الرئيسية / ثقافة ومعرفة / المغاربة والجهاد البحري ضد الصليبيين
4JIHADE11

المغاربة والجهاد البحري ضد الصليبيين

يكتسي الجهاد البحري أهمية خاصة للفترة موضوع الدراسة، وذلك لأنها فترة شهدت حملات وحروباً شنّها الغرب الأوربي المسيحي على البلاد الإسلامية عرفت في التاريخ العام باسم »الحروب الصليبية«. وقد استمرت هذه الحملات على مدى قرنين من الزمان، ومكنت أوربا من توطيد سيطرتها في العديد من المناطق الإسلامية المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، وخاصة سواحل بلاد الشام والمناطق المجاورة لها، حيث تمكن الفرنجة من تأسيس ثلاث إمارات ومملكة بيت المقدس. وكان لهذه الأحداث أصداء في كل أنحاء العالم الإسلامي، أفرزت ردود فعل عبر عنها بأشكال مختلفة ومتفاوتة الأهمية. وقد سجلت المصادر وجود مشاركة مغربية مكثفة في الجهاد ضد الصليبيين بصفة عامة، والجهاد البحري في الجزء الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وبالبحر الأحمر بصفة خاصة. فما طبيعة هذه المشاركة؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار هذا الوجود المغربي بالمشرق وهذه المشاركة تجسيداً لإرادة سياسية؟

للإجابة على هذين السؤالين، قسمنا هذه المداخلة إلى أربعة عناصر:

ـ مقاربة منهجية.
ـ أسباب وجود المغاربة بمصر والشام.
ـ مكانة المغاربة في نفوس المشارقة.
ـ مظاهر مشاركة المغاربة في الجهاد البحري ضد الصليبيين.

I ـ مقاربة منهجية:

1 ـ المصادر:

شكل موضوع »الحروب الصليبية« مجالاً خصباً لظهور مئات المؤلفات والمقالات. وقد تنوعت هذه الدراسات بتنوع الاتجاهات والموضوعات والزوايا التي نظر منها إلى هذا الحدث، حيث عولجت من زاوية غربية، وكذلك من وجهة نظر شرقية. ولم تكن هذه الدراسات لترى النور لولا وجود مادة مصدرية غزيرة ومتنوعة الأصول والمشارب. وإذا كانت هذه المادة تحتوي على معلومات مهمة بخصوص الأحداث العسكرية والحربية والمعاهدات والاتفاقيات، فقد خلدت كذلك أسماء العديد من الرجال الذين شاركوا في هذه الحروب، وكانت لهم فيها أدوار بارزة، سواء إلى جانب القوات الصليبية أو في صفوف القوات الإسلامية. هذا التنوع في المعلومات لا ينطبق علىموضوع عرضنا، حيث يلاحظ وجود معلومات قليلة من حيث الكم لكنها تبقى مع ذلك مهمة، إلا أنها غير متكافئة في ما بين المصادر المشرقية والمصادر المغربية؛ إذ أنه في الوقت الذي نعثر فيه على بعض الإشارات المتفرقة في المؤلفات المشرقية على اختلاف أجناسها، تكاد المصادر المغربية تخلو ـ حسب علمنا ـ من المعلومات التي تفيد موضوع جهاد المغاربة البحري في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط إبان هذه الفترة؛ الأمر الذي يجعل مهمة الباحث صعبة جداً في التعامل مع هذه الإشارات ذات النظرة الأحادية، ويفسح المجال، في غياب وثائق واضحة وصريحة، للقياس والاستنتاج. وفي هذا الإطار، وأمام ندرة المعلومات، عمدنا إلى استغلال كل الإشارات التي وردت في المصادر والدراسات وحاولنا التنسيق بينها، رغبة في استنتاج بعض الحقائق.
من المصادر التي اعتمدناها لإنجاز بعض عناصر هذه الدراسة نذكر “كتاب الاعتبار” لأسامة بن منقذ (ت 1188 م)، و”الرحلة” لابن جبير الأندلسي (ت 614 هـ/ 1217 م)، وكتاب “الكامل في التاريخ” لابن الأثير (ت 630 هـ/ 1232 م)، و”الروضـتين في أخبـار الدولتـين النوريـة والصلاحيـة” لأبي شامة الدمشقي (ت 665 هـ/ 1268 م)، وكتاب “الذيل على الروضتين” المعروف بـ” تراجم رجال القرنين السادس والسابع” للمؤرخ نفسه، ثم كتاب ” الإلمام بالإعلام لما جرت به الأحكام المقضية في وقعة الإسكندرية ” لمحمد بن القاسم النويري السكندري المالكي (عاش في القرن الثامن الهجري) ([1])، وكتابا “السلوك لمعرفة دول الملوك” و”المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار” لتقي الدين أحمد المقريزي (ت 845 هـ/ 1442 م)، ومصادر أخرى…

2 ـ الدراسات:

