بين المراكز الحضرية والريفية الخصبة ابتداء من ليبيا إلى المغرب الأوسط، ثم نقل الموحدون في النصف الثاني من القرن 6/12م شطرا كبيرا منها إلى المغرب الأقصى انطلاقا من أفريقية. وأحدث انتشارها صدامات كثيرة مع السكان، وتأثر من جحافلها الاقتصاد المحلي، وكانت تعد بعشرات الألوف. غير أنها أثرت كثيرا في التعريب البشري للمنطقة، سواء بأرياف أفريقية أو عدد من أرياف وحتى مدن المغربين الأوسط والأقصى. وكانت في قدومها إلى الشمال الإفريقي مصحوبة بمجموعات من قبائل أخرى كسيلم التي استوطنت ليبيا ومعقل التي انتشرت بالصحاري الجنوبية بقرب الواحات والأودية. وعلى سبيل المثال، تعرب الجزء الأكبر من السهول الأطلسية بالمغرب، مثل دكالة والشاوية، كما انتشر اللسان العربي بأجزاء من سوس كما في قبيلة هوارة وضواحي تارودانت. وتسربت معقل إلى موريتانيا حيث لا يزال التأثير العربي أقرب إلى أصله بجزيرة العرب في التقاليد وغطاء الرأس لدى النساء، وفي الذوق الشعري وجملة من العادات العربية العريقة.
ولولا هذه الموجة الهلالية لبقي التعريب البشري محدودا في بعض المدن، ويمثل أقلية ضئيلة لا سيما بكل من الجزائر والمغرب وموريتانيا، أما في ليبيا والقطر التونسي فإن نسبة هذا التعريب شملت الأغلبية الساحقة من السكان. وكل هذه المناطق مدينة في لغتها الدارجة (العربية) بأكبر شطر من مصطلحاتها للموجة الهلالية، إلى جانب الأثر الأندلسي(5) .
الحركة السلفية في القرن 12/18م
اقترن ظهور المذهب، الوهابي وانتشاره بجزيرة العرب والعراق خلال الثلث الأخير مــن القرن الثامن عشر الميلادي، بحركة سلفية مماثلة بالمغرب على يد السلطان العلوي محمد بن عبد الله الذي كانت وفاته سنة 1205/1790 فقد شجع هذا العاهل نشر الدراسات الحديثية عبر المساجد وحلقات الدروس، واختار لنفسه المذهب الحنبلي، كما صرح بذلك في كتابه: الفتوحات الإلهية، لكنه لم يلزم الأمة بهذا المذهب، فقد كان المذهب المالكي متغلغلا في كل جهات المغرب عبر القضاء والإفتاء والمعاهد والمساجد والكتب المتداولة. واستخدم نفوذه في التشطيب على مختصر خليل من مصنفات الدراسة دون أن يذهب بعيدا في مسألة الاجتهاد، والرجوع أساسا إلى الكتاب والسنة، فقد جرب الموحدون وبإصرار، فيما سبق، أي خلال القرن السادس الهجري وشطر من السابع أن يلتزم الفقهاء بأصول الشريعة رأسا، وهذا كان عملا ناجحا جزئيا، لأنه لا يمكن أن يعم الاجتهاد مئات الفقهاء في عصر واحد على نفس الرقعة الجغرافية، ولو أن المرحلة الموحدية شهدت فقهاء مقتدرين من المنطقة المغاربية والأندلس.
وعلى إثر مذكرة وجهها العاهل سعود الأكبر (1218-1230/1803-1814) إلى الأقطار المسلمة، وجه السلطان المغربي مولاي سليمان الذي خلف والده محمد بن عبد الله بوفد يقوده الفقيه الكبير حمدون بن الحاج إلى السعودية، فتبين للوفد وجود تقارب بين السلطتين في محارة البدع والانحرافات، لكن موقف الفقهاء بالمغرب، اختلف بين محارب لزيارة الأضرحة ومدافع عنها بالشروط السنية المعروفة، من منع التوسل بغير الرسول r وعدم تحويل الأضرحة إلى أوثان تعبد من دون الله أو تؤدي إلى الإشراك به.
أما الوضع بالنسبة لباقي الأقطار المغربية، فقد كانت هذه البلاد تحت نفوذ السلطة العثمانية التي تطبق المذهب الحنفي، وهذه السلطة لم تتقبل المذهب الوهابي بحال، بل حاربته بشتى الوسائل بالمشرق(6) .وتبعا لذلك لم تكن لتقبله بالشمال الإفريقي.
التواصل الثقافي
هذا التواصل هو أبرز عناصر الترابط بين منطقة الخليج والمنطقة المغاربية، بعد الرابط الديني الذي يدفع المغاربيين إلى أداء مناسك الحج والعمرة وزيارة المشاهد المعظمة وربما مراكز مختلفة غير مكة والمدينة وجدة. فهناك الذين يذهبون إلى البصرة أو الكوفة أو بغداد أو عمان وغبرها من مناطق الخليج العربي.
وأهم المعارف التي كان المغاربيون يأخذونها بهذه المراكز عموما هي العلوم الشرعية، وعلوم العربية وأصول الدين. إن الحافز الديني في هذا الاختيار لم يكن منفردا فهناك أيضا عامل التقارب الفكري مع الثقافة الإسلامية انطلاقا من منابعها الأولى، كما أن الخصوصيات المذهبية أيضا، لها دور كبير في اختيار النمط الثقافي المغاربي فقد كان المغرب المسلم يضم بعض المناطق التي أخذت بالمذهب الإباضي قائما. وقد أشار الدرجيني في طبقات مشايخ المغرب إلى الاستشارات الفقهية وغيرها ما كان يجريه إباضة الشمال الإفريقي مع إباضة البصرة وغيرها من مراكز المشرق(7) .
