الرئيسية / دراسات / المشروع التكفيري وكيفية مواجهته
takfi

المشروع التكفيري وكيفية مواجهته

تجفيف منابع الدعم التي يتغذى منها ماديًا وسياسيًا واجتماعيًا وبشريًا
يؤكد التاريخ أنّ الفكر المنغلق على فئة قليلة تتوسل العنف للوصول إلى اهدافها، لا يعيش طويلًا. والفكر السلفي التكفيري الذي يستخدم الإرهاب لبلوغ اهدافه، يحمل بذور فنائه في داخله، فمعظم المسلمين يرفضون هذا الفكر المسيس للدين، ويرفضون ممارساته الدموية. وإذا كانت المواجهة العسكرية أمرًا مفروغًا منه لاجتثاث المنظمات الإرهابية التي بات خطرها مستشريًا، فإن المواجهة تقتضي ايضًا استخدام وسائل اخرى…

الظاهرة السلفية
السلف أو الأسلاف، مصطلح إسلامي يشير إلى المسلمين الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام.
أما مصطلح السلف الصالح فهو تعبير يقصد به المسلمون الأوائل من الصحابة والتابعين وتابعيهم على اعتبار أنهم القدوة الصالحة.
نشأت مدارس إسلامية تدعو إلى اتباع نهج السلف الصالح في كل شؤون الحياة من مأكل وملبس ومعاملة وطريقة حياة، وتدعو إلى محاربة الجديد في الدين على أنه بدعة. اتباع هذه المدارس ميزوا في البدعة، كون البدعة كتعريف: هي الأمر المستحدث والذي لم يكن من قبل. ولهذا فإن البدع التي ليس لها علاقة بالدين مباحة، كصنع السيارة والطائرة وغيرها، أما البدع التي كان السلف يحذر منها، فهي بدع تخص الشريعة الإسلامية وليس الدنيوية. والسلفيون أو السلفية هم الذين يعتقدون معتقد السلف الصالح وينتهجون منهجه في فهم الكتاب والسنة وتطبيقهما.
والمذهب أو المعتقد السلفي، هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم وأئمة الدين ممن شهد لهم بالإمامة وعرف عظيم شأنهم. ومن هؤلاء الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة: الحنفية، المالكية، الشافعية والحنبلية.
تعتبر السلفية أحد التيارات الإسلامية العقائدية في مقابل الفرق الإسلامية الأخرى، وهي تمثل مدرسة من المدارس الفكرية الحركية السنية التي تهدف إلى إصلاح أنظمة الحكم والمجتمع والحياة عمومًا بما يتوافق مع النظام الشرعي الإسلامي بحسب ما يرونه. وقد برزت السلفية بمصطلحها هذا على يد الشيخ أحمد ابن تيمية في القرن الثامن الهجري (1263 – 1328م)، وقام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1703 – 1791م) بإحياء هذا المصطلح من جديد في منطقة نجد – الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري, وكانت الحركة الوهابية التي أسسها من أبرز مراجع هذه المدرسة في العصر الحديث.