يبدو أن قلة المعلومات في المصادر، المغربية على الخصوص، هي التي يمكن أن تفسر قلة اهتمام الباحثين بموضوع مشاركة المغاربة في الجهاد البحري ضد الصليبيين بسواحل بلاد الشام ومصر. ومع أنه لا توجد ـ حسب علمنا ـ دراسة مخصصة لهذا الموضوع، فإن هنالك من الأبحاث والمؤلفات ما أشار إلى بعض عناصره في إطار اهتمامات وانشغالات بقضايا أخرى.
من بين الدراسات نذكر كتاب “تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام”([2]) للسيد عبد العزيز سالم وأحمد مختار العبادي حيث أوردا بعض الإشارات المتعلقة بمشاركة البحريين المغاربة في مهاجمة سفن الصليبين، وبالعناية التي أولاها المشارقة لهؤلاء إبان العهدين الأيوبي والمملوكي. ثم هناك كتاب “الأندلسيون والمغاربة في بلاد الشام من نهاية القرن الخامس وحتى نهاية القرن التاسع الهجري”([3]) لأحمد علي الذي خصص بعض السطور للحديث عن انخراط المغاربة في جيش نور الدين محمود بن زنكي (511 هـ/ 569 هـ) في حربه ضد الفرنجة ببلاد الشام، وعن مسألة الأسرى. ونذكر كذلك كتاب الأستاذ عبد الهادي التازي عن “التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أقدم العصور إلى اليوم”([4]) في عشر مجلدات حيث يبرز في بعض فقراته الدور العسكري والحربي للمغاربة بالمشرق، ويحاول ربط هذا الدور برغبة سياسية مغربية مبنية على التعاون بين المغرب والبلدان المشرقية. لكن إن صح ذلك في فترات معينة من تاريخ علاقات المغرب بهذه البلدان، فإنني أعتقد أنه لا ينطبق على الإطار الزمني الذي رسمته لهذه المداخلة. ثم هناك دراسة لصاحب هذا المقال نشرت في مجلة “المناهل”([5]) سلطت الأضواء على الأثر الواضح الذي تركه المغاربة ـ بالمفهوم الواسع للكلمة ـ بالمشرق في شتى المجالات، ومن بينها المجال العسكري والجهاد ضد الصليبيين([6]).

II ـ أسباب وجود المغاربة بالبلدان المشرقية

في أغلب الحالات وانطلاقاً من المعلومات المتوافرة في كتب التراجم، نستنتج أنه من الصعب تحديد تاريخ مدقق لتوافد المغاربة على المشرق بشكل عام على الرغم من ذكر بعض الرحالة والعلماء والتجار لتواريخ وأسباب رحلاتهم([7])؛ مع ذلك، ليس من العسير إستنتاج أسباب وجودهم بالبلدان المشرقية، وذلك باعتبار الظروف والتطورات التي طرأت على الساحة السياسية بالغرب الإسلامي. ففضلاً عن الرحلات العلمية والدينية، يمكن تلخيص هذه الأسباب في ما يلي:
® سقوط الخلافة الأموية بالأندلس، وظهور ما يسمى في تاريخ هذه المنطقة بـ »دويلات ملوك الطوائف«، ونتائج ذلك على أوضاع الأندلسيين الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
® تعاقب أسر ذات مبادئ إيديولوجية وعقائدية مختلفة على حكم هذه المنـطقة بعد سقوط ملوك الطوائف تتمثل في: دولة المرابطين (485 ـ 541 هـ/ 1092 ـ 1146 م)، ودولة الموحدين (541 ـ 668 هـ/ 1146 ـ 1270 م). هذا التبدل في الدول رافقه تبدل عقائدي، الأمر الذي أضر بمصالح فئة مهمة من الأندلسيين أصبحت معارضة للحكم، وتمخض عنه حروب شبه مستمرة بين الدول الحاكمة والمعارضين تسببت في اضطراب الأوضاع بالأندلس، مما دفع بالكثير إلى الهجرة إلى أقطار أخرى.
® ما تمخض عن حروب الاستردادات (التي انتهت بشكل نهائي في حدود 659 هـ/ 1261 م باستثناء غرناطة 1492 م) من إجراءات قاسية فرضت على كل من أثر البقاء من العرب المسلمين في مدنهم شروطاً بلغت حداً من الإهانة لا يطاق، مما أجبر أعداداً كبيرة من الأندلسيين على النزوح عن أرضهم إلى أقطار عربية إسلامية متعددة([8]).

وفيما يتعلق بالمغرب، تكمن الأسباب في:

® نقل مركز حكم الدولة الفاطمية إلى مصر، وآثار ذلك على النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمنطقة بلاد المغرب (فقدان إفريقية لمكانتها الاقتصادية نتيجة اهتمام الفاطميين بالمشرق ـ التنافس في أمور التبذير بين الولاة الذين تركهم الفاطميون في المهدية وبين أسيادهم في القاهرة، إلخ).
® دخول قبائل بني هلال وبني سليم إلى إفريقية، وما نتج عن ذلك من خراب وتدمير أوقع البلاد في حالة من الفوضى والاضطراب الدائمين.
® الهجوم النورماندي على إفريقية، واستيلاء ملوك صقلية المسيحيين على المهدية وكل المناطق الساحلية.
® بداية تفوق أوربا في الملاحة وانعكاس ذلك على الأحوال الاقتصادية.
® قيام الدولة الموحدية وما ترتب عليه من مضايقة أنصار النظام السابق.
صحيح أن هذه المعطيات التاريخية تلقي الضوء على أسباب وجود المغاربة بمناطق مختلفة من العالم الإسلامي، وتساعد على فهم الإطار العام لهجرتهم ونزوحهم، لكن هنالك أيضاً نصوصاً مباشرة ومعاصرة لفترة موضوعنا تمكننا من فهم بعض أسباب هذا الوجود. فهذا أسامة بن منقذ يذكر أن الفرنجة استولوا، في حدود منتصف القرن السادس الهجري، على مركب كان يقل على متنه حوالي أربعمائة نفس، رجالاً ونساءً، من الحجاج المغاربة وأن المشارقة أولياء الأمور، ومن بينهم أسامة نفسه، عملوا كل ما في وسعهم من أجل افتدائهم من أيدي الصليبيين([9]).
ويخبرنا أبو شامة عن مغاربة أندلسيين قدموا إلى دمشق في سنة 627 هـ بعدما تم افتكاكهم على ساحل الشام من أيدي الفرنجة([10]).
ويفترض كلود كاهن (Claude Cahen) ثلاثة أصول محتملة لوجود المغاربة بالبلاد المشرقية: حجاج ألقى عليهم الفرنجة القبض في طريقهم إلى الحج، أو كان قد طال مقامهم من أجل المشاركة في الجهاد فأسروا، وتجار كان لهم المصير نفسه أو تجار وحجاج أسرهم في البحر القراصنة الصليبيون وباعوهم على سواحل بلاد الشام. هذه الاحتمالات تنسجم مع ما جاء في الإشارات الآنفة الذكر بالرغم من أن كاهن (Cahen) يقر بعدم وجود أمثلة ملموسة تسمح باعتماد فرضية محددة لتفسير هذا الوجود([11]).
على أن من بواعث توافد المغاربة على المشرق، يمكن أن نذكر الرغبة الملحة في المشاركة في الجهاد وتحرير المدن الإسلامية التي سيطر عليها الصليبيون عموماَ، وبيت المقدس على الخصوص([12]).
بعد هذا الجرد للظروف والتطورات التي أسهمت في هجرة المغاربة ونزوحهم من الغرب الإسلامي، سنحاول في عنصر آخر مناقشة أسباب اعتماد الحكام في كل من مصر والشام عليهم في ميدان البحر.

