الرئيسية / ثقافة ومعرفة / الحوثيون.. الحقيقة العسكرية ومصادر الدعم
-إيران1-e1443624791652

الحوثيون.. الحقيقة العسكرية ومصادر الدعم

الحوثيون أو جماعة الحوثي ربما هي المفردة الأكثر تداولاً إعلامياً بعد مفردة داعش ومن قبلها القاعدة على مدى الأشهر القليلة الماضية، وعلى مدى العشر سنوات الماضية أيضاً، منذ تفجر أول مواجهات عسكرية بين هذه الجماعة وقوات حكومية يمنية في يونيو- سبتمبر 2004 والتي انتهت بمقتل زعيم الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.
لكن الأمر الخطير في مسار هذه الجماعة هو هذا التحول الكبير الذي حول هذه الجماعة من شأن محلي داخلي يمني بحت إلى شأن إقليمي ودولي يتعاظم كل يوم بفعل ديناميكيات هذه الحركة واستراتيجية الممول والمحرك لها ممثلاً بإيران.
ففي ليلة 26 مارس الماضي شنت ما عُرفت بقوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية حرباً جوية على هذه الجماعة، وأحدث هذا الموقف السعودي تجاه جماعة الحوثي وحليفها علي عبد الله صالح، من خلال هذه الحرب تحولاً كبيراً في سياسات المنطقة التقليدية وأعادت رسم حدود جديدة للأصدقاء والأعداء والحلفاء في هذه المنطقة الأكثر اشتعالاً وفوضى.
ولكن قبل هذا كله، ينبغي لنا أولاً معرفة من هم جماعة الحوثي؟ وما هي أفكارهم ومعتقداتهم ومصادر القوة ونقاط الضعف لديهم؟ وهل هم بهذه القوة فعلاً أم في الأمر شيء من التسطيح والاشتغال الإعلامي الدعائي؟ هذا ما ستحاول هذه الورقة الإجابة عنه راصدةً أفكارهم وقدراتهم العسكرية والمالية ومصادر التمويل وخارطة التواجد والانتشار، لعل ذلك يسهم في تقديم صورة أكثر واقعية وموضوعية عن جماعة تحولت فجأة إلى مفردة هي الأكثر تداولاً إعلامياً.
سنقوم في هذه الورقة برصد خارطتهم الداخلية بين حوثيين عقائديين ومناصرين وحلفاء وأتباع ومرتزقة أيضاً، وسنقوم بالتعريف بأبرز قياداتهم الميدانية والسياسية، وسنحاول الإجابة على التساؤلات التالية: ما هي طبيعة العلاقة التي باتت تربط جماعة الحوثي بإيران وكل من الرئيس السابق علي عبد الله صالح؟ وما الحجم الحقيقي لقوتهم العسكرية؟

أولاً: النشأة والفكرة

من هم الحوثيون؟

يقدم الحوثيون اليوم أنفسهم على أنهم لب الزيدية وممثليها الرسميين، وهي الحقيقة التي لا ينبغي تخطيها في الحديث عن جماعة الحوثي، باعتبارها جماعة دينية انبثقت من داخل إطار المذهب الزيدي في اليمن وتُنسب إلى مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي.
لم تعد زيدية الجماعة الحوثية قضية جدلية بحاجة لإثباتها، فهذا المرجع الفكري الكبير للجماعة والشقيق الأكبر لمؤسس الجماعة، محمد بدر الدين الحوثي، يقول: نحن لب الزيدية عقيدة وفكراً وثقافةً وسلوكاً، إلا أن التفسير الجديد لزيدية هذه الجماعة ينطلق من قولهم أن الزيدية تنتسب للإمام زيد بن علي بن الحسين انتساباً حركياً وليس فقهياً.
وبالنظر إلى تفاصيل البدايات التأسيسية للحوثية، لن يفوت الباحث حقيقة أن الحوثية ليست سوى النسخة الأخيرة والمعاصرة للزيدية التاريخية، التي ناقشتها هذه الدراسة باستفاضة واسعة، فضلاً عن أن أحد أهداف هذه الدراسة هو التتبع التاريخي لصيرورة هذه الفكرة “الطائفية السياسية” ومدى تفاعلاتها الراهنة مع ما تشهده المنطقة من تحولات جيوسياسية كبيرة.
فمما لا يمكن تجاهله هنا، هو الحديث عن التحولات التي عاشتها هذه الجماعة منذ لحظة التأسيس الأولى وحتى هذه اللحظة، فبحسب أحد كُتابها، تُعد جماعة الحوثي امتداداً للإحيائية الزيدية، التي بدأت نشاطها على يد مجموعة من علماء الزيدية منذ ثمانيات القرن الماضي بإحياء تعاليم مذهبهم الزيدي وتدريسه للنشئ، كردة فعل على المد السلفي في محافظة صعدة، كرسي الزيدية، كما يصفونها.
ومع بدايات تسعينات القرن الماضي، وإعلان الجمهورية اليمنية وتبنيها للنظام الديمقراطي كنظام للحكم، وما رافق ذلك، من حرية التعدد الفكري والثقافي والإعلامي، قرر مجموعة من علماء الزيدية وناشطيها السياسيين، تأسيس حزب الحق، كجناح سياسي إسلامي بمرجعية المذهب الزيدي، وكان من أهم مؤسسيه رئيسه المرجع الزيدي مجد الدين المؤيدي ونائبه بدر الدين الحوثي.
فشل حزب الحق في أول انتخابات تنافسية ديمقراطية، حيث لم يحصل سوى على مقعدين برلمانيين من دائرتين انتخابيتين في محافظة صعدة، من أصل 301 مقعد من مقاعد البرلمان اليمني، فاز بالمقعدين كل من حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس جماعة الحوثي، ورفيقه عبد الله عيضة الرزامي.
بيد أنه، تزامن مع تأسيس الزيدية السياسية لحزب الحق، تأسيسهم لمنتدى الشباب المؤمن كجماعة أو جناح تربوي فكري وثقافي، حيث كان في مقدمة مؤسسيه، محمد يحيي سالم عزان، وعبد الكريم جدبان ومحمد بدر الدين الحوثي، وأحمد الرازحي وصالح هبرة.
يذهب البعض للقول، أن تجربة حزب الحق، بالنسبة لحسين بدر الدين – مؤسس الجماعة – لم تكن سوى تجربة عابرة ربما كان يدرك مسبقاً نتائجها، لذلك قرر مبكراً الاستقالة من الحزب، ومن عضوية البرلمان اليمني كممثل لحزب الحق، مع رفيقه عبد الله الرزامي، واعتزالهما للعمل السياسي.
وهكذا قرر حسين الحوثي ممارسة نشاط آخر، من خلال انضمامه إلى عضوية منتدى الشباب المؤمن – و لم يكن من مؤسسيه – حيث بادر حسين الحوثي، بكل قوة إلى فرض وجهة نظره الخاصة على سير أنشطة المنتدى، وهو التصرف الذي أدى إلى انقسام المنتدى إلى قسمين، قسم يتبع حسين الحوثي وهو الذي بات اليوم يُعرف بجماعة الحوثي، والآخر يتبع محمد يحيي سالم عزان، وهو الذي جمد نشاطه حتى هذه اللحظة كجزء من تداعيات حروب صعدة.
خاضت جماعة حسين الحوثي، ستة حروب رسمية مع الجيش اليمني، وعشرات الحروب مع قبائل يمنية في صعدة وعمران والجوف، وزادت شهوة الحرب لدى الجماعة بعد الإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح من قبل ثورة 11 فبراير السلمية، التي انضمت جماعة الحوثي لصفوفها منذ البداية، لكنها فجأة عاودت ترتيب أوراقها للتحالف مع الرئيس المخلوع صالح باعتباره جزءا من المركزية الزيدية الحاكمة.
والسبب الرئيسي لهذا التوجه في التحول من أعداء إلى حلفاء للرئيس السابق، متعلق بأساس المشكلة الكامنة في طائفية هذه الجماعة، التي ترى أن صعود رئيس جديد خلفاً لصالح وهو نائبه الرئيس عبد ربه منصور هادي، القادم من خارج إطار الزيدية، جغرافيةً ومذهباً، يُعد بالنسبة لهذه الجماعة، مشكلة عقائدية كبيرة وهي بمثابة اختبار لمدى إيمانهم بمعتقداتهم تلك من عدمه.