في البعد التاريخي للسلفية
يعتقد البعض بأن السلفية ما هي إلا امتداد لمدرسة أهل الحديث والأثر الذين برزوا في القرن الثالث الهجري في مواجهة «المعتزلة» في العصر العباسي بقيادة أحمد بن حنبل أحد أئمة السنّة الأربعة.
في القرن الرابع الهجري ظهرت جماعة من أهل الحديث تنسب آرائها لابن حنبل في إثبات بعض صفات لله بدعوى أن الله أثبتها لنفسه في القرآن والسنة. ثم أقر هذا الرأي كمنهج رسمي للدولة العباسية 433 هـ (1042م) في زمن الخليفة القادر بالله.
شهدت السلفية بعد ذلك انحسارًا شعبيًا وسياسيًا ملحوظًا بعد انقسام الفقهاء الإسلاميين وأهل الحديث إلى حنابلة وأشعرية.
بعيد سقوط بغداد عاصمة الدولة العباسية في منتصف القرن السابع الهجري (656 هجرية- 1258م) على ايدي المغول ظهر ابن تيمية (1263 – 1328م) الذي عمل على إحياء الفكر السلفي وقام بشن حملة على من اعتبرهم أهل البدع، وأفتى بهدر دم بعض الطوائف اللبنانية في جبل لبنان والشمال (شيعة وموارنة) لأسباب سياسية، وحرض المماليك على شن حروب عليهم استمرت من العام 1292 وحتى العام 1305حتى شرّدهم من بلادهم.
انحسرت السلفية مرة أخرى، لتعاود الظهور من جديد في القرن الثامن عشر الميلادي متمثلة في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1703 – 1791) في شبه الجزيرة العربية، والتي تبناها الامير محمد بن سعود الملقب بالإمام، في سعيه لبناء دولة في شبه الجزيرة العربية. أحدثت هذه الدعوة بلبلة واسعة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولغطًا كبيرًا بين مؤيديها ومعارضيها. وفي العام 1760 اعلنت الدولة السعودية الوهابية الأولى وعاصمتها الدرعية، وبقيت الدرعية عاصمة للدولة السعودية حتى سقطت العام 1818 على يدي إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر، الذي وجَّه حملات متعددة إلى وسط الجزيرة العربية، وبدعم من الدولة العثمانية، بسبب بعض الممارسات الدينية التي تمثلت بهدم الأضرحة والمقامات في مكة والمدينة، والنجف، من قبل معتنقي المذهب الوهابي من أتباع إبن سعود، والتي أثارت ضجة في العالم الإسلامي وهددت شعائر الحج ومواسمه. وقد استطاعت هذه الحملات الوصول إلى الدرعية عاصمة الدولة وتدميرها بعد معارك عديدة.

السلفية الجهادية
برز مصطلح السلفية الجهادية في ثمانينيات القرن العشرين عند الرموز الأساسيين الذين يحملون لواء هذا الخط الفكري ويمثلونه على أعلى مستوى تنظيري، مثل أبو محمد المقدسي، عبد القادر عبد العزيز، أبو قتادة الفلسطيني، أبو مصعب السوري، أيمن الظواهري. ويرى البعض أن صياغاته النظرية الأولى قد تمت في مصر في الستينيات على يدي سيد قطب بعد انقلابه الفكري المعروف في العهد الناصري، ابتداء من العام 1957، في ظل مسارات الصراع بين الإخوان المسلمين والرئيس جمال عبد الناصر، وبفعل تأثير كتابات أبي الأعلى المودودي، وبخاصة كتابيه «المصطلحات الأربعة في القرآن»، و«الجاهلية».
ومن ناحية أخرى ساهم عبد الله عزام أثناء وجوده في أفغانستان في التأصيل لبعض الأساسيات الفكرية التي تقوم عليها السلفية الجهادية، ويعتبر الدكتور رضوان السيد (مؤرخ اسلامي معاصر) أن عزام هو أول من استخدم هذا المصطلح (1987) بهدف توحيد صفوف السلفيين العرب وغير العرب في أفغانستان عشية خروج السوفيات منها.