III ـ مكانة البحارة المغاربة في نفوس المشارقة

كان للموقع الجغرافي ولطبيعة المغرب الإسلامي دور بارز في تمرّس المغاربة بأمور البحر. وقد لاحظ ابن خلدون ذلك عندما قال:
والساكنون بسيف هذا البحر (البحر الأبيض المتوسط) وسواحله من عدوتيه يعانون من أحواله ما لا تعانيه أمة من أمم البحار. فقد كانت الروم والإفرنجة والقوط بالعدوة الشمالية من هذا البحر الرومي وكانت أكثر حروبهم ومتاجرهم في السفن فكانوا مهرة في ركوبه والحرب في أساطيله. ولما أسف من أسف منهم إلى ملك العدوة الجنوبية مثل الروم إلى إفريقية، والقوط إلى المغرب، أجازوا في الأساطيل وتغلبوا على البربر بها وانتزعوا من أيديهم أمرها وكان لهم بها المدن الحافلة مثل قرطاجنة وسبيطلة… وطنجة. وكان صاحب قرطاجنة من قبلهم يحارب صاحب رومة ويبعث الأساطيل لحربه مشحونة بالعساكر والعدد، فكانت هذه عادة لأهل هذا البحر الساكنين حقاً فيه معروفة في القديم والحديث([13]).
هذا التمرس، وما ترتب عليه من شهرة بحرية للمغاربة، أشادت به المصادر التاريخية وكتب الرحلة ليس في الغرب الإسلامي فقط، ولكن في المشرق كذلك. فيذكر المقريزي مثلاً أن فقراء المغاربة الذين وجدوا في القاهرة قد أكرههم الفاطميون على الخدمة، دون تمييز، في الأسطول المصري([14]) لكونهم يتمتعون بسمعة حميدة، وأيضاً لشهرتهم في ميدان البحر. ويتعلق الأمر هنا بأهل إفريقية على الخصوص([15]). أما ابن سعيد المغربي، فقد ذكر أن الأساطيل كانت وقفاً على المغاربة لمعرفتهم بمعاناة الحرب والبحر([16]). كما أن العدد الأعظم من البحريين (نواتية الأسطول) في العصر الفاطمي كانوا مغاربة عرفوا بمهارتهم في قيادة السفن والملاحة في البحر منذ وقت مبكر([17]).
واستخدم صلاح الدين الأيـوبي ـ من جهته ـ الملاحين المغاربة في أساطيله في إطار قيامه بالإصلاحات التي استهدفت تقوية الأسطول المصري([18]) الذي لم يكن قادراً في نهاية حكم الدولة الفاطمية على التصدي للأسطول الإيطالي أو إلحاق الهزيمة به([19]).
وبخصوص اهتمام صلاح الدين بالملاحين المغاربة، أورد العماد الكاتب الأصفهاني (ت 597 هـ) إشارة على قدر كبير من الأهمية تفيدنا في فهم الدور الذي أدّاه هؤلاء على الصعيد العسكري بصفتهم مقاتلين أشداء. مفاد هذه الإشارة أنه أثناء حصار الجيوش الإسلامية لمدينة عكا سنة 587 هـ/ 1191 م، جاء رسول من قبل أحد قادة الصليبيين ومعه أسير مغربي، فقدمه إلى السلطان صلاح الدين على سبيل الهدية، فاستُقْبل الأسير بحفاوة وتقدير([20]).
فمن غير المستبعد أن يتعلق الأمر هنا بالرايس عبد السلام المغربي الذي تم أسره أثناء حصار قوات صلاح الدين لصور في 583 هـ/ 1187 م، والذي ذاع صيته في مجال الجهاد البحري كما سنرى. كل ذلك يدل على مدى إعجاب صلاح الدين بالمغاربة وتقدير جهودهم في الحرب ضد أعدائه. فهذا الاستقبال له
دلالة عميقة ليس عند صلاح الدين فقط، ولكن أيضاً عند الفرنجة الذين لم يكونوا على ما يبدو غافلين عن هذه المكانة التي يحتلها المغاربة في نفوس حكام الشام ومصر خلال هذه الفترة.
ومما يعضد هذا الطرح ما جاء عند أبي شامـة خلال تعرضه لأحداث 627 هـ، حيث يقول: »وجاء الخبر بأن الفرنج ـ خذلهم الله ـ استولوا على جزيرة ميورقة وقتلوا خلقاً كثيراً، وأسروا كذلك وقدموا ببعض الأسرى إلى ساحل الشام، فاستفك منهم طائفة، فقدموا علينا دمشق وأخبروا بما جرى عليهم«([21]). وهذا يدل على أن هذه المكانة استمرت إلى ما بعد فترة حكم صلاح الدين. كما لا يستبعد أن تكون الوظائف العالية التي نالها المغاربة في القدس بعد تحريرها مكافأة لهم على خدماتهم ورغبة في استمرار هذه الخدمات في الوقت نفسه.
ويمكن أن نلمس أثر هذا الاهتمام في إجراءات وموقف صلاح الدين من الغرباء المغاربة، حيث يذكر ابن جبير أنه جعل المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس بن طولون »مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه، وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر« ([22]). بل أكثر من ذلك جعل أحكامهم إليهم، ولم يجعل يداً لأحد عليهم، حيث قدموا من أنفسهم حاكماً يمتثلون أمره ويتحاكمون في طوارئ أمورهم عنده([23]).
وكما كان الحال عليه زمن الفاطميين الأواخر والزنكيين والأيوبيين، فإن الأمر لم يتبدل في عهد المماليك حيث يذكر النويري السكندري أنهم (المغاربة) أصبحت لهم مكانة خاصة في عصر المماليك البحرية، وأن يلبغا الخاصكي (ت. 768 هـ) كان يقدرهم قدرهم، ويعتبرهم فرسان البحر([24])؛ كما كان يكثر من قياد المغاربة على المراكب. ويلخص النويري سبب اعتماد المماليك على البحارة المغاربة([25]) بقوله إن الفرنج:
ليس يقهرهم سوى المغاربة، ذلك لمخالطتهم لهم بجزيرة الأندلس، يعرفون طرق حربهم وطعنهم وضربهم في بر وبحر. فلو كان منهم بالإسكندرية من المغاربة جمعاً كبيراً بجوامك مرتبة، وغربان([26]) مجهزة بعددها وأزوادها، كانوا يخربُوا جزراً كثيرة، وسارت الفرنج معهم في جزيرة ([27]).