وبالنسبة للمذاهب السنية المعروفة، فإن مكة والمدينة استقطبتا اهتمام الدارسين والمدرسين على السواء. فبهما كان يقيم أو يستقر نهائيا، طلاب ومدرسون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولذلك اجتمع فيهما من علماء الفقه والحديث خصوصا في الأجيال الأولى ما لم يجتمع في غيرهما.
وقد يكون هنا من باب التذكير، الإشارة إلى أحد أقدم محدثي المدينة وهو عكرمة البربري مولى عبد الله بن عباس من رجالات القرن الأول الهجري، وتنقل بين أقطار المشرق ثم قضى فترة من أواخر حياته بالقيروان داعيا ومدرسا بجامع عقبة (8) .
كما أن أبا الحكم إسماعيل بن إسحاق، الموصوف أيضا بالبربي كان فقيها محدثا بالمدينة، وكان مالك من أساتذته(9) .ولا يعرف إلى أية جهة من المغرب العربي ينتمي عكرمة أو أبو الحكم. وقد سبق ذكر علي بن زياد الذي هو من طرابلس وكان معاصرا لأبي الحكم وتلميذا لمالك. وبفضله انتشر الموطأ بأفريقية خاصة. ومن بين الذين تلقوا الفقه أو قاموا بتدريسه الخليج، لا سيما بالحجاز، إلى جانب من سبق ذكرهم:
1 -حماد بن يحيى السجلماسي (10) (قرن 3/9م) من شيوخه في الحديث بالبصرة، عبد الله بن بكر السهمي البصري، وفي الفقه بالمدينة: ابن الماجشون عبد الملكبن عبد العزيز. وإلى حماد هذا يعزى إدخال كتاب ابن الماجشون في الفقه إلى المغرب العربي، وقد ظلت آراء صاحبه تردد في كتب الفقه المغاربية حتى عهد قريب، لأن بن الماجشون من تلاميذ مالك ومتأثر به.
2 -أسد بن الفرات (11) (ت. 3/2م) أصله فيما قيل، من خراسان، نشأ بإفريقية ودرس على بن زياد بتونس ثم التحق بالمدينة فصحب مالكا قبل أن يتوجه إلى العراق ليلازم بالكوفة محمد بن الحسن الشيباني. وبذلك جمع بين المذهبين المالكي والحنفي. وكانت هذه الظاهرة معتادة في دراسة عدد من طلاب الشمال الإفريقي بالمشرق، وتولى أسد منصب القضاء وفتوح صقلية حيث استشهد حول سرقوسة.
3 -الحسين بن عبد الله الأجدابي (12) (ت. 132) ينتمي إلى أجدابية الليبية. درس بالحجاز على كثيرين مثل أبي زرعة الجرجاني وأبي نصر النيسابوري، وبعد رحلته تفرغ للتدريس بإفريقية وألف في مناقب عدد من الشخصيات العلمية المعروفة بتقواها.
4 -علي بن عبد الله بن مخلوف الطرابلسي(13) . من تلاميذه أبو طاهر السلفي. ألف في يتاريخ طرابلس كما قال ياقوت، وتوفي بمكة سنة 522 .
5 -عتيق بن علي الصنهاجي المكناسي.
من مثقفي القرن السادس / 12م. درس بفاس ومكة وبغداد ومصر. وتجلى في الفقه والأدب(14) .
6 – محمد بن محمد المقري التلمساني (ت. 758/1357 بتلمسان)
جمع بين الفقه والحديث والعقليات. وكانت له رحلة طويلة إلى المشرق، خصوصا مكة وبيت المقدس ومصر. وهو أحد أبرز دعاة الاجتهاد في القرن الثامن(15).
7 -محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي (16) (ت. 803 / 1400 بتونس) من أكبر الفقهاء المغاربيين، وهو عالم مشارك في الحديث والأصول والعقليات والتفسير. وله مؤلفات في مختلف تخصصاته. حج سنة 792 وأقام مدة بالحجاز، وكان له به طلاب كثير. قال عنه تلميذه ابن ظهيرة المكي في معجمه: “لم يكن بالمغرب من يجري مجراه في التحقيق، ولا من اجتمع له من العلوم ما اجتمع له”. وقد علق لبن مريم في البستان على ذلك بتعداد جملة من أقرانه في عصره كالمقري السابق ذكره، وأحمد القباب الفاسي.
وقبل الانتقال إلى الحديث النبوي تجدر الإشارة إلى أن عددا كبيرا من الطلاب كانوا يقصدون الحجاز لدراسة علوم القرآن. ومن أبرزهم:
1 -مكي بن أبي طالب القيرواني (17) (ت. 437/1045م)
وهو صاحب سلسلة كبيرة من مصنفات علوم القرآن كالضبط والقراءات والتفسير. ومن شيوخه بمكة: أحمد بن فراس العبقسي وأحمد بن إبراهيم المروزي. واستقر بعد عودته بالأندلس حيث كون مدرسة حقيقية في علوم القرآن.
2 -أبو الحسن علي بن أحمد التجيبي الحرالي (ت. 637هـ بحماة)
مولده ونشأته بمراكش، وأصله همن حرالة، إحدى قرى إقليم مرسية بالأندلس. كان ضليعا في العربية والفقه والكلام والأدب والفلسفة. رحل إلى المشرق، وكان بين شيوخه بالحجاز، الفقيه المتمرس بعلوم القرآن والعربية أبو عبد الله محمد القرطبي. وكتب الحرالي تفسيرا تميز بأصالته، وظف فيه معارفه في العقليات وروحه الصوفية. وانشطر قراؤه بين ناقد كابن تيمية وعز الدين بن عبد السلام، ومحبذ كالغبريني والبقاعي الشامي الذي وضع تفسيرا على منواله(18).