خارطة المفاهيم والأفكار

وبما أن الحوثية هي بمثابة طبعة أخيرة للزيدية فينبغي أن نركز على دراسة الحالة الحوثية في سياقها الفكري والمنهجي والثقافي التي قدمت نفسها فيه، وهي الزيدية مذهباً ومعتقداً لها، وهذا بالتالي يدفعنا ويحتم علينا كباحثين التركيز أيضاً على ضرورة الفصل بين المسار السياسي للجماعة الذي يتسم بالمراوغة والخداع، والفكرة العقائدية التي تنطلق منها كمرجعية وهي الفكرة الزيدية السياسية.
ففي جانبها العقائدي، لا تنفصل جماعة الحوثي عن المرجعية الزيدية التاريخية وخاصة فيما يتعلق بموضوع الإمامة والبطنين كمرتكزات رئيسية يقوم عليها المذهب الزيدي مضافاً إليها البعد الجديد في مسألة الأصولية المتطرفة التي يقصد منها الإحيائية والعودة للأصول الأولى للمذهب مع محاولة استحداث أفكار راديكالية وربطها بالجذور الراديكالية الأولى.
فالحوثية فكرة لا تنفصل عن جذرها الزيدي، وخاصة فيما يتعلق بالأصول السياسية للنظرية الحاكمة وفقاً للمذهبية الزيدية التي تؤصل وتعلي من قيمة سلالة بعينها من الناس، باعتبارهم أصحاب حق إلهي في حكم الناس وهو ما يطلق عليه لديهم بـ”البطنيين” كشرط رئيسي في مسألة الإمامة وهو ما يعني أحقية كل من تناسل من ذرية الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب في الحكم والسلطة الدينية الإفتائية والدنيوية السياسة.
وترتكز على هذه الأفكار جملة أحكام ومتعلقات شرعية مؤصلة عندهم، فيما يتعلق برؤيتهم للمخالف لهم ورؤيتهم للدولة والمجتمع وعلاقتهم بمحيطهم المحلي والإقليمي والدولي.
وبالتالي بات لزاماً القول إن الحديث عن أن الجماعة الحوثية هي جماعة شيعية إثنا عشرية، لا أساس له من الصحة، بالنظر إلى التباينات الكثيرة بين الفكرتين منهجياً وعقائدياً، لكن لا يعني هذا أنه لا تلاقي بينهم، بالعكس سياسياً تمكنت إيران من احتواء كل الجماعات الشيعية الأخرى من نصيرية وزيدية وإلى حد ما إسماعيلية رغم حدة الخلاف العقائدي بينهما.