فأين يتجلى المظهر العملي لجهاد المغاربة البحري ضد الصليبيين؟

IV ـ مظاهر مشاركة المغاربة في الجهاد البحري ضد الصليبيين

خلدت المصادر التاريخية أسماء العديد من المغاربة الذين شاركوا في الجهاد ضد الصليبيين، ليس خلال الحروب البرية التي جمعتهم بالمسلمين على الأراضي المصرية أو الشامية فقط([28])، بل كذلك في الجهاد البحري بسواحل البحر الأبيض المتوسط الشرقية وبالبحر الأحمر.

1 ـ سواحل البحر الأبيض المتوسط

لم يكن المغاربة نزلاء البلاد المشرقية التي عانت من ويلات الحملات الصليبية ليبقوا مكتوفي الأيدي أمام تطور الأحداث، بل شاركوا بشكل مكثف في المعارك التي خاضها المسلمون ضد الغزاة. ولم تكن هذه المشاركة على صورة واحدة. إذ فضلاً عن الاشتراك المباشر في القتال، هناك من قدم المال لتجهيز المقاتلين([29]).
أول إشارة أوردتها المصادر بخصوص جهاد المغاربة البحري على عهد الحروب الصليبية ـ حسب علمنا ـ جاءت في رسالة للقاضي الفاضل عن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى وزير بغداد يبشره فيها بفتح حصن الأحزان([30]) وتخريبه (574 هـ)، حيث يُذَكِّرُهُ فيها بالانتصار الذي حققه الأسطول المصري على الصليبيين بعكا، وبالبلاء الحسن الذي أبلاه المغاربة المعروفون ـ على حد قول القاضي الفاضل ـ »بغزو بلاد الكفر« عندما ضيق الفرنجة الخناق على عكا([31]). هذه العبارة التي جاءت في نص الرسالة تصريح واضح وشهادة بالدور الذي لعبه المغاربة في هذه المواجهة واعتراف باشتهارهم بحرب النصارى سواء بالغرب الإسلامي حيث كانوا مجاورين لهم، أو بالمشرق حيث لم يكن الأسطول المصري يستغني عنهم.
ويظهر أن البحريين المغاربة شاركوا إلى جانب حسام الدين لؤلؤ، قائد الأسطول المصري سنة 583 هـ/ 1187 م، في تضييق الخناق على الصليبيين في بيت المقدس. وكانت مهمة الأسطول تتمثل في قطع الطريق بحراً على الإمدادات الفرنجية حيث كانـوا »كلما رأوا لهم مركبـاً، غنموه؛ وشانـياً، أخذوه«([32]). وقد انتهى هذا الحصار باسترجاع القوات الإسلامية لبيت المقدس.
وقد تولى المغاربة أعلى المراتب في التنظيمات البحرية بمصر، حيث يتحدث كل من ابن الأثير وأبي شامة عن المدعو »عبد السلام المغربي« الذي كان رئيساً للأسطول. وهي مهمَّةٌ ومسؤولية خطيرة تتمثل في تدبير أمر جِرية الأسطول بالريح أو بالمجاديف وأمر إرسائه في مرفئه([33]). وكان عبد السلام المغربي هذا موصوفاً ـ في نظر ابن الأثير ـ بالحذق في صناعته وشجاعته([34]). فقد اشتهر بمواجهة الصليبيين على سواحل مصر وبلاد الشام، وظهر دوره جلياً في الجهاد البحري أثناء حصار صلاح الدين لمدينة صور في سنة 583 هـ/ 1187م.
على أن من الأحداث التي لها علاقة بالتاريخ البحري للبحر الأبيض المتوسط عموماً، وبالجهاد البحري على الخصوص، الرسالة التي وجهها صلاح الدين الأيوبي إلى يعقوب المنصور الموحدي سنة 586 هـ/ 1190 م، »طالباً مدد الأساطيل لتحول في البحر بين أساطيل الكفرة ـ كما يقول ابن خلدون ـ وبين مرامهم من إمداد النصرانية بثغور الشام (الصليبيين) «([35]).
لقد أثارت مسألة الاستجابة لهذا الالتماس نقاشاً بين المؤرخين والباحثين. فإذا كانت كل المصادر، مشرقية ومغربية، تكاد تجمع على أنه لم يحصل من جهة الخليفة الموحدي ما الْتُمِسَ منه من مساعدة، فإن هنالك إشارةً مضطربةً أوردها أبو العباس أحمد بن خالد الناصري في كتابه “الاستقصا” (وهو كتاب متأخر) يقول فيها:
ولما وقف عليه (الكتاب) المنصور ورأى تجافيهم فيه عن خطابه بأمير المؤمنين، لم يعجبه ذلك، وأسَرَّهَا في نفسه، وحمل الرسول على مناهج البر والكرامة؛ وردَّه إلى مرسله ولم يجبه إلى حاجته. ويقال إنه جهز له بعد ذلك مائة وثمانين أسطولاً، ومنع النصارى من سواحل الشام. والله تعالى أعلم([36]).
ومع أن الناصري نفسه يتحفظ من هذه المعلومات، كما هو ظاهر في النص، فقد تم الاعتماد على هذه الإشارة لتأكيد وقوع استجابة لهذا الالتماس، وذلك بناء على إجراءات كانت مألوفة لدى حكام البلاد المشرقية اتخذت في حق النازحين والمهاجرين من المغاربة إلى هذه الأقطار حتى قبل هذا التاريخ (تاريخ الرسالة) ([37]). فهل يصح الاعتماد على إشارة كهاته وعلى إجراءات كانت مألوفة لتأكيد وقوع الاستجابة؟
ولنفترض أن يعقوب المنصور أجاب صلاح الدين إلى ما طلب، فلابد من أن يكون لذلك وقع وأصداء في البلدان التي شاركت في الحملة الصليبية الثالثة، وبالتالي انعكاس في وثائقها ومصادرها. لكن شيئاً من ذلك لم يقع، لأننا لم نجد أثراً لهذه الاستجابة في الدراسات الغربية التي اهتمت بالتأريخ لهذه الحقبة من تاريخ الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، يرى كلود كاهين، وهو من أكبر المتخصصين في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لمنطقة الشرق الأوسط، أن صلاح الدين لم يتمكن من إثارة اهتمام مسلمي الغرب الإسلاميّ (ويعني الموحدين) بالكفاح المستمر ضد الفرنجة([38]). ويمكن إرجاع سبب ذلك إلى انشغال يعقوب المنصور بأحداث البرتغال، مما يدفعنا إلى القول بأن غياب الوثائق الرسمية في المصادر يمكن أن يدل على غياب إرادة سياسية رسمية. وعلى الرغم من التوتر الذي كان قائماً بين الأيوبيين والموحدين، فإن ذلك لم يحل دون استمرار وجود إرادة شعبية ورغبة ملحة في المشاركة في الجهاد ضد الصليبيين بدليل استمرار حركة المتطوعين إلى ما بعد العهد الأيوبي، وهو الأمر الذي يظهر بجلاء من خلال كتب التراجم ومن خلال وجود أحياء وأوقاف خاصة بهم بكل من مصر والقدس([39]).
وسواء حصلت الاستجابة أو لم تحصل، وهو المرجح، فإن تلك الرسالة تكشف عن ضعف الأسطول المصري عن مجابهة الأساطيل الإفرنجية، وعن سمعة الأساطيل التي كان المغرب يتوفر عليها على عهد الدولة الموحدية. وقد لاحظ ابن خلدون ذلك حين قال في معرض حديثه عن هذه الرسالة: »وفي هذا دليل على اختصاص ملك المغرب بالأساطيل« ([40]).