غير أن الحديث النبوي كان يستقطب أعدادا أكبر من المغاربيين بمكة والمدينة، لدورهما الأصيل في هذا الباب من جهة، ولاستغلال فرصة قضاء المناسك التي يقيم الطلاب بعدها أو قبلها شهورا يقضونها في حلقات الدرس إذا لم يستقر بعضهم سنين، أو لبقية عمرهم، ومن بينهم:
1 -موسى بن معاوية الصمادحي من القيروان، اشتهر كمحدث بارز (ت. 225 بالقيروان). درس بالحجاز والبصرة والكوفة وغيرها(19) .
2 -يزيد بن محمد الجمحي (ت. 212هـ) درس بالمدينة والعراق والشام، وهو من القيروان. وكان من تلاميذ مالك. وربما شايع بعض مذاهب أبي حنيفة(20).
3 -بكر بن حماد التاهرتي من المغرب الأوسط (ت. 296 بضواحي تاهرت). محدث ولغوي وشاعر. تابع دراسته بالقيروان والبصرة حيث أخذ عن محدثين ولغويين كمسدد البصري وأبي حاتم السجستاني وابن الأعرابي(21).
4 -أبو محمد الأصيلي عبد الله بن إبراهيم (ت. 392هـ بقرطبة)
من مواليد أصيلا المغربية، قضى سنوات طويلة في الدراسة بالمشرق. ومن بين شيوخه بمكة أبو زيد المروزي، وبالمديمة أبو مروان المالكي. وببغداد أبو بكر الشافعي، وأبو بكر الأبهري الذي كان شيخ المالكية بها، وتلاميذه كثيرون. ورافق الأصيلي في دراسته أبو الحسن القابيي القيرواني الذي يلتقي في الكثير من تكوينه مع الأصيلي، ودراس بن إسماعيل الفاسي وكان أكبرهما سنا. جمع الأصيلي بين الحديث والفقه المالكي والخلاف العالي والأصول والجدل. ومن أشهر تلاميذه ابن أبي زيد القيرواني(22) .
5 -ابن الضابط الصفاقسي أبو عمرو عثمان الصدفى (ت. بعد 444 في رحلة دبلوماسية إلى القسطنطينية) تابع بأقطار المشرق، خصوصا بالحجاز والعراق. جمع بين الحديث واللغة والأدب، وهو من صفاقس بالقطر التونسي. وكان له تلاميذه كثيرون(23) .
6 -عبد الله بن محمد الأشيري، من أشير بالمغرب الأوسط (ت. 561) انتقل إلى الشام فبرز في الحديث ثم قام بتدريس الحديث ببغداد ومكة قبل أن يعود للاستقرار نهائيا بالشام، حيث توفي بالبقاع اللبناني(24) .
7 -ميمون بن ياسين اللمتوني (ت.530 باشبيلية)
من صحراء المغرب المرابطي. من أكبر شيوخه بمكة عيسى بن أبي ذر الهروي. ويتردد ذكره كثيرا في المؤلفات الأندلسية حيث كان له إشعاع واسع بالأندلس(25) .
8 -ابن رشيد الفهري السبتي محمد بن عمر (ت. 721 بفاس)
أحد كبار محدثي العالم الإسلامي. ولد بسبتة وتلقى بها شطرا من دراسته قبل أن يبدأ رحلة طويلة للدراسة بالمراكز المغاربية والمشرقية. ومن هذه المراكز تونس الإسكندرية والقاهرة ومكة والمدينة ودمشق. ومن شيوخه بمكة محمد بن أبي بكر بن خليل المكي. وبالمدينة عبد الصمد بن عبد الوهاب الدمشقي، وعفيف الدين عبد السلام البصري. وله عدة مؤلفات من أشهرها رحلته العلمية، ملء العيبة، وهو في عدة أجزاء أغلبها بالاسكوريال. ونشر الجزء الخاص بتونس بتحقيق د. محمد الحبيب بلخوجة. ويعد هذا الكتاب أضخم ما ألف في الرحلات العلمية، وترجم لابن رشيد عدد من مؤلفي التراجم(26) .
9 -ابن مرزوق العجيسي محمد بن أحمد التلمساني (ت. 781 بالقاهرة) تلقى دراسته بالشمال الإفريقي، وبمصر والشام والحجاز، ومن أساتذته بالمدينة، كل من عز الدين الواسطي، ويحيى المغراوي وابن فرحون التونسي وهو عالم ذو مشارك واسعة، وشرح الشفافي خمسة أجزاء (بوغوطة بألمانيا) دون أن يتممه، وله مؤلفات أخرى في الحديث والفقه. ومن تلاميذه لسان الدين بن الخطيب، وإبراهيم التازي وابن قنفذ القسنطيني(27) .
10 -تقي الدين الفاسي محمد بن أحمد (ت. 832 بمكة).
من مواليد مكة المكرمة، درس بها وبالمدينة ومصر والشام واليمن، واتجه خصوصا إلى الحديث والتاريخ، وله مؤلفات عن مكة والمدينة ذات أهمية لأنها تتناول وصف الحرمين والمدينتين المقدستين، كما تتناول جوانبها التاريخية والثقافية والمؤسساتية. وصفه ابن فهد المكي بالإمام الحافظ المؤرخ، وختم ترجمته بقوله: لم يخلف بالحجاز مثله(28).