تعريف الجهادية التكفيرية (الفرقة الناجية)
تعرف السلفية الجهادية بأنها تيار أيديولوجي ومشروع تحمله جماعات تكفيرية حركية مناهضة بشكل مطلق لكل ما هو قائم من أنظمة اجتماعية وسلطات سياسية وثقافية سائدة وعلاقات دولية. وهي أيديولوجية تشكل الصيغة الأكثر جذرية لتقسيم البشرية على أساس ديني، وتقدم في الوقت ذاته الصيغة الأكثر جذرية لتسييس الدين، وتتعامل معه كإيديولوجيا صدامية لا تقف عند هدف استعادة النظام السياسي الإسلامي في فضائه التاريخي الجغرافي المعروف، وإنما تتجاوزه إلى الجهاد ضد «الطاغوت» و«الجاهلية» (اي الذين يحكمون بالضلالات) في كل مكان من الكرة الأرضية، والعمل على إقامة دولة «خلافة عالمية»، أي حكم الإسلام للعالم باكمله.
شكّل التيار السلفي المعتنق أفكار هذه المدرسة، الجناح الثالث من أجنحة الصحوة الإسلامية في السبعينيات التي جمعته مع تيارين آخرين، الأول «إخواني» ذو طابع أزهري والثاني» شيعي» اثنا عشري. وعلى الرغم من قوة التيار المستمدة من سعة انتشاره إلا أنه فشل في تحقيق ما نجح فيه التيار الشيعي، وهو التحول إلى ثورة شعبية تمخضت عن إقامة نظام يمثل مبادىء التيار ومشروعه (ايران).
على عكس الإخوان المسلمين الذين استمروا على نهجهم في التغيير متعاطين مع العمل السياسي ولعبة الديمقراطية، فقد تعرض التيار السلفي للإنقسام الفكري والتنظيمي بحيث نشأت اتجاهات سلفية متعددة اختلفت في ما بينها حول الموقف من قضايا فكرية كـ «الحاكمية» و»الجاهلية» والجهاد والعمل السياسي والموقف من الحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسائل أخرى، وكان من نتائج هذا الانقسام أن نشأ التيار السلفي الجهادي.
كانت نشأة السلفية الجهادية بمثابة خروج عن الخط السلفي التقليدي الذي التزمه أصحابه السعوديون منذ أن قضى عبد العزيز آل سعود على تمرد حركة «إخوان من أطاع الله»، ولعل ما يؤكد ذلك تصريحات وزير الداخلية السعودي في العام 2002 حيث اعتبر أن جميع مشكلات السعودية هي من إفرازات الإخوان المسلمين. فقد أدى تأثر بعض السلفيين المصريين في سبعينيات القرن الماضي بآراء سيد قطب وأبي الأعلى المودودي وكتاباتهما، إلى نشوء فكر سلفي جديد تأطر تنظيميًا في عدة جماعات أهمها «جماعة الجهاد» التي كان منظرها الدكتور أيمن الظواهري.
انتقل هذا الفكر إلى ساحة الجهاد الأفغاني واكتملت معالمه بدخول عبد الله عزام على الخط منظّرًا لفكرة الجهاد كأهم فرض من «فروض العين»، وهي التي كان المصري محمد عبد السلام فرج قد أشار إلى أهميتها في كتابه الشهير «الفريضة الغائبة».
بانتهاء التجربة الأفغانية كانت تلك الجماعات قد اكتسبت خبرة قتالية عالية وبرزت منها قيادات على مستوى عالٍ من الخبرة، وجدت في بؤر التوتر في العالم الإسلامي كالبوسنة، والشيشان، وغيرهما متنفسًا جهاديًا تنشط من خلاله وتكتسب مزيدًا من الأنصار.
بين 1990 و1991 شكلت أزمة الخليج والحرب التي حصلت فيه، نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا الخط الفكري حيث برز في البداية كتعبير عن الهزة العنيفة التي تعرض لها الحقل الديني في المملكة العربية السعودية نتيجة القرار الذي اتخذه الملك فهد بن عبد العزيز (آب 1990م) باستقدام قوات أجنبية (قوات التحالف) لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي والدفاع عن المملكة في حال أقدم العراق على اجتياحها.
وضع هذا القرار النظام الحاكم في السعودية في مأزق مع هذه الجماعة، وأثار إشكالية دينية مزدوجة لا يمكن الاستهانة بها في بيئة ثقافية تحكمها ذهنية أصولية. هذه الإشكالية تتمثل في مدى شرعية استعانة دولة مسلمة (السعودية) بدولة «كافرة» (الولايات المتحدة الأمريكية) لقتال دولة مسلمة (العراق). وتتمثل من جهة ثانية في مدى شرعية تواجد قوات عسكرية أجنبية لأول مرة في تاريخ الإسلام على أرض جزيرة العرب.
حددت هذه الإشكالية لحظة البروز الأولى للسلفية الجهادية في التسعينيات كخط فكري يقوم على مواقف ومقولات محددة مرتبطة بسياقات صراع النفوذ في منطقة الخليج وعليها. بعد ذلك توسعت مشاريعها وانتشرت أفكارها ومقولاتها في كل أنحاء العالم بسبب ارتباطها العضوي بتجربة تنظيم القاعدة. وكان أسامة بن لادن أحد المعارضين للتدخل الاميركي وموقف السعودية منه ممثل هذا الخط الشرعي، حيث استند إلى منظومته الفكرية الصدامية لتأطير مسارات المواجهة التي بدأها منذ منتصف التسعينيات، سواء مع نظم الحكم القائمة في البلدان العربية والإسلامية، «العدو القريب»، أو مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من الدول الغربية، «العدو البعيد». وكانت لحظة الذروة تفجيرات 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية وما تلاها من تفاعلات دولية ما تزال تردداتها تتوالى في المنطقة والعالم حتى اليوم.