2 ـ البحر الأحمر

تشير المصادر إلى أن المغاربة شاركوا إخوانهم بمصر في التصدي لما عرف في التاريخ بـ »حملة البحر الأحمر« في سنة 578 هـ/ 1182 م. ذلك بأن أحد القادة الصليبيين يدعى رينو الشاتيوني (Renaud de Chatillon)، صاحب حصن الكرك (جنوبي فلسطين)، والمعروف في المصادر الإسلامية باسم »أرناط«، جهز مراكب وشحنها بالرجال وآلات القتال، ومضى بها »نحو عيذاب، فقطعوا طريق التجار وشرعوا في القتل والنهب والأسر، ثم توجهوا إلى أرض الحجاز وتعذر على الناس وجه الاحتراز فعظم البلاء… وأشرف أهل المدينة النبوية منهم على خطر« ([41]). ويرى ابن جبير »أنهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول r وإخراجه من الضريح المقدس«([42]). فلما وصل الخبر إلى مصر، أمر الملك العادل (أخو صلاح الدين ونائبه بمصر) الحاجب حسام الدين لؤلؤ، فعمر المراكب »بالرجال البحرية ذوي التجربة من أهل النخوة للدين والحمية«، مع أنجاد من المغاربة البحريين([43])،
وسار إلى أيلة، فظفر بالمركب الفرنجي عندها، فخرق السفينة وأخذ جندها، ثم عدّى إلى عيذاب وشاهد بأهلها العذاب ودل على مراكب العدو فتبعها فوقع بها بعد أيام فأوقع بها وواقعها وأطلق المأسورين من التجار ورد عليهم ما أخذ لهم… وعاد إلى القاهرة ومعه الأسارى. فكتب السلطان إليه بضرب رقابهم وقطع أسبابهم، بحيث لا يبقى منهم عين تطرف ولا أحد يخبر طريق ذلك البحر أو يعرف ([44]).
لا يهمنا هذا السرد إلا بقدر ما يعطينا فكرة عن هذا الحدث الذي أسال مداداً كثيراً سواء من جانب الباحثين العرب أو أمثالهم الغربيين، عبروا من خلاله عن وجهات نظرهم بخصوص هذه الحملة، والأبعاد التي يمكن أن تكون قد اتخذتها. وقد اختلفت الأبعاد باختلاف وجهات النظر هاته؛ حيث هناك من أعطى هذه الحملة بعداً دينياً، بمعنى أن هدفها كان هو الهجوم على الأراضي الإسلامية المقدسة (إخراج الرسول من الضريح المقدس) ([45]). وهناك من أعطاها بعداً اقتصادياً([46]). وبخصوص هذا الأخير، تباينت التأويلات والتحليلات، حيث يرى البعض في هذه الحملة تجسيداً للرغبة في منازعة المصريين واليمنيين سيطرتهم على تجارة البحر الأحمر([47])، مفرغاً إياها من كل محتوى ديني. لكنه يبقى في اعتقادنا تحليلاً بعيداً في التأويل لعدة أسباب:
® إذ نرى مع كلود كاهين أنه لا يمكن أن يتوقع من رينو الشاتيوني (أرناط) الذي بدأ مسيرته في الشرق بالقيـام بعملية سطو على القبارصة الذين لم يفعلوا له ما يبرر ذلك التصرف إلا أن يقوم بعملية نهب جديدة تكون أكثر تهوراً([48]).
® يعضد هذا القول ما ذهب إليه ابن العديم (ت 660 هـ) و كَروسي (Grousset) من أن أرناط قام في سنة 555 هـ/ 1160 م (وكان حينها أميراً على أنطاكية) بنهب قطعان الماشية (خيل وأبقار وأغنام) التي كانت منتشرة في الحقول الواقعة بين مرعش ودلوك([49]) (شمال حلب)، دون أن يتساءل لحظة هل هذه القطعان للمسيحيين الأرمن والسريان. إذ المهم عنده أنه رأى في ذلك تجاراً يسهل التغلب عليهم ونهب أموالهم أو فلاحين ورعاة دون مقاومة.