الإطار التنظيمي للجماعة

الجماعة الحوثية قطعاً، ليست بكيان تنظيمي دقيق التنظيم ولا ترتكز على رؤية تنظيمية دقيقة وصارمة يخضع أفرادها لالتزام تنظيمي صارم كما هو الحال مثلاً في الكيانات التنظيمية السنية المماثلة، كتنظيمات الإخوان المسلمين أو الشيعية كحزب الله اللبناني أو حزب الدعوة العراقي.
ومن هذا المنطلق ربما ظهرت الجماعة مقرونة بإسم مؤسسها منذ بداية ظهورها بإسم جماعة الحوثي، والتصق بها هذا الاسم حتى اللحظة رغم محاولة الجماعة منذ دخولها أو قبول انضمامها لمؤتمر الحوار الوطني الذي أجري في اليمن عقب ثورة 11 فبراير 2011 لتغييره، مستغلةً فرصة الانضمام هذه بالتحول من جماعة متمردة إلى كيان شرعي معترف به محلياً وإقليمياً ودولياً تحت مسمى “أنصار الله”.
وحاول الحوثيون أن يعمموا تسميتهم الجديدة هذه بقوة وكانوا يستنكرون وصفهم بالحوثيين ويشددون على أنهم جماعة بمسمى أنصار الله، وهي تسمية تنم أيضاً عن محاولة الخروج من قالب جماعة تابعة لفرد إلى جماعة تمتلك فكرة متكاملة، وهي أيضاً بعض التحسينات التي أجريت في هذا الإطار لمحاولة فرض واقع جديد من قبل هذه الجماعة مختلف عما كان قبل ثورة 11 فبراير 2011.
لكن المتابع لمسار هذا التحول يلاحظ أن مثل هذا التوجه الجديد للجماعة اقتصر فقط على محاولة الظهور ككيان فكري حركي ممتد داخل أجزاء كبيرة من مكونات المجتمع اليمني، بعد أن ظلت الجماعة محصورة على نطاقها الجغرافي الصغير في محافظة صعدة، شمال اليمن، لكن هذه المحاولة لم تضفي جديداً بخصوص المسار التنظيمي للجماعة.
بعض المراقبين لمسار هذه الجماعة قالواَ إن هذا التحول في التسمية صحبه بعض المحاولات الأخرى فيما يتعلق بالمسار التنظيمي، وقالوا إن هناك محولات تتم في هذا الخصوص من قبيل تقسيم صفوف الجماعة إلى وحدات تنظيمية غير متداخلة كالحديث عن جناح سياسي وجناح عسكري وجناح تربوي وجناح إعلامي وجناح اجتماعي وجناح رياضي.
مثل هذا التوجه يفسره أيضاً تلك المحاولات من خلال إعلاناتها وبناراتها التي لوحظت على فعاليات الجماعة التي بدأت تظهر بقوة بعد أحداث سقوط العاصمة صنعاء في 21 أيلول/ سبتمبر من خلال الشعارات التي كانت تظهر في اللافتات التي رفعت في كل فعاليات الجماعة.
فكان على سبيل المثال، تقام فعاليات من قبيل الاحتفال بالعشرة طلاب الأوائل في الجمهورية لسنة 2013، وكانت اللافتات بالشوارع تحت مسمى أنصار الله القسم التربوي، وكذا في الاحتفالات الرياضية كاستقبال المنتخب اليمني العائد من دورة كأس الخليج 22 وكانت لافتة الاستقبال تحت اسم أنصار الله القسم الرياضي.
لكن هذا ليس دليلا كافياً يمكن الاعتماد عليه كدليل بوجود تنظيم دقيق من خلال هذه الدلالة بقدر ما يعكس هذا التوجه حالة تشتت وعدم وضوح الرؤية لدى الجماعة وأنها وجدت نفسها فجأة في موقع لم تكن تتوقعه يوماً، وبهذه السرعة وهي في قمة هرم إدارة الدولة والمجتمع ولكنها عاجزة كل العجز في إدارته بهذه الطريقة البدائية التي لا تنبئ عن حالة تنظيمية دقيقة قدمت منها الجماعة.
بيد أنه، لا يمنع مثل هذا القول أن هناك حالة تنظيمية ضيقة تدخل فيها الارتباط الخارجي للحركة بإيران وقواها في المنطقة كحزب الله وحزب الدعوة الشيعي في العراق، وهما حزبان شيعيان مرتبطان بإيران ومخابراتها، وخاصة حزب الله اللبناني الذي يُعد الممسك الحقيقي بملف الحوثيين باليمن والمكلف بهم تسليحا وتنظيما وتدريباً.
باعتقادي إن وجدت حالة تنظيمية فهي في دائرة ضيقة لا تتعدى قيادة الصف الثاني والثالث من الجماعة، وفيما عدا ذلك فأعتقد أنه يقوم على أساس التبعية الجماهيرية والتحشيد المذهبي والمناطقي مستغلين بذلك أيضاً حالة الفقر في تجنيد الأنصار والمؤيدين.