مبادئ الفكر السلفي التكفيري
– الحاكمية: المبدأ الأول الذي يمثل جوهرة القلادة في الفكر السلفي هو مبدأ «الحاكمية لله»، ويعني أن تكون مرجعية التشريع الوحيدة في الدستور والقوانين هي الشريعة الإسلامية. فأي إضافة أو إباحة للأخذ من مرجعية أخرى بجانب الشريعة الإسلامية تعتبر «شركًا وكفرًا» بالله الخالق.
– الولاء والبراء: مبدأ «الولاء والبراء» يعني أن تكون الدولة قائمة على أساس إسلامي ديني وليس شعوبي قومي، وتتبنى الإسلام في سياستها الداخلية. وفي السياسة الخارجية، هدفها إقامة دولة إسلامية عالمية قوية، معادية للأنظمة غير الشرعية (وفق النظام الشرعي من وجهة النظر الفقهية السلفية إما أن تكون الدولة، إسلامية تحكم بالشريعة أو ذمية تدفع الجزية أو معاهدة)، وتحميل الناس واجب البراءة من الحكام الكافرين وأعوانهم، ومن قوانينهم الوضعية، بما فيها الاشتراكية والديموقراطية وسائر كفرهم، وإظهار العداوة لهم.
– جهاد الأنظمة: أي «الجهاد ضد الأنظمة» غير الشرعية، وبخاصة الأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية، والجهاد ضد الدول المحتلة، والدول الداعمة للاحتلال، والأنظمة العميلة. وقد شكل إعلان جاهلية المجتمعات المعاصرة المقدمة في تكفير الحكام، والتنظير الشرعي لخلعهم وتغيير أنظمتهم، أما الخلع والتغيير وفق فقه السلفية الجهادية فلا يكونان إلا قتالًا.

آراء في الفكر السلفي الجهادي
يرى البعض أن هذه الأفكار تتفق مع الخصائص التي تجعل من الطرح السلفي الجهادي خطًا فكريًا مفارقًا لسواه من الخطوط الفكرية التي تتحرك ضمن التيار السلفي ذاته. فيلاحظ أن ما يميز السلفية الجهادية عن غيرها من السلفيات ليس إعلانها جاهلية المجتمعات المعاصرة كلها وليس ادعاءها كفرانية النظم التي لا تحكم بما أنزل الله، بل إعلانها الصريح أن الجهاد المسلح سبيل أوحد للتغيير. لذلك هي ترفض أي طريق آخر لإقامة نظام الخلافة الإسلامية كالدخول في البرلمانات أو التربية والتثقيف والثورة الجماهيرية السلمية أو إشاعة الوعي الإسلامي.
وينظر آخرون إلى مصطلح السلفية الجهادية على أنه مصطلح جديد كل الجدة وفريد في المحتوى حين يعبر مضمونه عن إجمالي التيارات الجهادية التي غدت تؤمن بالإسلام العالمي المقاتل. أما الجدة في هذا الطرح فتكمن في أن الجهاد لم يعد يعبر عن محتوى أيديولوجي ذي نزعة تنظيمية قطرية محدودة، بقدر ما بات يقدم على أنه عبادة وفريضة بمعزل عن إمكان تطبيقها على جميع الأمة الإسلامية.