® ومما يزكي ذلك ما أورده ابن العديم من أن أرناط، بعد حصوله وتوليه على حصن الكرك، تعرض للحاج، وقطع طريق القوافل ما بين مصر ودمشق([50]).
® ثم إن احتكار تجارة البحر الأحمر يتطلب توافر إمكانات مادية وبشرية هائلة من مراكب وعتاد ومقاتلين لم تكن لتتوافر حتى عند أقوى الأمراء الصليبيين آنذاك([51])، فما بالك بحصن الكرك. كما أن الإمارات الصليبية في حدود هذا التاريخ كانت تشكو كلها من الانخفاض في عدد جيوشها الناتج عن الحروب المستمرة من جهة، وانقطاع الإمدادات البشرية التي كانت تصلها من الغرب إبان الحملة الصليبية الأولى وبعدها من جهة أخرى([52]).
هذه إذن عوامل يمكن أن تنهض دليلاً على عدم صحة الطرح الذي يرى في حملة البحر الأحمر رغبة أرناط في منازعة المصريين واليمنيين احتكارهم لتجارة هذا البحر.
وبخصوص البحريين المغاربة، فإن أهمية مشاركتهم في التصدي لهذه الحملة تكمن في الحملة نفسها، لأنها تعتبر ـ على حد معرفتنا ـ أول تدخل إفرنجي في هذا البحر. وتزداد هذه الأهمية إذا ما اعتبرنا البعد الديني للحملة ومن خلاله شرف التصدي لحماية الأماكن الإسلامية المقدسة، وهو شرف سينضاف لمشاركتهم في حصار الصليبيين ببيت المقدس في سنة 583 هـ/ 1187 م كما رأينا([53]).
فيبدو من خلال كل ما سبق أن الأسطول المصري لم يستغن في أي وقت من الأوقات إبان العهدين الفاطمي والأيوبي عن المغاربة البحريين، وأن هؤلاء شاركوا مشاركة فعالة في الجهاد البحري. وقد استمر هذا الوضع طوال فترة حكم المماليك بمصر والشام([54]).

خلاصة

نخلص في ختام هذه الدراسة إلى ما يلي:
® أن اختيارنا لهذه النسبة (المغاربة) لم يكن محكوماً بنظرة »شوفينية«، لأن الأمر يتعلق بالمفهوم الواسع للكلمة الذي يعني، بالإضافة لأبناء المغرب الأقصى، أبناء كل من المغرب الأوسط وإفريقية والأندلس.
® أن وجود المغاربة بكل من مصر والشام لم يرتبط في غالبيته بحدث محدد (الحملة الصليبية الثالثة وتوجيه الرسالة إلى يعقوب المنصور الموحدي)، بل يعود إلى فترات سابقة؛ الأمر الذي يستوجب التمييز بين المغاربة المستقرين، وهم الذين ورد لهم ذكر في المصادر المشرقية وكانت لهم أدوار طلائعية في الجهاد البحري، وبين النازحين والمتطوعين الجدد الذين وإن شاركوا في الجهاد ضد الصليبيين، فإن مشاركتهم ـ في قسط وافر منها ـ همت المواجهات البرية على الخصوص.
® أن مفهوم الأمة على المستوى السياسي وإن لم ينتظم حول سلطة سياسية وروحية معينة إبان هذه الفترة بسبب التوترات السياسية، فإن الشعور بوحدة الأمة الإسلامية وبضرورة الحفاظ عليها والوقوف صفاً واحداً أمام كل ما من شأنه أن يهددها، كان حاضراً في وعي أبنائها، وهو ما تجسد في رغبة المغاربة الملحة بالمشاركة، إلى جانب إخوانهم بالمشرق، في المعارك البرية والبحرية من أجل تحرير رمز هذه الوحدة، ألا وهي البقاع الإسلامية الطاهرة.