ثانياً: مصادر الدعم وحجم القوة العسكرية

مصادر تمويلها الرئيسية

بالنسبة للجانب التمويلي لجماعة الحوثي فلا شك أن هناك بعض الضبابية فيما يتعلق بمعلومات مصادر التمويل للجماعة كما هي حالة كل جماعة مسلحة يكتنف مصادر تمويلها الغموض والتستر بدايةً، لكن مثل هذا التكتم لا يظل طويلاً في ظل ما تعكسه ممارسات هذه الجماعة على المستوى السياسي أو العسكري والتي تجلت بوضوح بعد ثورة 11 فبراير 2011.
فطوال المرحلة الممتدة منذ الحرب الأولى بين هذه الجماعة والحكومة اليمنية في عام 2004، وحتى قيام ثورة فبراير 2011، حيث كان هناك كثير من الغموض وعدم اليقين فيما يتعلق بمصادر تمويل الجماعة بدقة، وأما بعد ثورة 11 فبراير فقد بدا الأمر واضحاً وجلياً على أكثر من صعيد بخصوص الدعم والتمويل الإيراني بشقيه الرسمي وغير الرسمي.
ولكن الدعم الإيراني هو الأخر ليس كل شيء بالنسبة لدعم الجماعة، حيث أن لها مصادر دخل وتمويل خاص بها، وهي مصادر تعتمدها الجماعة ضمن معتقداتها الدينية والمذهبية كالخُمس مثلاً ومصادر أخرى متعلقة بالوظيفة الطبيعية التي تفرضها ظروف الحرب وتداعياتها تلك التي تسمى باقتصاد الحرب بكل تفاصيلها من السلاح والمخدرات والتهريب وكل ما له علاقة باقتصاديات الحرب.
فعلى سبيل المثال، تقع محافظة صعدة على الحدود الجنوبية للملكة العربية السعودية والمملكة وكل دول الخليج هدف مغري لكل تجار المخدرات في العالم، ولا طريق لمرور هذه المخدرات من أفغانستان وإيران إلى الخليج سوى اليمن التي تمتلك حدود طويلة جداً مع دول الخليج وهذا ما خلق وظيفة تسهيل عبور هذه المخدرات للمملكة تحديداً وعبر منافذ محافظة صعدة اليمنية على وجه التحديد.
أما عن المصادر الأخرى شبه الرسمية فهي مصادر التمويل الشيعية وهي على مستويين، الأول يتعلق بالتمويل شبه الرسمي وهو في حدود ضيقة جداً كونه يأتي على شكل دعم لوجيستي كالتدريب أو التأهيل للكوادر السياسية والإعلامية والعسكرية أيضاً وهذا يتم أيضاً بطريقة شبه رسمية ولكن عن طريق حزب الله اللبناني الذي يتولى الإشراف على هذه المهمة والتي يتولاها أبو مصطفى المسؤول عن الملف اليمني في حزب الله.
أما المستوى الثاني من التمويل وهو الذي يتم عن طريق الحوزات الدينية والمراجع الشيعية في كل من دول الخليج بدرجة رئيسة كالبحرين والكويت والسعودية فالإمارات وعمان وقطر أيضاً، وهذا الدعم يمثل أهم مصادر التمويل لجماعة الحوثي بعد الدعم الذاتي للجماعة مما يُسمى بالخمس وغيره.

جناحها العسكري وقياداته

الحديث عن جماعة مسلحة منذ اللحظة التأسيسية الأولى لانطلاقها يُصعب كثيراً موضوع البحث داخل بنية الجماعة عن تعدد أجنحة وتبايناتها حسب وظيفة هذه المجموعة أو تلك في إطار كتلة واحدة متماهية من الأشخاص، تؤدي أدواراً متشابهة ومتطابقة، أي أن الحديث عن جناح مسلح وآخر مدني وآخر سياسي فيه الكثير من عدم الموضوعية في ظل جماعة أيدلوجية مقاتلة كجماعة الحوثي.
صحيح أن هناك مسميات نلاحظها إعلامياً في بنية الجماعة كالمجلس السياسي الذي ظهر بعد دخول الجماعة مؤتمر الحوار الوطني وحتى اللحظة، لكن مثل هذه التسميات أثبتت الأحداث عدم واقعيتها فيما يتعلق بالقرار النهائي للجماعة ومدى ارتباط ذلك القرار بشخص عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة ومرشدها الروحي بعد مقتل المؤسس حسين بدر الدين الحوثي في الجولة الأولى من الحرب 2004.
ومن هنا يصبح من الصعوبة بمكان، الحديث عن وجود جناح عسكري مستقل بالقرار العسكري بعيداً عن القرار المركزي للجماعة ممثلاً بزعيمها عبد الملك الحوثي، أي أن الجناح العسكري الذي كثر الحديث عنه من قبل وسائل الإعلام وإبراز شخصياته أبو علي الحاكم أو عبد الله علي الحاكم، كقائد لهذا الجناح فيه الكثير من الخلط وعدم الدقة، بالنظر إلى حقائق تقول بأن قرار الجماعة سلماً أو حرباً مرتبط بيد السيد عبد الملك الحوثي ومن خلفه أخيه الأصغر عبد الخالق الحوثي.
لكن ما يهمنا هنا ليس مستويات صناعة القرار داخل بنية الجماعة بقدر ما يهمنا وجود جناح عسكري بقيادات مختلفة تتوزع حسب الانتشار الجغرافي للجماعة، كقيادة في صنعاء وأخرى في الحديدة وأخرى في تعز، وهكذا.
بيد أن مثل هذا التشكيل للجناح العسكري، يقوم أيضاً على مستويين، الأول هو المستوى الذي تظهر به الجماعة أمام الإعلام أو الناس في مناطقهم، حيث يظهر هناك قائد للحوثيين فيما في الحقيقة يوجد هناك مستوى آخر للقيادة وهو المستوى المرتبط مباشرة بعبد الملك الحوثي.
لكن لا يخفى عن الباحث المتابع، وجود ما أطلق عليه بجيش الحسين، أو كتائب الحسين، وهذه الكتائب هي نواة قوات المليشيات الحوثية المدربة تدريباً عالياً من قبل الحرس الثوري الإيراني وخبرائه وقد تم تدريب هذه الكتائب على مرحلتين، المرحلة الأولى تدريب القيادات العليا والوسطية خلال عامي 2011 و2012، في كل من لبنان ودمشق وطهران، والمرحلة الثانية من التدريب تمت في معسكرات صعدة التابعة للجماعة وشارك في التدريب والإعداد كوادر عسكرية من حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني أيضاً.
ويرى بعض المحليين أن مثل هذه الكتائب تم تدريبها في معسكرات تدريب بإريتريا وربما شرق السودان، ولكن من المؤكد أن معسكرات التدريب الإرتيرية كانت إحدى محطات التدريب لهذه الغرض.
أما الجانب الآخر من قوة الحوثي، فهي تعتمد منذ البداية على حلفائها القبليين في المناطق التي سيطرت عليها الجماعة بمساعدة حلفاء الرئيس صالح القبليين والقوات العسكرية الموالية له، وكذا القبليين الذين دخلوا بتحالف مع جماعة الحوثي أيضاً كبعض قبائل همدان بن زيد بصعدة وبعض أفخاذ قبيلة بكيل بعمران وصنعاء.
وأما عن قوام قوات المليشيات الحوثية الحقيقية فهي بحسب بعض التقديرات تتراوح ما بين العشرة إلى الخمسة عشر ألف مقاتل، فيما بقية قواته فهي مقاتلين قبليين، مضافاً إليه مؤخراً القوات النظامية أو الحرس الجمهوري الذين يدينون بالولاء للرئيس السابق صالح.
فضلاً عن ذلك، كان للجماعة امتداد لما يسمى بالمشروع الإمامي في اليمن والذي ظل كامناً داخل أجهزة الدولة اليمنية منذ المصالحة الوطنية عام 1970 والتي عاد بموجبها معظم القاعدة والكوادر الإمامية لممارسة مهامها ضمن أجهزة الدولة اليمنية ذات النظام الجمهوري، وتمكنوا من تشكيل لوبيات كبيرة في هذه المؤسسات حيث احتكرت التجنيد والترقية والتدريب والتوظيف في كثير من هذا المؤسسات.