اسباب تفشي الظاهرة
تطرح علامات استفهام وتعجّب عديدة حول سرعة تفشي هذه الظاهرة، التي يرى البعض أنها استفادت لتنفيذ مشروعها السياسي، من اللحظة التاريخية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي (1991) وما تلاه من حروب السيطرة الغربية في المنطقة، وفشل الدول العربية الإسلامية، أو تواطؤها، بعد ترنح مشروعها القومي والعلماني في اقامة انظمة حكم عادلة، والصراع على النفوذ والثروات والموارد والسلطة…
أمّا البعض الآخر فيعتقد أن الحركات الجهادية السلفية هي إحدى ادوات الصراع الدولي وصناعته، وأحد منتجات العولمة السياسية والاقتصادية وشركاتها العابرة للحدود. بعضها انقلب على صانعه انتقامًا، والبعض الآخر يباع أو يستأجر، بالاضافة إلى من يستثمر لتحقيق اهداف بعض الدول الإقليمية ومصالحها، وسياسات بعض الدول الكبرى العاملة على ضرب الاسلام بنفسه، ومن داخله، عبر مكوناته الإتنية والمذهبية والعقائدية، وذلك بتفجير صراع طويل يستنفد طاقات المنطقة وامكاناتها ومواردها المادية والبشرية ويعيدها إلى عصور الجاهلية ويفقدها هويتها القومية أو الدينية. وبالتالي تغيير الانظمة المعارضة واسقاطها لاستبدالها بأنظمة اكثر طواعية، لرؤية الدول الكبرى لمستقبل العالم في القرن الحالي.
إن تفتيت المنطقة إلى كيانات طائفية ومذهبية تتصارع في ما بينها يؤمن لهذه الدول التدخل في شؤون المنطقة، ويتيح لها الهيمنة والوصول إلى موارد الطاقة واسواق الاستهلاك بطريقة سلسة ورخيصة، لإنعاش اقتصاداتها المتعثرة وأسواقها المالية من خلال بيع الاسلحة ومنتوجاتها المختلفة. كما أنه يؤمن التبرير العقائدي والاستقرار الأمني للكيان الاسرائيلي، بما يعزز حججه ومطالبته بأن يكون دولة اليهود في العالم.

كيف نواجه الظاهرة؟
إن معرفة اسباب تكوّن هذه الظاهرة، وفهم بنيتها العقائدية، وسلوكها الفكري وخطها السياسي وعملها العسكري وممارساتها العدوانية والإلغائية واللإنسانية ضد كل من لا يوافق رأيها ومشروعها، على مسرح بعض دول الاقليم من ليبيا إلى مصر والعراق إلى سوريا ولبنان وما يحيط بها وحتى مختلف دول العالم، قد يؤدي الى تصور استراتيجي يسهم في تكوين فضاء معرفي لمشروع مواجهة متعدد الابعاد يقف بوجه المشروع الجهادي التكفيري. فكيف يكون ذلك؟
في البداية لا بد من توحيد النظرة الفكرية والدولية للظاهرة والاتفاق على التوصيف والمصطلحات.
وذلك باعتبار أن هذه الظاهرة واقعية وقائمة بحد ذاتها كما هي، ومن دون اعطائها توصيفات العمالة والارتباط هنا وهناك، أو الاعتبار أنها وجدت ردًا على مشروع مذهبي آخر. وهنا من المفترض أن تتوافق جميع الدول في رؤيتها وتوصيفها وتحديدها للمشكلة وكيفية مواجهتها وفق استراتيجية واحدة ومن دون اقصاء أحد.
إن مواجهة هذا المشروع التكفيري تفرض وضع استراتيجيات قريبة، ومتوسطة، وبعيدة المدى، واستخدام «وسائل صلبة» وأخرى «ناعمة».

• الوسائل الصلبة:
– الوسائل العسكرية والأمنية المباشرة في التصدي لكل عمل عسكري تقوم به المجموعات الارهابية التكفيرية وردعها عبر استخدام انواع الاسلحة المختلفة.
– التحري الدائم وجمع المعلومات ومراقبة كل فرد يمت بصلة مباشرة أو غير مباشرة إلى هذه المجموعات، على أن توضع جميع الأجهزة الأمنية تحت قيادة واحدة وتعمل بتنسيق مستمر. إن دعم الجيش والاجهزة الأمنية بالعناصر البشرية والأجهزة والمعدات القتالية الحديثة، وتدريبها على القتال ضد العصابات والإرهاب، سيعزز من نجاعة المواجهة مع المشروع التكفيري، ويشكل حلًا غير مباشر، ويعالج بعض الأسباب التي تدفع بالشباب إلى الإرتماء في أحضان التيار التكفيري.
وفي إطار الوسائل الصلبة غير المباشرة، ينبغي:
– القيام بعمليات أمنية وعسكرية استباقية لمنع اي عمل ارهابي وضرب الخلايا النائمة والتجمعات المحتملة التي تخطط للقيام بعمل عسكري أو ارهابي.
– تفعيل وإثارة الروح الوطنية في صفوف الشعب وتدريبه ليقف بقوة مع الجيش للدفاع عن الوطن، والمجتمع والتنديد بالروح الانهزامية أو التبريرية والمصالح الخاصة عند بعض السياسيين.