11 -محمد بن موسى المراكشي (ت.823) هو أيضا من مواليد مكة وتلقى ثقافة واسعة في الحديث والفقه والعربية بمكة والمدينة والشام والإسكندرية. وكان شافعي المذهب. وتوفي بمكة(29) . (ت. 1090)
12 -أبو سالم العياشي عبد الله لن محمد (ت. 1090).
درس بالمغرب ومكة والمدينة. وجمع بين الحديث والفقه والتصوف وكتب في هذه الفنون كما كتب في التراجم، واشتهر خصوصا برحلته القيمة “مائدة الموائد” وكانت له إلى المشرق ثلاث رحلات، وفي ثالثتها ألقى دروسا في الفقه بالمدينة، على مذهب مالك، كما ألقى بها دروسا في فنون مختلفة كالتوحيد والنحو والبلاغة(30) .
وكل هذا الحشد من الشخصيات الثقافية لا يمثل إلا غيضا من فيض، ولكنه يبرز بالتأكيد مدى تعلق المغاربيين بالمشرق، لا سيما بالبقاع المقدسة التي ربطوا بها صلات الدين والفكر وحتى الصهر، ولم يثنهم عن ذلك بعد المسافة ولا مشقة الطريق وأهوال السفر.
على أن هناك جانبا متميزا بين مجالات التواصل الثقافي كان له دور في توسيع آفاق المعرفة الاقتصادية والاجتماعية والخصوصيات الثقافية المحلية، وهو من مؤلفات الجغرافيا التاريخية والرحلات، وهذا الموضوع تجلى فيه غير واحد من مثقفي المشرق كالمقدسي والهروي وياقوت والبعقوبي. أما في المنطقة المغاربية فأشهر الجغرافيين الذين تناولوا منطقة الخليج في العصور الوسطى هو الشريف الإدريسي من القرن السادس/12م. كما أن أشهر رحالة تناولها هو ابن بطوطة، وكلاهما من المغرب، ولا حاجة إلى التذكير هنا بالعدد الكبير ن الرحلات الحجازية التي حرر معظمها مثقفون من المغرب، وتميزت غالبا بالدقة وجمال الأسلوب، وفي كثير من الأحيان بروح المغامرة والجمع بين الوصف الأثري والاجتماعي والاقتصادي والديني والثقافي وحتى الإداري.
هناك شخصان كتبا عن المنطقة المغاربية، في نطاق ما يعرف بكتب المسالك والممالك، وكلاهما من بغداد، وشخص ثالث من فارس، هو أبو إسحاق الإصطخري.
1 -أحمد بن يعقوب بن واضح (ت. 284/897) وهو صاحب كتاب “البلدان”، وهو أول جغرافي عربي وصلنا كتابه في وصف عدد من الأقطار المشرقية والمغربية وغيرها، وتكتسي معلوماته عن الشمال الإفريقي بدءا ببرقة إلى منطقة سوس المغربية أهمية استثنائية بالنظر للفترة المتقدمة التي تتناولها، ولاستحالة الحصول على معظمها في غير هذا المصدر بالنسبة للفترة التي تعادل النصف الثاني من القرن الثالث، وذلك يتعلق بمحطات السفر والطرق وطرائق المعاش والأسعار والتجارة والتعامل ونمط الحياة الدينية وحتى المذهبية أحيانا. ومن أهم المعلومات التي أدلى بها وصول مراكز الأبلة الخيطية إلى ساحل ماسة من منطقة السوس(31). ، وهذا يعني وجود حركة تجارية في هذا العصر البعيد بين منطقتي الخليج وأقصى المغرب، وهي أيضا كانت موجودة عبر الطريق البري. وقد سجل اليعقوبي وغيره وجود تجار خليجيين بسجلماسة، مع العلم بأنه وصف مشاهداته الخاصة(32) .
2 -أبو القاسم محمد بن حوقل، وقد تنقل بين الأقطار الإسلامية من الهند إلى المغرب، ولكن وصفه للمغرب العربي تميز أيضا بمعلومات نادرة وفريدة عن المنطقة. وهو مثل اليعقوبي، كلاهما شيعي. وهو (أي ابن حوقل) يبدي شيئا من ميوله الشيعية. وقد عاش ابن حوقل إلى ما بعد الستينات من القرن الرابع. وذكر الزركلي(33) وفاته في “الأعلام” سنة 380.
ومن أهم ما ذكره هذا التاجر العالم (34) أن التجار كانوا يفدون على سجلماسة المغربي، من الكوفة والبصرة وبغداد. ولا ريب أن هؤلاء التجار لم يكونوا كلهم عراقيين بالضرورة، فمن المحتمل أن يكون بينهم حجازيون وأسلاف كويتيين وغيرهم ممن كانوا يقيمون بالعراق. وأشار ابن حوقل إلى تردد القوافل البرية باستمرار بين العراق وأقصى المغرب، مع ما كانت تدره عليهم التجارة من أرباح عظيمة كما قال، لأن سجلماسة كانت مركزا تجاريا عظيما في تسويق الذهب من السودان الغربي (35) إلى مختلف أقطار العالم.
وتتكامل معلومات ابن حوقل عن المحطات التجارية الليبية، مع ما زودنا به اليعقوبي من قبل. وحيث إنه يؤدي الضرائب كغيره من التجار، فإفادته في هذا الباب ذات قيمة خاصة في مجال التاريخ الاقتصادي(36) .
ومن أهم ما يثير الانتباه في معلومات ابن حوقل بالنسبة للأقطار المغاربية عموما، خصوبة الجهات التي سلكها أو وصفها، ووفرة الأنعام والمواشي بعموم المنطقة، وحركة الموانئ حتى الصغرى، ووجود استهلاك ملحوظ بالنظر لكثرة الأرحية على مختلف الأنهار. وهو مع ذلك يتحدث عن المذاهب وممارسة الشعائر الدينية محافظا في غالب الأحيان على روح الاعتدال في النقد والتقييم.