مصادر تسليح جماعة الحوثي

باعتقادي مسألة السلاح بالنسبة لجماعة الحوثي، ليست من الغموض بمكان، فهي واضحة جداً، بالنظر إلى الواقع اليمني.
أما فيما يتعلق بالتسليح فهناك ثلاثة مصادر للتسليح اعتمدت عليها جماعة الحوثي منذ البداية، المصدر الأول هو التسليح الذاتي في بداية المعارك، حيث كانت أسلحة الحوثيين هي ما تمتلكه القبائل في اليمن عادة، إيه كيه-47 وقنابل يدوية وآر بي جي وعقب كل حرب، كان الحوثيون يحصلون على مزيد من الأسلحة المذكورة آنفا بالإضافة إلى إم 2 بروانينغ وبنادق عديمة الارتداد وإم252 وجي 3 ومضادات خفيفة للطائرات والتي عدلها المقاتلون الحوثيون لاستخدامها ضد الدبابات والمدرعات على الأرض، وعدد من إم-113 وتي-55 وهي مصفحة تصفيحا خفيفاً.
أما المصدر الثاني للسلاح، فلا شك أن طول أمد المواجهات على مدى ست جولات من الصراع من 2004 وحتى اللحظة، أدى إلى وجود مصادر تسليح مختلفة منها ما هو قائم على سوق السلاح المحلي والذي يتوافر بكثرة في اليمن، أو اعتماداً على الداعم والممول الإقليمي كإيران مباشرة كما حصل في سفينة جيهان الأولى والثانية أو عن طريق حزب الله اللبناني، وارتباطاته المختلفة في المنطقة.
لكن الأخطر من هذا، هو ما كشفه تقرير سري أخير للجنة العقوبات المتعلقة بالأزمة اليمنية والتابعة للأمم المتحدة، ففي تقريرها الأخير كشفت اللجنة عن تورط إيراني مباشر في التسليح لجماعة الحوثي منذ عام 2009.
وبالإضافة إلى “جيهان”، حدد الخبراء خمس حالات قامت خلالها سفن إيرانية بنقل أسلحة إلى اليمن.
وقال التقرير، إنه في أبريل 2009 قام طاقم سفينة إيرانية مجهولة بنقل صناديق أسلحة في المياه الدولية إلى مراكب يمنية، ثم تم نقل الصناديق إلى مزرعة في اليمن لاستخدامها من قبل الحوثيين.
ووفقا للتقرير أيضا، في فبراير 2011 تم ضبط مركب صيد إيراني من قبل السلطات اليمنية أثناء قيامه بنقل 900 صاروخ مضاد للدبابات والطائرات صنعوا في إيران وكان متجهاً للحوثيين.
أما بالنسبة للمصدر الثالث للسلاح، فقد مثل التحول الأخير فيما يتعلق بالتحالف بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح وجماعة الحوثي واحدة من أهم مصادر التمويل للجماعة التي تم دعمها بالسلاح وتدريب أفرادها على استخدامه من قبل ضباط الحرس الجمهوري، الموالي للرئيس السابق علي عبد الله صالح.
فبموجب هذا التحالف تمكنت الجماعة في يونيو 2014من إسقاط اللواء 310 بقيادة العميد حميد القشيبي بعمران الذي يعتبر من أقوى ألوية الجيش اليمني والسيطرة على كامل سلاحه الثقيل والتي تم استخدامها في إسقاط صنعاء لاحقاً في 21 سبتمبر 2014.
وبدخول صنعاء واستيلاء جماعة الحوثي على عدد من معسكرات الدولة ومخازنها فقد أصبحت الجماعة تمتلك سلاح الدولة اليمنية الذي قال عنه حينها الدكتور عبد الكريم الإرياني: إن جماعة الحوثي تمتلك سلاحاً يتفوق على سلاح الدولة اليمنية، حينها، وذلك قبيل الانقلاب النهائي للجماعة على الرئيس هادي وحكومته في 20 يناير 2015 وأما الآن فقد أصبحت الجماعة بمثابة السلطة الحاكمة وبيدها مقاليد كل شيء في اليمن مع حليفها بالانقلاب الرئيس السابق علي عبد الله صالح وهذا يعني أن أكثر من 70% من سلاح الجيش اليمني بات تحت سيطرتهم وخاصة السلاح الثقيل.