• الوسائل الناعمة:
– تجفيف منابع الفكر السلفي الهدام المستند على مغالطات تاريخية وفكرية مشبوهة، وفتح الحوار الفكري والحضاري بين التيارات الدينية والمذهبية والسياسية المتناحرة وإرساء فضاء توافقي لتخفيف حدة الصراعات الداخلية، وإيجاد أرضية صلبة للتلاقي تحرم المشروع التكفيري من البيئات الحاضنة التي تدعم الجماعات الارهابية وتحميها.
– تجفيف مصادر التمويل والدعم (الاشخاص والدول وغيرهم) فلم يكن لهذا المشروع التكفيري أن يتبلور ويتجسد بقواه المادية والعسكرية على ارض الواقع لو لم يتأمن له ما يكفي من الدعم المالي واللوجستي والمعدات العسكرية الكبيرة والمتطورة على مستوى الدول.
إن من ابسط بديهيات العمل لتحجيم الفعل التكفيري والوقوف بوجه هذا المشروع هو وقف دعم الجماعات التكفيرية الارهابية من قبل بعض الهيئات أو الجمعيات أو الدول بالمال والسلاح والرجال، ورفع الغطاء السياسي والدعم الاجنبي لها.
كذلك من الضروري أن تلتزم بعض الدول الشفافية السياسية وتمتنع عن تقديم التسهيلات السياسية والأمنية والإعلامية لبعض هذه الجماعات.
– ضبط (أو وقف) بعض المحطات التلفزيونية والاذاعية والفضائيات، وبخاصة تلك التي تحرّض على الفتنة والقتل والتفرقة تحت عناوين مختلفة. وتوجيه الوسائل الاعلامية نحو بث ما يجمع ويقدم الصورة السمحة والحقيقية للدين، وإحياء التراث الاسلامي الصحيح ونشر المصادر والمراجع الإسلامية المتفق عليها عند كبار العلماء.
– إقامة مؤتمرات وندوات للتقريب بين المذاهب الاسلامية المختلفة على مستوى القمة في العالم الاسلامي، من الأزهر إلى مكة، ومن قم إلى النجف، ومن دمشق إلى اسطنبول. وفتح باب الحوار بين التيارات الدينية المختلفة على مستويات عليا من المرجعيات الفقهية والعلمائية، لشرح الأصول والفروع وغيرها وإثبات بطلان، ولا عقلانية أو شرعية الفكر التكفيري، وعدم استناده إلى واقع موضوعي أو معطى ديني، وافتقاره إلى أي بعد ثقافي، انساني، أو ايماني، فهو فكر مشبوه (مشوَّه ومشوِّه)، ودخيل على الإسلام.
– السعي إلى خلق قيادة إسلامية جامعة وواحدة تعيد الفكر الاسلامي إلى منابعه الأصيلة وتمحو صفحات المذاهب والبدع وتحصرها ضمن حوار الأفكار العلمائية والنخبوية الثقافية فقط. وفي الحقيقة يحتاج العالم الاسلامي إلى ثورة فكرية على المستوى النظري تعيده إلى المسار الطبيعي الذي رسمه القرآن والنبي، وتزيل الشوائب والأدران والاهواء والعصبيات التي علقت به خلال صيروته التاريخية البشرية. ثورة تعيده إلى أصالته وسمو رسالته، تأخذ من الماضي ما ينفع الحاضر ويتوافق مع المستقبل في اعلاء صوت العقل الذي يدل الانسان إلى الطريق الصحيح، لأن الأديان إنما وجدت لخدمة الانسان وليس العكس.
– خلق فرص عمل للشباب العاطل عن العمل، فالبطالة المتفشية في اوساط الشباب وتفاوت نسبة الفرص بين دولة واخرى في المنطقة، أو بين منطقة وأخرى في الوطن الواحد، تدفع بعضهم إلى الارتماء في احضان إغراء بعض هذه الجماعات رغبة في الارتزاق والكسب السريع.
– تفعيل التربية على المواطنية والواجبات، فالانسان كائن اجتماعي يتأثر بالبيئة وبالمجتمع الذي يعيش فيه، لذلك على الدول أن تضع في استراتيجياتها خططًا لتأهيل ابنائها اجتماعيًا ووطنيًا واخلاقيًا، بما يخدم المثل العليا في الحياة ويرفع من قيمة الإنسان. ومن هنا ضرورة التدريب على بناء مواطنين يعرفون حقوقهم وواجباتهم في مجتمع يكون الدين فيه خيارًا إيمانيًا وسلوكيًا حرًا لهم، وليس سلوكًا مفروضًا في تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، فتلك الامور تعود إلى الدولة كناظم ومسؤول عن ادارة شؤونهم الحياتية.