وقد أنصف المستشرق بلاشير(37) في تقييمه للتفاصيل التي قدمها عن المنطقة المغاربية والأندلس، ووصفها بالأصالة، لأن أغلب معلوماته عن الجهات الأخرى كفارس وبحر الخزر ومنطقة الخليج أخذها عن الأصطخري معاصره، وهو ما يمكن الوقوف عليه بالمقارنة بين عمل الإثنين.
3 – الأصطخري إبراهيم بن محمد (ت. 346هـ)
يعرف أيضا بالكرخي، وهو من اصطخر الفارسية، وتتميز معلوماته بالاختصار والتركيز. وقد أنجز كتاب “المسالك والممالك” المعروف باسمه، حوالي سنة 307. كما يمكن استخلاصه من بعض إشاراته(38) . وهو يقدم بعض المعطيات الاقتصادية والثقافية على قلتها، بالإضافة إلى تحديد المسافات(39) ، كما يفعل بالنسبة لمختلف البلدان.
أما إذا انتقلنا إلى الصورة الخليجية في أعمال الجغرافيين فإن خير من يمثلها من المغاربيين، الشريف الإدريسي. وكما يمثلها من الرحالة المغاربيين ابن بطوطة اللواتي:
1 -الشريف الإدريسي محمد بن محمد البستي (494-560/1001-1165). ولد بسبتة، ويرجح
أن وفاته بصقلية. عاصر فترة ازدهار ثقافي بسبتة والأندلس. التي تجول كثيرا بينها وبين الشمال الإفريقي. وشملت ثقافته الفلسفة والأدب والطب والنبات، بالإضافة إلى الجغرافيا التي ربما كان أبرز علمائها بين العرب. وقد تنقل بين أقطار المشرق وعدد من الأقطار الأوربية كفرنسا وإنجلترا وإيطاليا. وفي سنة 533/1138 استقدمه عاهل صقلية النرماني روجار الثاني من سبتة، حيث قام بإعداد كرة أرضية وخرائط مسطحة، وأنجز كتابه “نزهة المشتاق”. وكتب في “الأدوية المفردة” كتابا طبية صيدليا، يعد من أفضل ما كتب في هذا الباب(40)
وتناول الإدريسي مختلف مناطق شبه جزيرة العرب. وخص عمان بما يناهز أربع صفحات متوسطة. وقال عن صحار إنها مدن عمان وأكثرها أموالا، وأشار إلى صعوبة الطريق بين عمان ومكة، وكذا بين عمان والبحرين حيث سجل ظاهرة الغارات بين قبائل(41) .
وخص اليمامة ببضع فقرات قيمة(42) ،لا سيما في توضيح محطات القوافل ومن بينها توضح والمقراة اللتان ذكرهما امرؤ القيس (وهو من نفس المنطقة) في البيت الثاني من معلقته:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوب وشمال

وذكر مراحل الطريق فيما بين اليمامة والبصرة(43) ، وخص (كاظمة) بوصف مدينة وحصن، وذكر أن هذا الحصن منيع على جبل عالي الذروة، وتفصلها عن البصرة مرحلتان تتوسطهما قرية دهمان، وقد أشار ياقوت إلى وفرة مياه كاظمة(44) . وأثار ذكرها عدة مرات محمد بن عبد المنعم الحميري السبتي من القرن 8/14 وهو واضع معجم “الروض المعطار” الذي يعد المعجم الجغرافي الوحيد الذي وصلنا من أعمال المغاربيين.
وورد ذكر (كاظمة) في أشهر قصيدة في المديح النبوي، وهي قصيدة البردة لمحمد بن سعيد الصنهاجي البوصيري (ت.696) وهو من أب هاجر إلى مصر من المغرب الأوسط(45) .وفي البيت الثاني من البردة يقول:

أم هبت الريح من تلقاء كاظمة
وأومض البرق في الظلماء من إضم

2 -ابن بطوطة محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي (703-779/1303-1377م) هو أشهر رحالة مسلم. لا يعرف شيء يذكر عن دراسته الأولى، ولكنه عاش في بيئة متدينة، ونال قسطا من المعارف الإسلامية كما يدل على ذلك انتدابه للقضاء في بعض جهات الشرق الأقصى. وكانت له رحلات ثلاث، أولاها بدأها سنة 725/1324 واستغرقت ربع قرن قادته إلى مختلف الأقطار العربية وعدة أقطار آسيوية. والثانية إلى الأندلس سنة 752هـ، والثالثة إلى السودان الغربي سنة 753.
وأغنى رحلاته بالمعلومات، على غرابة الكثير منها، هي رحلته الطويلة الأولى. وبالنسبة لجزيرة العرب، فقد وصف الأماكن المقدسة واتصالاته العلمية والدينية بمكة والمدينة، كما وصف جهات اليمن ومدنها الرئيسية وصفا جيدا، وحظيت عمان ببضع فقرات تعكس انطباعاته(46) . وفيها يجري على عادته من وصف بعض الأطعمة التي تناولها، والعواصف التي صادفت تنقلاته عبر البحر. ونزل بمدينة قلهات الساحلية من عمان، أياما عند واليها الذي أحسن مثواه، وأعجب بنوع من السمك بها قال إنه فضله على كل اللحوم وأنه لم يكن يتناول سواه. ثم وصف كرم عاهل عمان ابن محمد ابن نبهان، وأشار إلى خصب عدد من مناطقها ومدنها، ولم يتردد في الحديث عن بعض الجوانب المذهبية والأخلاقية بالمنطقة، وهو أمر جرى عليه عموم الرحالة وعدد من الجغرافيين.