مراجع:

([1]) هو غير شهاب الدين النويري صاحب كتاب “نهاية الأرب في فنون الأدب” المتوفى سنة 732 هـ/ 1332 م. وكتاب “الإلمام” هو مخطوط بدار الكتب المصرية. وقد أورد السيد عبد العزيز سالم بعض الصفحات والفقرات منه في كتابه المفيد: “تاريخ الإسكندرية وحضارتها في العصر الإسلامي”، الإسكندرية، ط 2، 1969 م. واعتمد عليه أحمد مختار العبادي في كتاب “تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام”، القسم الثاني، دار النهضة العربية، بيروت، 1981. وقد اعتمدنا بدورنا في اقتباس بعض نصوص “الإلمام” على المرجع الأخير.
([2]) دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1981 م.
([3]) دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1989.
([4]) مطابع فضالة، المحمدية، المجلدان السادس (1407 هـ/ 1987 م) والسابع (1408 هـ/ 1988 م).
([5]) عبد المجيد بهيني، »أثر مهاجري المغرب الإسلامي في الحياة العامة بالمشرق خلال القرنين السادس والسابع الهجريين/ الثاني والثالث عشر الميلاديين«، مجلة المناهل، العدد 53، دجنبر 1996، ص ص. 138 ـ 157.
([6]) وهو الأمر الذي جعلني أفكر في تعميق الدراسة في موضوع جهاد المغاربة البحري على عهد الحروب الصليبية.
([7]) انظر بهذا الخصوص: أبو شامة، تراجم رجال القرنين السادس والسابع المعروف بـ”الذيل على الروضين”، دار الجيل، بيروت، ط. 2، 1974، ص . 7 و 186.
([8]) علي أحمد، المرجع السابق، ص. 90.
([9]) أسامة بن منقذ، كتاب الاعتبار، تحرير فيليب حتي، مكتبة الثقافة الدينية، ص. 81.
([10]) انظر أدناه. ويتحدث أبو شامة أيضاً عن حالة هجرة الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله الضرير الأندلسي الإشبيلي الذي »ورد من الأندلس في سنة إحدى وعشرين وستمائة في البحر، فأسرته الفرنج ثم نجاه الله منهم… سكن دمشق…«، حيث توفي سنة 648 هـ ( تراجم رجال القرنين، ص. 186).
([11]) C. Cahen, «Ibn Jobayr et les Maghrebins de Syrie», R.O.M.M, N° 13-14, 1973, p. 208; كلـود كاهـن، الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية، ترجمة أحمد الشيخ، سينا للنشـر، القاهرة، ط. 1، 1995، ص. 176.
([12]) ابن جبير، الرحلة، دار ومكتبة الهلال، بيروت، لبنان، 1981، ص. 247.
([13]) ابن خلدون، المقدمة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دون تاريخ، ص. 199.
([14]) المقريزي، المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، بولاق، 1270 هـ/ 1853 م، ج 1، ص. 368.
([15]) جواتياين، دراسات في التاريخ والنظم الإسلامية، تعريب وتحقيق عطية القوصي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط 1، 1980، ص. 245.
([16]) المقري، نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيـب، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، 1949، ج 3، ص. 111.
([17]) أحمد مختار العبادي، المرجع السابق، ص. 130.
([18]) المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، نشر وتحقيق محمد مصطفى زيادة، القاهرة، 1936، ج 1، ص. 45.
([19]) كلود كاهين، المرجع السابق، ص. 117.
([20]) إشارة للعماد الأصفهاني أوردها علي أحمد، مرجع سابق، ص. 304.
([21]) أبو شامة، تراجم رجال القرنين، ص. 159.
([22]) ابن جبير، المصدر السابق، ص. 25.
([23]) المصدر نفسه.
([24]) أحمد مختار العبادي، المرجع السابق، ص. 130.
([25]) معلقاً بذلك على الدور البارز للرايس إبراهيم التازي، رئيس دار الصناعة بالإسكندرية، في التصدي وغزو القبارصة في عقر ديارهم. انظر أدناه.
([26]) مفردها »غراب« وهو نوع من المراكب.
([27]) نص للنويري أورده أحمد مختار العبادي في المرجع السابق، ص. 130.
([28]) تزخر المصادر المغربية والمشرقية على السواء بالعديد من الإشارات التي تخص اشتراك المتطوعين المغاربة في جيش نور الدين محمود بن زنكي وفي جيش صلاح الدين الأيوبي في حروبهما البرية ضد الصليبيين. راجع في هذا الصدد ابن جبير، المصدر السابق، ص. 247 و 253؛ وابن الأثير، الكامل في التاريخ، مراجعة وتصحيح محمد يوسف الدقاق، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1407 هـ/ 1987 م، المجلد التاسع، ص. 353؛ وابن الزبير، صلة الصلة، نشر بروفنصال، الرباط، 1938 م، ص. 218.
([29]) يمكن استنتاج ذلك من نص المسألة التي أنشأها، بأمر من صلاح الدين الأيوبي، القاضي الفاضل البيساني، وأرسلها إلى يعقوب المنصور الموحدي يستنجده فيها على الفرنج إبان حصاره لعكا في سنة 586 هـ، حيث يقول: »… وإن كان دون الأسطول موانعُ إما من قلة عدة أو من شغل هناك بمهمة أو بمباشرة عدو ما تحصن منه العورة أو قد لاحت منه الفرصة، فالمعونة ما طريقها واحدة ولا سبيلها مسدودة ولا أنواعها محصورة، تكون تارة بالرجال وتارة بالمال« (أبو شامة، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، دار الجيل، بيروت، دون تاريخ، ج 2، ص. 171).