– عدم زج الدين في آليات السياسة والسلطة والحكم في الدولة بشكل مباشر، فاستخدام الأديان والمذاهب في الصراعات الداخلية لأهداف سياسية أو مصلحية، أو إدارية وزجِّها في آليات عمل الدولة، أدى ويؤدي إلى اصطفافات اجتماعية وسياسية ومذهبية ودينية تؤثر على حسن أداء الدولة كمؤسسة جامعة وعادلة، وتأخذها إلى الإنهيار. وبالتالي فإن المجتمع ينحو إلى التفكك، ما يفتح الباب واسعًا لدخول التيارات المتطرفة التي تستغل هذه الثغرات لتعشش وتنمو وتشكل خطرًا كامنًا أو مباشرًا على الدولة والمجتمع. لذلك من المفترض بالسياسيين أن يبتعدوا في خطابهم وممارساتهم عن الخطاب الديني والمذهبي الذي يفرق، وأن يركزوا فقط على البعد الوطني والإجتماعي والحزبي السياسي الذي يجمع.
أما «الوسائل الناعمة» غير المباشرة فتتمثل بـ:
– إقامة أنظمة حكم رشيدة وديموقراطية، فالأديان تدل على الطريق السليم في الحياة، ولكنها لا تحرم الانسان حريته، أو تستعبده. وطبيعة الاجتماع البشري اليوم وبعد التطور الهائل في مختلف ميادين المعرفة والفكر والعلم ونظريات الدولة والسلطة والحرية وتجاربهما، باتت تفرض على هذا الانسان أن يختار الطريقة المناسبة لتنظيم شؤونه الاجتماعية والحياتية وإدارتها عبر المؤسسات المختلفة، والتي تعتبر الدولة الحديثة احدى أهم تجلياتها العملية، والاداة الفضلى لتأمين الحقوق وفرض الواجبات مع مراعاة مبادىء المساواة والعدل والحرية للفرد.
إن إقامة أنظمة حكم رشيدة تؤمن العدل والحرية والمساواة بين ابنائها وتحفظ حقوق الإنسان هي أنجع الطرق لتلافي وجود هذه الجماعات. والمطلوب أنظمة حكم تعامل الناس كمواطنين وليس كرعايا، ودول تحترم فيها الديموقراطية بمضمونها ومعناها وليس بشكلها ومظهرها.
– تنمية المناطق الفقيرة، إذ تشير معظم الدراسات إلى أن الفقر هو عامل أساس وفاعل في تكوين هذه الجماعات، وهو العمود الفقري في بنيتها العسكرية البشرية. فالحاجة تدفع الكثيرين إلى التفتيش عن وسيلة للعيش.
إن المناطق الفقيرة تشكل خزانًا يرفد الارهاب بالعناصر البشرية ويشكل بالتالي بيئة حاضنة له، أو منطلقًا لأعمال تخل بأمن الناس والدولة، لذلك فإن وضع خطط من قبل الدولة لتنمية هذه البؤر، يحصنها ضد تدخلات الآخرين وإغراءاتهم المادية.
– التعليم والتوعية، الجهل آفة اجتماعية قاتلة واذا أضيفت إلى الفقر والبطالة والظلم، تنتج الإجرام بأشكاله المتنوعة وتحت عناوين مختلفة. واذا عرفنا أن نحو ربع سكان العالم العربي، وكذلك أكثر من ربع سكان العالم، هم من الأميين والفقراء، أدركنا حجم المشكلة.
إن تأمين التعليم الإلزامي والمستمر للجميع، والإناث قبل الذكور، في المجتمعات العربية والاسلامية وغيرها، سيشكل حلًا متقدمًا يجنب مستقبل الأجيال القادمة من آفات كثيرة. كذلك فإن انتهاج سياسات تربوية وتعليمية ودينية لخلق جيل قادر على التحليل والمناقشة استنادًا إلى العقل والمنطق والواقع، وليس ارتكازًا على العصبية والعواطف والافكار المسبقة، سيتيح لهذه المجتمعات القدرة على التفكير والمحاكمة العقلية بدلًا من الارتماء الأعمى في أحضان العصبيات المذهبية والإملاءات الدينية المعلبة والمغلقة التي تولد الأفكار المظلمة والإرهاب.

خلاصة
وجدت الأديان لخدمة الإنسان ورفع قيمته ومعناه في هذه الحياة، ودعت إلى مكارم الأخلاق والرحمة والمحبة، لتحسين حياته الشخصية وتمتين علاقته بالآخر المختلف عبر التعرف إليه وحواره، تحقيقًا للاهداف الالهية والدينية النبيلة.
لقد أرست الأديان عبر عقود طويلة قواعد سلوك وقيمًا رفيعة، واجتازت مراحل الصراع في داخلها، أو في ما بينها، ومازالت موجودة لتذكر الإنسان بهذه القيم، ولكنها في المقابل حثته على استخدام العقل الذي منحه إياه الله ليساعده في تخطي مصاعب الحياة، وكوسيلة للتعامل بين البشر، واداة معرفية لتقريب الانسان من أخيه الانسان، ولمعرفة الله.
إن حركة الأفكار في التاريخ وصيرورتها تدل أن الفكر المنغلق على فئة قليلة، تتوسل العنف للوصول إلى اهدافها لا يعيش طويلا. والفكر السلفي التكفيري الحالي يحمل بذور فنائه في داخله، وأكبر دليل على ذلك الاسلام ذاته وتاريخه. فلو كان الاسلام عند ظهوره كما يدعي التكفيريون أو كما يفكرون ويمارسون اليوم، لما انتشرت الرسالة وعاشت طوال هذه المدة. كما أن معظم مسلمي اليوم في العالم يرفضون هذا الفكر التكفيري «المسيس للدين» وممارساته الدموية، ويعتبرونه من مخلفات العصور الظلامية والجاهلية فهو يتوسل بعض النصوص الدينية الإشكالية أو المزيفة أو الدخيلة على الدين والسنة النبوية. كما أنه يتوسل بعض الفتاوى القديمة التي تحتاج إلى تحقيق وتدقيق ومرجعيات مؤهلة وصحيحة، وهي فتاوى أطلقها أو يطلقها بعض رجال الدين رغبة في جاه أو طمعًا في مال أو تزلفًا لحاكم، لتحقيق أهداف سياسية وسلطوية مشبوهة. وبالتالي فهي مرتبطة بمصالح البعض وستزول بزوال هذه السياسات أو المصالح أو إفشالها. ومن هنا بدأت الدعوات ترتفع لوضع الخطط والستراتيجيات للوقوف بوجه هذا المشروع الذي يشوه صورة الإسلام الحقيقي، الاسلام الداعي إلى الرحمة والمحبة.
إن مواجهة المشروع التكفيري تقوم على ضرب الأسس التي قام عليها وهي:
تفكيك الفكر السلفي المتعصب المنغلق بالانفتاح على الآخر المختلف والحوار الديني العقلاني الحر، وتجفيف منابع الدعم التي يتغذى منها ماديًا وسياسيًا واجتماعيًا وبشريًا.

المراجع:
– ar.wikipedia.org/wiki سلفية.
– ar.wikipedia.org/wiki سلفية_جهادية.
– مجلة الدفاع الوطني – العدد 63 تاريخ 1-1-2008: السلفية الجهادية أو الفرقة الناجية، د. عبد الغني عماد.

*عميد متقاعد / “مجلة الجيش”