ثالثاً: تقاطع المصالح

علاقة الحوثيين بالرئيس صالح

قد ينظر المتابع من بعيد للتحالف القائم بين الحوثي والرئيس السابق علي عبد الله صالح أنه زواج مصلحة لن يستمر طويلاً، لكن المتابع عن قرب يدرك عمق هذا التحالف وحالة التماهي بين الطرفين، بالنظر إلى أنهما يريان أن ثورة 11 فبراير كانت بمثابة ثورة شعبية عملت على إخراج اليمن من تحت سيطرة ونفوذ مركز الهضبة الزيدية الحاكمة بتفرعها القبلي ممثلاً بالرئيس صالح والمذهبي ممثلاً بجماعة الحوثي.
وسياسياً أيضاً مثل هذا القول بزواج المصلحة بين صالح والحوثي، فيه جزء كبير من الصحة، لكن تطورات المشهد بهذا الشكل الدراماتيكي أثبت متانة هذا التحالف، وقدرته على الصمود في ظل حالة المواجهة والحرب التي يشنها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ضد هذا التحالف المناطقي المذهبي.
فبعد 6 جولات من الصراع بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح وهذه الجماعة بين الفترة الممتدة من 2004 وحتى 2010، يدخل الطرفان في تحالف متين ومثير بالنظر إلى الحروب السابقة.
لكن بالنظر إلى خلفية هذا الصراع، فإن التحالف الأخير بين صالح والحوثي لم يكن وليد اللحظة وإنما كان تحالفاً بدأ مع بدء نشأة هذه الجماعة في بداية تسعينيات القرن الماضي، حينما دعم صالح هذه الجماعة ليعادل بها جماعة الإخوان وكذا الجماعة السلفية بصعدة.
عدا عن ذلك، وهذا هو الأهم، فقد بادر صالح مبكراً لهذا التحالف لضرب الجنرال علي محسن الأحمر، الذي كان يرى فيه صالح حجر عثرة أمام مشروع التوريث الذي كان ينوي القيام به لصالح نجله الجنرال أحمد علي عبد الله صالح.
وكان أحمد علي عبد الله صالح، يقوم بتشكيل هذا التحالف عملياً من خلال مؤسسة الجيش وخاصة في قوات النخبة التي كانت تسمى بالحرس الجمهورية والقوات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب، والتي كان محصور دخولها سوى على أبناء المناطق الزيدية، وهي مناطق صنعاء وذمار وعمران وصعدة.
لم يقف التحالف عند هذا الحد، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فيما يتعلق بالقيادات الكبيرة التي كانت جلها مقربة من جماعة الهاشمية السياسية التي تمثلها اليوم جماعة الحوثي، فقد كان هناك عدد من قيادات قوات النخبة من تنتمي عقائدياً لجماعة الحوثي، وتدين في ذات الوقت بالولاء للرئيس صالح ونجله أحمد.

الوجه الخفي للحوثية

يحتار البعض كثيراً فيما يتعلق بجماعة الحوثي وهذا الانتصار الذي قد يبدو أنه تحقق على سادس جيش عربي، وهو الجيش اليمني، غير مدركين لحقيقة عمق الأزمة اليمنية الراهنة وجذورها التاريخية والاجتماعية والمذهبية.

فالحوثية ليست سوى الطبعة شبه الأخيرة من الزيدية السياسية التي أسسها الإمام الهادي يحيي بن الحسين الرسي في منتصف القرن الهجري الثالث، باعتبارها نظرية سياسية بحته.
وظلت تحكم شمال اليمن وتحديداً شمال الشمال أي صعدة وما جاورها ما يقارب 11 قرناً، وظلت هذه الفكرة حاكمة في كثير من الأوقات كانت تتوارى وتضمحل حتى تتوارى خلف أسوار مدينة صعدة وأحياناً أخرى تتمدد لتصل إلى مشارف الهضبة الجبلية إلى جبل سمارة كفاصل بين اليمن الأعلى واليمن الأسفل بحسب التوصيف الطبقي للزيدية السياسية لليمن.
وبعد ثورة 26 سبتمبر 1962 والتي اشتعل على إثرها حرباً أهلية طاحنة بين الثوار الجمهوريين والإماميين، وانتهت بما عرف بالمصالحة الوطنية براعية المملكة العربية السعودية، وحينها كان من ضمن شروط تلك المصالحة اقتسام السلطة مع بقاء النظام الحاكم جمهورياً وعودة الملكيين إلى اليمن كشركاء في السلطة.
بيد أن، الذي حدث كان خطيراً جداً، حيث أن عودة الملكيين كان يعني أنهم هم الحاكمين للبلاد ولكن هذه المرة تحت شعار الجمهورية وليس الملكية، وهو الذي أدى إلى ما نحن فيه الآن، حيث تمكن الإماميون من كل أجهزة الدولة بحكم أنهم كانوا قبلها مؤهلين ولو قراءة وكتابة فضلاً عن أن عدداً منهم كانوا قد حازوا تعليماً متقدماً بعكس رفاقهم من الجمهوريين الذين كانوا عبارة عن نخبة عسكرية قليلة العدد.
وهكذا عاد الإماميون لإدارة الدولة اليمنية التي أجهضوها وحاولوا من خلال مؤسساتها احتكارها لفصيلهم وقد استطاعوا فعل ذلك، وخاصة فيما يتعلق بأجهزتها الإدارية المهمة كالأمن والجيش والقوات المسلحة والمخابرات والخارجية والتعليم العالي وغيرها من المؤسسات المختلفة.
والأخطر من هذا كله، هو الاشتغال الذي تم من قبلهم حتى على مستوى منظمات المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية وغيرها، فقد تمكنوا من بناء لوبي كبيرة مكنهم من اختراق الكثير من هذه المنظمات الدولية، ومحاولة تسخيرها نحو مشروعهم الخاص القاضي باستعادة حكم اليمن من جديد، وهو ما اندفعوا لتحقيقه بقوة منذ ثورة 11 فبراير وحتى اللحظة.
فقد تمكنوا أيضاً، من بناء شبكة علاقات استطاعوا من خلالها اختراق الكثير من الأحزاب اليمنية كالمؤتمر الشعبي العام وكذا الحزب الاشتراكي اليمني ومعظم الأحزاب الفاعلة، وأوصلوا قيادات منهم إلى مراكز صناعة القرار في هذه الأحزاب بحيث تمكنوا من تسخير قراراتها السياسية لمصلحة مشروعهم الإمامي.