([30]) كان على المسلمين من هذا الحصن ضرر عظيم، وكان هذا الحصن لفرقة الداوية (وهي منظمة دينية عسكرية أخذت على عاتقها حماية الحجاج المسيحيين والدفاع عنهم وعن الأرض المقدسة)، وكان من فيه يقطعون الطرقات على قوافل المسلمين. (أبو شامة، كتاب الروضتين، ج 2، ص. 8). يتعلق الأمر بالوزير ظهير الدين أبي بكر منصور بن أبي القاسم نصر بن العطار وزير الخليفة العباسي المستضيء (ت 575 هـ).
([31]) أبو شامة، كتاب الروضتين، ج 2، ص. 14.
([32]) ابن الأثير، المصدر السابق، م 10، ص. 154.
([33]) المصدر نفسه، ص. 160؛ أبو شامة، كتاب الروضتين، ج 2، ص. 119. بخصوص التنظيمات البحرية، راجع: ابن خلدون، المقدمة، مبحث »قيادة الأساطيل«، ص ص. 199 ـ 200.
([34]) ابن الأثير، المصدر السابق، م 10، ص. 160.
([35]) ابن خلدون، المصدر السابق، ص. 202؛ انظر نص الرسالة في الروضتين، ج 2، ص ص. 170 ـ 171. ويتعلق الأمر هنا بالحملة الصليبية الثالثة.
([36]) الناصري، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (الدولتان المرابطية والموحدية)، ج 2، تحقيق وتعليق ولدي المؤلـف جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الـدار البيضاء، 1995، ص ص. 182 ـ 183.
([37]) بنى الأستاذ الدكتور عبد الهادي التازي طرحه هذا على مبادرة الملك الأفضل الذي خلف والده صلاح الدين، حيث حبس عام 589 هـ/ 1193 م المكان الذي اعتاد المغاربة أن يجاوروا عنده في بيت المقدس ليسكنوا في مساكنه وينتفعوا بمنافعه. (عبد الهادي التازي، المرجع السابق، المجلد السادس، ص ص. 314 ـ 315). وكانت هذه المعاملة مألوفة لدى حكام بلاد الشام ومصر قبل هذا التاريخ (راجع ابن جبير، المصدر السابق، ص. 232)، حيث يذكر أن نور الدين محمود بن زنكي عين للمغاربة الغرباء أوقافاً كثيرة منها سبعة بساتين وأرض بيضاء، وأن المشرف عليها كان هو الآخر مغربيّاً يدعى أبو الحسن علي بن سردال الجياني. وقد ذكرنا كذلك موقف صلاح الدين من الغرباء المغاربة قبل هذا التاريخ.
([38]) كلود كاهن، المرجع السابق، ص. 242.
([39]) عبد الهادي التازي، المرجع السابق، م 6، ص. 315.
([40]) ابن خلدون، المصدر السابق، ص. 202.
([41]) أبو شامة، كتاب الروضتين، ج 2، ص. 35.
([42]) ابن جبير، المصدر السابق، ص. 32.
([43]) المصدر نفسه.
([44]) أبو شامة، كتاب الروضتين، ج 2، ص ص. 35 ـ 36.
([45]) ابن جبير، المصدر السابق، ص. 32.
([46])G. Schlumberger, Renaud de Chatillon, Prince d’Antioche et seigneur de la
terre d’Outre-Jourdain, Paris, 1898; Mohamed Lamli, L’Islam et la société au
temps de Salah-Din (1138-1193), Thèse de doctorat (nouveau régime), Lille III,1989.
([47]) Lamli, op. cit., p. 201 sq.
([48]) كلود كاهن، المرجع السابق، ص. 191.
([49]) ابن العديم، زبـدة الحـلب من تاريـخ حلـب، نشر وتحقيق سامي الدهان، دمشق، 1954، ج 2، ص ص. 311 ـ 312؛ R. Grousset, Histoire des croisades et du Royaume franc de Jérusalem, Paris, 1991, tome II, pp. 23-24.
([50]) ابن العديم، المصدر السابق، ج 3، ص. 34 و 92.
([51]) فاحتلال المدن الساحلية لبلاد الشام، وضمان الإمدادات البشرية، وكل ما يتعلق بتأمين الوجود الصليبي بالمنطقة كان يتم في أغلبه على متن أساطيل إيطالية.
([52]) ف. فارج و ي. كرباج، المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي، ترجمة بشير السباعي، سينا للنشر، القاهرة، 1994، ط 1، ص. 79 وما بعدها.
([53]) انظر أعلاه.
([54]) حيث يتحدث النويري عن مجاهد مغربي عرض على الأمير سيف الدين إلاكز (أحد نواب السلطنة) سلاحاً جديداً سهل على المسلمين مهمة مقاتلة الإفرنج في البحر. عن هذا السلاح وطريقة صنعه واستعماله، راجع: أحمد مختار العبادي، المرجع السابق، ص. 324؛ وأيضاَ: عبد الحميد بهيني، المرجع السابق، ص. 147. ويتحدث المصدر نفسه عن مغربي جمع بين الإسهام بصفة شخصية وفعالة في الجهاد البحري ضد القبارصة (رجب 769 هـ) المغيرين على الإسكندرية بزعامة ملكهم بطرس لوسينيان ((Lusignan وفي ردع محاولة الأسطول القبرصي الثانية لغزو مدينة الإسكندرية في سنة 770 هـ، وبين شغل منصب رياسة دار الصناعة بالإسكندرية. ويتعلق الأمر بالقائد البحري الريس إبراهيم التازي الذي أشادت المصادر ببطولاته في غزو القبارصة. (النويري، تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام، ص ص. 130، 327 ـ 328؛ عبد الهادي التازي، المرجع السابق، المجلد 7، ص. 220؛ عبد المجيد بهيني، المرجع السابق، ص. 148).

* كلية الآداب ـ بني ملال/مجلة “التاريخ العربي”