وتعددت الصلات الثقافية والحضارية بين أقصى العالم العربي شرقا وأقصاه غربا بشكل يحتاج إلى دراسات متخصصة ودقيقة. وهناك أدب عربي فطري يتغلغل في الأوساط الحسانية المعقلية بكل من موريتانيا والصحراء المغربية، بشكل يذكرنا بنظير هذا الأدب عبر أقطار الخليج عموما. بل إن العادات والتقاليد وحتى الطرب والفنون الشعبية تتقارب أو تتشابه في الكثير من وجوهها بين طرفي العالم العربي.
آفاق المستقبل
إذا كان ما تقدم من هذا العرض السريع هو بعض مكونات الماضي، فَبُعْدُ الشُّقة وطد هذا التلاحم القاعدي والسياسي على مدى الزمن، لأنه لا يوجد جوار جغرافي مباشرة يفضي إلى احتكاك أو تعارض مصالح. والغيوم التي سببتها حرب الخليج قد لا تختفي مرارتها على المدى القصير، ولكنها لابد أن تكون تجربة استثنائية لمن يكون لهم صنع القرار السياسي في المستقبل.
إن هناك أربعة مجالات على الأقل، لتقوية العلاقات الخليجية المغاربية ثنائيا وجماعيا:
1 – المجال الاجتماعي:
ويتطلب تقوية تبادل وفود الشباب والقطاعات النشيطة على اختلافها، وتنمية التواصل السياحي المنظم، والذي هو في الوقت ذاته، عنصر تنشيط اقتصادي وتكوين ثقافي. ولاريب أن العمل على توحيد التشريعات القضائية في أقصى الجوانب ضرورة على الأقل، من شأنه أن يسهل الكثير من الصعاب في العلاقات العامة، لاسيما العلاقات الاجتماعية.
2 – المجال الثقافي والعلمي:
لا يحتاج الأمر إلى تأكيد أهمية هذا المجال في ربط العلاقات بين الشعوب الغريبة عن بعضها لغة وفكرا وحضارة، فكيف إذا وحدت بينها كل هذه الوسائل وغيرها من مقومات التواصل العريقة ؟
ويوجد في هذا المجال من أسس التعاون، الشيء الكثير.
– تبادل الخبرات التربوية والجامعية، وهو ما عليه الحال بين بعض الدول من هذه الجهة أو تلك، وما يمكن تنميته وتوسيعه وتعميمه.
– تبادل المعرفة المكتوبة والمسموعة والمرئية والمصورة. وبهذا الصدد، فإن هذه الأنواع من المعرفة قد آن الأوان لتمتيعها بالتخفيضات الجمركية الضرورية لتسهيل تبادلها، لاسيما مع اتساع شبكة التواصل التلفزيوني الدولي والتي تتناقض مجانية التقاط قنواتها مع المبالغ الضخمة التي يتطلبها شحن كمية قليلة من الكتب ؛ وغالبا مت يتجاوز بعث نسخة واحدة ثمن بيعها في سوق الكتب. وهو ما يقال عن الأشرطة والخرائط وغيرها من وسائل المعرفة.
– إنشاء مراكز بحث مشتركة مثل مركز للدراسات المستقبلية، وآخر لرصد التراث الشعبي والتاريخي وثالث للدراسات البحرية الميدانية، ورابع لتطوير آلات العلاج، وهلم جرا…
3 – المجال الاقتصادي:
إن المختصين بهذا الميدان أولى من غيرهم بتناول أوضاعه وتطوراته، وبالتالي، فهم على علم بحدود التبادل حاليا، وإمكاناته مستقبلا. غير أن الكل يدرك أن التعاون الاقتصادي بين دول الخليج والدول المغاربية لا زال ضعيفا بالقياس إلى امتداد هذا التعاون مع أطراف أخرى من العالم. وقد يؤخذ على السياسة العربية الاقتصادية عموما أنها تميل إلى استقلال القرار محليا، في أمور كان يمكن أن توفر بها أموالا طائلة من طريق تنسيق متكافئ. وعلى سبيل المثال، ما دام في بلد خليجي جامعة بترول متخصصة ذات قدرات عالية، فلتكن رهن إشارة طلاب الدول العربية الأخرى دون حاجة لتكرار المؤسسة نفسها. وإذا توفر ببلد معمل لصيانة الطائرات، فلا ضرورة لإنشاء مثله بالبلدان العربية المجاورة ما دام يغطي حاجة المنطقة. وفي كل حال، فإن العبرة بأن يحقق العرب اكتفاءهم الذاتي من ناحية، وأن لا يبحثوا من ناحية أخرى عن تنافس داخلي، بل تنافس مشترك، في إطار السوق العالمية. واحتمالات التعاون الخليجي المغاربي لا تمنع من تعاون الجهتين مع سائر الأطراف العربية وغيرها في إطار المعاهدات المتكافئة.
إننا نتطلع إلى اليوم الذي نرى فيه السفن التجارية الكبرى تمخر عباب البحر يوميا، بين دول الخليج والدول المغاربية في حركة اقتصادية دائبة يتوخى خيرها وتتلافى سلبياتها. وقد تخلى العالم الإسلامي مدة تسعة قرون عن دوره في توجيه الاقتصاد العالمي، فهل آن الأوان ليفكر في استعادة هذا الدور والإعداد له ؟

بيبليوغرافيا
-ابن الأبار القضاعي محمد بن عبد الله، 658/1210م: التكملة لكتاب الصلة، القاهرة 1375/1956م.