علاقة الحوثيين بإيران

لا شك أن الإيرانيين عملوا بكل طاقتهم لانتهاز أي فرصة ثمينة يمكنهم من خلالها النفوذ والتواجد في أي بقعة عربية، والتي يساعدهم في تواجدهم ذلك هو انعدام بل وغياب استراتيجية عربية واضحة المعالم تجاه الخطر الإيراني وغيره من المخاطر المحدقة بالبلدان العربية.
وغياب مثل تلك الاستراتيجية وخاصة لدى شركاء الجغرافيا والعرق والمذهب والمصير، في الخليج، كان عاملاً رئيسياً للتمدد والحضور الإيراني في ظل التواطؤ الأمريكي الواضح في الأمر مثلما حصل في الحالة العراقية، التي سُلم الأمر فيها للإيرانيين على طبق من ذهب.
أما قبيل قيام الثورة الإيرانية عام 1979، إبان الحرب الجمهورية الملكية، في ستينيات القرن الماضي، وقف الشاه محمد رضا بهلوي إلى جانب الملكيين من بيت حميد الدين، آخر أئمة اليمن الزيدية، وبعد الثورة الإسلامية الإيرانية، وقفت اليمن إلى جانب الرئيس العراقي صدام حسين وساندته عسكرياً خلال مرحلة حرب الثمانينات العراقية الإيرانية (1980-1988).
بيد أنه، في تلك المرحلة بالذات، كانت قد بدأت أولى المحاولات الإيرانية للتواجد في اليمن من خلال بعض الأنشطة، حيث مر نشاطها على الساحة اليمنية بعدة مراحل، ففي أوائل ثمانينيات القرن الماضي استطاعت السفارة الإيرانية في صنعاء أن تتواصل مع بعض الشباب اليمني، وأمدتهم ببعض المطبوعات، فأقاموا أنشطةً ذات طابع دعوي سياسي، تعرضوا على إثرها للسجن والملاحقة من قبل الدولة، التي كانت ضمن المعسكر العربي مع العراق ضد إيران.
وبعدها في احتفالات الذكرى الثامنة للثورة الإيرانية عام 1986م، تمكنت السفارة الإيرانية من دعوة بعض الشخصيات الدينية والقبلية للمشاركة في احتفالات «عشرية الفجر»، وهنالك أَعجب المشاركونَ بما شاهدوا من نشاط ديني وثقافي، وحركة جماهيرية وأخذوا يفكرون في كيفية نقل ما أمكن من شكل التجربة إلى اليمن، مع تغيير في المحتوى الفكري.
وبالفعل مثلت تلك المحاولات، بداية عمليات ما يسمى بتصدير الثورة الإيرانية بحسب أدبياتها الداعية إلى ذلك، لكن الملاحظ أن تلك الأنشطة الإيرانية كانت محدودة التأثير وتتم في حالة من السرية نظراً لكون تلك المرحلة كانت تشهد حرباً طاحنة بين إيران والعراق.
وحينها كانت اليمن شريكاً للعراق في تلك الحرب، حيث أرسلت اليمن ما يقارب عشرة ألوية عسكرية لدعم الجيش العراقي، بحسب تصريح للرئيس السابق علي عبد الله صالح لقناة العربية، وبتالي كانت العلاقات اليمنية الإيرانية في أسوأ حالاتها.
ومع ذلك فإن مبدأ تصدير الثورة الذي بدأت برفعه جمهورية الخميني الإسلامية مبكرا، لم يكن له أي تأثير على المستوى الشعبي باستثناء بعض النخب «الشيعية» مما دفع بالإيرانيين إلى وضع استراتيجية خاصة لتصدير ثورتهم وذلك باستقطاب طلاب يمنيين للدراسة في الجامعات والحوازات والحسينيات الإيرانية في طهران ودمشق وبيروت على حد سواء طوال فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.
ومع ذلك لم تنجح إيران في تخليق الحالة المذهبية بالنسخة الاثنى عشرية التي كانت تعمل من أجلها، وذلك لأسباب عدة، منها حالة العداء بين اليمن وإيران على خلفية الموقف اليمني من الحرب مع العراق، ومن تلك الأسباب أيضاً، حالة التباين الكبير تاريخيا في بعض القضايا، بين الحالتين الشيعيتين الزيدية والاثنى عشرية.
لكن تبقى الفرصة الإيرانية الأكثر نجاحاً في تحقيق قائمة أهدافها في اليمن والمنطقة وهي المرحلة التي تلت إعلان قيام الوحدة اليمنية في مايو 1990، وما رافق هذا الإعلان من تحولات سياسية وثقافية على الساحة اليمنية حيث تم تبني النظام الديمقراطي للجمهورية الوليدة، مما يعني حرية التعددية السياسية والثقافية التي سهل للمشروع الإيراني النفوذ من خلالها.
وبالفعل مثلت الفترة بين 1994 وحتى 2004، مرحلة مفصلية للحضور الإيراني، حيث كانت العلاقات اليمنية الإيرانية على مستوى جيد، تمكن الإيرانيون خلالها من التبشير المذهبي بشكل كبير، بواسطة كوادر شيعية عراقية من أعضاء حزب الدعوة العراقي، ممن كانوا مقيمين في اليمن تحت ذريعة النزوح جراء الحصار الأممي المضروب على العراق حينها.
وكان ذلك التبشير على محورين، الأول التبشير بالاثنى عشرية، وكانت نتائجه غير مشجعة، فيما المحور الثاني وهو الأهم وذلك بإقامة علاقة جيدة مع رموز الزيدية الشيعية، التي أثمرت بعد ذلك ما بات يعرف بالظاهرة «الحوثية».
ومع ذلك، فإن الدور الإيراني لم يكن العامل الرئيسي في بروز جماعة الحوثي وظهورها على المشهد السياسي اليمني، بالنظر إلى جملة من العوامل الذاتية الأخرى والتي يأتي في مقدمتها الوجود التاريخي للفكرة الزيدية، كفكرة “سياسية” ملهمة ومحفزة لدى أتباعها من “الهاشميين” تكمن طويلاً وتعاود بالظهور فجأةً كلما توافرت لها الظروف وتهيأت لها الأجواء والأسباب.