-ابن بشكوال خلف بن عبد الملك، 578/1183م: الصلة، القاهرة، 1374/1955م.
-ابن بطوطة محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، 779/1377م: رحلة ابن بطوطة، القاهرة، 1377/1955م.
-ابن الجزري شمس الدين محمد بن محمد، 833/1430م: غاية النهاية في طبقات القراء، بيروت، 1352-1353/1932-1933م.
-ابن حوقل محمد النصيبي، 380/990: صورة الأرض، بيروت، 1992م.
-ابن الخطيب لسان الدين محمد بن عبد الله، 776/1374م: الإحاطة، 3 أجزاء، تحقيق محمد عبد الله عنان، القاهرة، 1393/ 1973م.
-ابن خلدون عبد الرحمان بن محمد، 808/1405م: التعريف (بابن خلدون)، ملحق بتاريخ ابن خلدون: بيروت، 1956م.
-ابن خلكان أحمد بن محمد، 681/1281: وفيات الأعيان، القاهرة، 1299/1881م.
-ابن عبد البر النمري يوسف بن عبد الله، 463/1070م: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (على هامش الإصابة، لابن حجر)، 1328/1910م.
-ابن فرحون برهان الدين إبراهيم بن علي اليعمري المدني، 799/1397م: الديباج المذهب،جزآن، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، القاهرة، 1972م.
-ابن الفرضي عبد الله بن محمد الأزدي، 403/1012م: تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس، القاهرة، 1408/1988م.
-ابن فهد المكي تقي الدين محمد (871/1466م): لحظ الألحاظ، بيروت، 1958م.
-ابن القاضي المكناسي أحمد بن محمد (1012/1603م): جذوة الاقتباس، الرباط، 1973م.
-ابن مخلوف محمد: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، دار الفكر، بيروت (د.ت).
-ابن مريم التلمساني محمد بن محمد، 1014/1605م: البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان، الجزائر، 1986م.
-ابن يعقوب (انظر اليعقوبي).
-أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم، 333/944م: طبقات علماء أفريقية، وتونس، تونس 1968م.
-أحمد بن الحاج الرجراجي الرباطي: الشموس المنيرة في أخبار مدينة الصويرة، الرباط، 1354/1935م.
-الإدريسي (الشريف ـــ ) محمد بن أحمد، 560/1165م: نزهة المشتاق، جزآن، بيروت، 1409/1989م.
-الاصطخري إ[راهيم بن محمد (القرن الرابع/ العاشر م): المسالك والممالك، القاهرة، 1381/1961م.
-أمحزون (محمد ــــ ): المدينة المنورة في رحلة العياشي، الكويت، 1408/1988م.
-جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، أربعة أجزاء، دار الهلال، القاهرة (د.ت).
-حركات (إبراهيم ـــ ): التيارات السياسية والفكرية بالمغرب قبل الحماية، الدار البيضاء، 1415/1994م.
-الحميدي محمد بن فتوح، 488/ 1095م: جذوة المقتبس، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، القاهرة، 1372/1952م.

-الداودي محمد بن علي، 945/1538م: طبقات المفسرين، جزآن، القاهرة، 1403/1983م.
-الدرجيني أحمد بن سعيد، 676/1271م: طبقات المشايخ بالمغرب، جزآن، تحقيق إبراهيم قُسَنْطِينة، الجزائر.
-الذهبي (الحافظ ـــ ) محمد بن أحمد: 748/1347م: تذكرة الحفاظ، نسخة صورة ببيروت، عن الطبعة الهندية لسنة 1958م.
-الزركلي خير الدين: الأعلام، عشرة أجزاء، القاهرة، 1954-1959م.
-السراج محمد بن محمد، 1149/1736م: الحلل السندسية في الأخبار التونسية، جزء1، تونس،1970م.
-السيوطي جلال الدين عبد الرحمن، 911/1505 م : طبقات المفسرين، ليدن، 1839 م ؛ بغية الوعاة ، القاهرة ، 1326/1908 م.
– الشوكاني محمد بن علي، 1250/1834 م : البدر الطالع ، بمحاسن من بعد القرن السابع، جزآن، القاهرة، 1348/1929م.
– عباس بن إبراهيم المراكشي : الإعلام بمن حل بمراكش من الأعلام ، 10 أجزاء ، الرباط، 1974-1983م.
– عياض بن موسى اليحصبي السبتي، 544/1149م : ترتيب المدارك، ثمانية أجزاء، الرباط، 1964-1984م.
– القادري محمد بن الطيب، 1187/1773م : التقاط الدرر، تحقيق هاشم العلوي القاسمي، بيروت، 1403/1983م.
– القرافي بدر الدين محمد بن يحيى، 946/1533 م : توشيح الديباج وحلية الابتهاج، بيروت، 1403/1983م.
– المالكي أبو بكر عبد الله بن محمد، 464/1070م : رياض النفوس، جزآن، تحقيق بشير البكوش، بيروت، 1414/1994م.
– المقري التلمساني أحمد بن محمد،1041/1631م: نفح الطيب، عشرة أجزاء، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، القاهرة، 1369/1249م ؛ أزهار الرياض في أخبار عياض؛ تحقيق لجنة من الباحثين، الرباط، 1398-1399 / 1978-1979م.
– المقريزي تقي الدين محمد بن علي، 845/1441م : الخطط والآثار،ثلاثة أجزاء، بيروت ، 1376/1956م.
– ياقوت الحموي شهاب الدين بن عبد الله، 626/1228 م : معجم البلدان، بيروت، 1376/1957م.
– اليعقوبي أحمد بن يعقوب بن واضح،284/897م: البلدان، النجف،العراق، 1377/1957م.
– Blachère (R) et Darmaun, (H) Géographes Arabes du Moyen-Age, Paris, 1376/1957.
(1) أحمد بن الحاج الرجراجي الرباطي، الشموس المنبرة، ص. 49. وقد أشار إلى مصادره كالمرغيني صاحب المقنع ؛ وسلوة الأنفاس للكتاني ؛ والعيون المرضية إلخ…
(2) حركات، مدخل إلى تاريخ العلوم بالمغرب المسلم (مخطوط)، ج1، فصل2.
(3) عياض اليحصبي، ترتيب المدارك، ج2، ص. 178 وباقي صفحات الجزء.
(4) المقريزي، خطط، ج3، ص. 22.
(5) المصادر عن دخول بني خلال ومن رافقهم من قبائل العرب متعددة، لكن أدقها وأوفاها هو تاريخ ابن خلدون، ج6.
(6) حركات، التيارات السياسية والفكرية بالمغرب، صص. 79-88.
(7) الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، صص.49-50.
(8) ترجم لعكرمة كثيرون، كالمالكي، رياض النفوس، ج1، ص.145 ؛ وابن خلكان، وفيات، ج1، ص.402 ؛ والحافظ الذهبي، تذكرة، ج1، ص.95.
(9) عياض، مدارك، ج4، ص.150.
(10) أبو العرب، طبقات علماء أفريقية وتونس، صص.203، 208 ؛ مدارك، ج4، ص.97 ؛ الذهبي، تذكرة، ج1، ص. 343؛ ابن فرحون، الديباج، ج1، ص.342.
(11) محمد السراج، الحلل السندسية، صص. 741-755.
(12) مدارك، ج7، ص. 100.
(13) ياقوت، معجم البلدان، مادة طرابلس.
(14) ابن القاضي، جدوة الاقتباس، ج2، ص.455.
(15) ابن الخطيب، الإحاطة، ج2، صص. 191-226 ؛ البستان، صص. 154-164 ؛ أحمد المقري، أزهار الرياض، ج5، صص. 12-78.
(16) ابن فرحون، الديباج، ج2، ص. 331 ؛ السيوطي، بغية الوعاة، ص. 98 ؛ ابن مريم، البستان، ص. 190.
(17) الحميدي، جذوة المقتبس، ص.229 ؛ ابن خلكان، وفيات، ج2، ص.157 ؛ ابن الجزري، غاية النهاية، ج2، ص.309 ؛ الداودي، طبقات المفسرين، ج2، ص.337.
(18) الغبريني، عنوان الدراية، صص. 143-155 ؛ السيوطي، طبقات المفسرين، ص. 22 ؛ القرافي، توشيح الديباج، صص.162-165.
(19) أبو العرب، طبقات علماء إفريقية وتونس، ص.190 ؛ الدباغ، معالم، ج2، ص.51.
(20) أبو العرب، م.س، ص.168 ؛ المالكي، رياض النفوس. ج1، ص.239.
(21) ابن عبد البر، الاستيعاب، ج3، ص.62 (بهامش الإصابة لابن حجر).
(22) ابن الفرضي، تاريخ العلماء والرواة، ج1، ص.290 ؛ الحميدي، جذوة، ص.311. الحافظ الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج3، ص. 1024.
(23) الحميدي، جذوة، ص.285 ؛ ابن بشكوال، الصلة، ج1، ص.387 ؛ ابن مخلوف، شجرة النور، ص. 109 .
(24) يقوت الحموي، معجم البلدان، مادة أشير ؛ ابن الآبار، تكملة، ج2، ص. 919.
(25) ابن الأبار، تكملة، ج2، ص.718 ؛ عباس المراكشي، الإعلام، ج7، ص. 308.
(26) الإحاطة، ج3، صص.135-143 ؛ ابن الجزري، عناية النهاية، ج2، ص.219 ؛ ابن فهد المكي، لحظ الألحاظ، ص. 97 ؛ المقري، أزهار الرياض، ج2،صص.347-356 ؛ الشوكاني، البدر الطالع، ج2، ص. 234.
(27) الإحاطة، ج3، صص. 103-130 ؛ ابن خلدون، التعريف، ص.842 ؛ المقري، نفح الطيب، ج7، صص. 309-338.
(28) ابن فهد المكي، م. س،صص. 291-297.
(29) ابن فهد، لحظ الألحاظ، ص.272.
(30) القادري، التقاط الدرر ؛ وفيات، 1090 ؛ محمد أمحزون، المدينة المنورة في رحلة العياشي. انظر خصوصا: صص.181-185.
(31). أحمد بن يعقوب، البلدان، النجف، 1377/1957، ص.110.
(32) R.Blachère et H. Darmaun, Géographes Arabe au Moyen-Age, p.116
(33) الزركلي، الأعلام، ترجمة محمد بن حوقل.
(34) ابن حوقل، صورة الأرض، ص.65.
(35) ن. م، وص.
(36) ن.م، صص. 69-72.
(37) Blachère, Op.Cit, pp.135-136
(38) الأصطخري، المسالك والممالك، ص. 34.
(39) م. ن، ص.35.
(40) جرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص. 92 ؛ عباس المراكشي، الإعلام، ج4، ص. 115 ؛ Blachère, Op.Cit, pp. 190-191
(41) ن.م، صص. 159-161.
(42) ن.م، صص. 161-162.
(43) ن.م، صص. 161-162.
(44) ياقوت، معجم البلدان، مادة(كاظمة).
(45) الزركلي، الأعلام، ترجمة محمد بن سعيد البوصيري.
(46) ابن بطوطة، رحلة، ج1، صص. 172-173

*أستاذا بكلية الآداب – الرباط