رابعاً: الحوثيون وعاصفة الحزم

حوثيو ما بعد عاصفة الحزم

لا شك أن عاصفة الحزم، التي انطلقت بتحالف عربي عشري بقيادة المملكة العربية السعودية ضد الانقلاب الحوثي وحليفهم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، يمثل المتغير الجديد الذي قد يغير خارطة التوجهات السياسية والتحالفات في المنطقة كلها.
ولما كانت جماعة الحوثي بمثابة الهدف المركزي لعاصفة الحزم، مستهدفةً تقليم أظافرها وإعادتهم إلى حجمهم الطبيعي كجماعة صغيرة لا تمثل غير نفسها، فكان طبيعياً أن تمضي الأمور بهذا الشكل من الضرب الجوي مستهدفاً كل ما له علاقة بهذه الجماعة وحليفها الرئيس السابق صالح، وتركيز العاصفة أيضاً على ضرب القدرة العسكرية للجماعة وخاصة تلك القدرات التي تتعلق بمصانع الذخيرة ومراكز القيادة والسيطرة التي استولوا عليها في صنعاء أو تلك التي بنتها لهم إيران بصعدة.
بيد أن، سقوط صنعاء بيد الحوثيين، كان بمثابة التحول الكبير للجماعة من حيث الإمكانيات من مجرد جماعة متمردة تمتلك كمية بسيطة من السلاح، إلى جماعة تمتلك إمكانيات الدولة وترسانتها من السلاح، حيث كانوا في كل معسكر يتم السيطرة عليه يقومون بنهب كل ما فيه ونقله إلى صعدة، وبتالي كان تركيز عاصفة قيادة عاصفة الحزم واضح لتدمير مثل هذه القدرات التسليحية.
وهذا يحيلنا بدوره إلى البدايات الأولى للهدف الأول لعاصفة الحزم التي بعد شهر تم تسميتها بإعادة الأمل، فقد كان واضحاً تماماً أمام الجميع أن الهدف من عاصفة الحزم هو استعادة الشرعية المنقلب عليها، وعودة الجميع إلى طاولة التفاوض باعتبار الحل لن يكون إلا حلاً سياسياً.
بات أكثر وضوحاً اليوم لدى الجميع أيضاً أن جماعة الحوثي في ظل تجربتها الطويلة حرباً وسلماً وميلها للحرب أكثر من السلام، فإنها ستقود المجتمع كله إلى ما يشبه الفوضى والاقتتال الأهلي كما هو الحال في العراق وسوريا، وكأن السيناريو واحد والمخطط واحد والممول واحد وهي إيران التي لا تسعى من خلال دعم هذه الأقليات الطائفية سوى لضرب النسيج الاجتماعي العربي وإضعافه ليسهل السيطرة عليه وقيادته.
لكن الأخطر اليوم، أنه رغم الضربات القوية التي منيت بها هذه المليشيات لكنها لا تزال تقاتل على مساحة واسعة تمتد على خارطة جغرافية كبيرة خارج إطار ما تعتبره جغرافيتها التاريخية وهي الهضبة الشمالية.
ومن ثم، أعتقد أنه من الأهمية بمكان التركيز على مسألة حسم الهدف المركزي لقوات التحالف وحصر هذا الهدف في استعادة الشرعية والعمل على إنجاح الانتقال السياسي في اليمن، بإيجاد دولة حقيقية ديمقراطية يرضى بها كل اليمنيين، وأن أي توجه إلى مربع الانفصال أو القبول بالحوثي وجماعته كسلطة أمر واقع ومهيمنة على القرار السياسي في اليمن، فإن هذا سيؤدي إلى كوارث سياسية وعسكرية تدخل المنطقة في فوضى عارمة ليست أقل من الفوضى الحالية في كل من سوريا والعراق ولبنان.
ومن ثم ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار أن إعادة بناء الدولة اليمنية تبدأ بصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على المسألة الديمقراطية والدولة المدنية كمبادئ تعلي من حرية الإنسان وتكفل حقوقه وكرامته وحرية إرادته السياسية، وأن المدخل الحقيقي لكل هذا هو الدفع باليمن نحو تنمية اقتصادية شاملة يكون مدخلها هو ضمها إلى مجلس التعاون الخليجي للاستفادة من المخزون البشري الهائل لدى اليمن، والذي لا تنقصه الخبرة والتأهيل، بقدر ما ينقصه نظاما سياسيا مستقرا ومعبرا عن إرادته.
ما لم فإن اليمن ستبقى منطقة خصبة للأفكار المتطرفة سنية أو شيعية، وستبقى مصدر قلق دائم ليس للخليج فحسب بل وللعالم كله بسبب موقعها الجغرافي والجيوسياسي أيضاً.
ولن يتسنى كل هذا إلا بضم جميع الفرقاء السياسيين بما فيهم الحوثيين إلى طاولة حوار متكافئ يطرح فيه كل ما يتعلق بإعادة صياغة اجتماع سياسي جديد يقوم على الشراكة الوطنية والتخلي عن كل ما له صلة بماضي الأفكار الثيوقراطية كالإمامة الزيدية أو غيرها من الأفكار الكهنوتية التي ينبغي تخطيها نحو مستقبل جديد يرتكز على تنمية الإنسان وحريته، باعتبار الحرمان الاجتماعي هو البيئة الرئيسية لنشوء الأفكار المتطرفة.

* مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث