الرئيسية / إضاءات / من هي “شارلي أبيديو” ؟
policeeuro

من هي “شارلي أبيديو” ؟

بدأت مواجهات مجلة (شارلي إيبدو) مع جماعات التشدد الإسلامي منذ إقدامها في شكل غير مسبوق على رسم رسومات مسيئة للرسول محمد لعدة مرات وعلى فترات متلاحقة في الأعوام ما بين 2011 و2014 وهي جميعها أغضبت عواصم الغرب والعالم الإسلامي سواء بسواء.
وكانت آخر مواجهات والتجارب السابقة لمجلة (شارلي إيبدو) التي رأت النور العام 1970 في الإساءة إلى الإسلام والرسول، هو نشر المجلة الفرنسية الساخرة “المغمورة” في تشرين الأول (أكتوبر) 2014 رسماً جديداً مسيئاً للرسول في ملفها الخاص حول تنظيم في العراق وسوريا (داعش).
وتناولت الرسوم الكاريكاتورية الجديدة عملية “النحر”، في سياق احتفال المسلمين فى كل بقاع الأرض بعيد الأضحى، كما نشرت كاريكاتوراً لزعيم (داعش) أبو بكر البغدادي.
صورة مجمعة

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2011، نشرت المجلة الساخرة عدداً خاصاً سمت فيه النبي محمد رئيساً لتحريرها تحت عنوان “شريعة إيبدو”، الأمر الذي تسبب بموجة غضب عارمة بين المسلمين حول العالم وتسبب بإحراق جانب من مكاتب المجلة.
وقال المسؤولون فى المجلة إنهم لا يقصدون إثارة المسلمين أو استفزازهم، ولا يتوقعون اعتراضات على مضمون السيرة ولا يرون مشكلة في اطلاع المسلمين عليها.
وحينذاك، قال المسؤولون في المجلة إنهم لا يقصدون إثارة المسلمين أو استفزازهم، ولا يتوقعون اعتراضات على مضمون السيرة ولا يرون مشكلة في إطلاع المسلمين عليها.

وقال مدير تحرير المجلة وفنان رسومها ستيفان شاربونييه المعروف باسم (شارب) الذي كان تعرض لتهديدات بالقتل أن السيرة هي تجميع لكتابات المسلمين في عصور سابقة، ولم تقم المجلة إلا بإنتاجها على شكل صور، وعندما سئل عن معارضة الكثير من المسلمين على تصوير النبي، أجاب أن ذلك “مجرد عرف، لم يرد التحريم في القرآن. وبما أن ذلك لا يهدف إلى السخرية من محمد فلا أرى مبرراً لعدم قراءة هذا الكتيب كما تقرأ حكايات عن حياة يسوع في كتب التريبة الدينية المسيحية”.
وأكد شارب أن السيرة المصورة تتبع بدقة كتب السيرة المعروفة، وأسلوب الرسوم فيها ليس كاريكاتورياً ومضمونها يخلو من السخرية أو التهكم، وكان الهدف من نشرها تعريف الناس بسيرة النبي و”لا أظن أنه سيكون بوسع أي عالم إسلامي أن يأخذ علينا شيئاً بشأن الجوهر”.
وأوضح شارب أن فكرة السيرة المصورة خطرت له في سنة 2006 بعد نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد في صحيفة يولاندس بوستن.
وأضاف: “أعتقد أننا في البداية تعاملنا مع الأمر بالعكس، وتناولنا شخصية لم نكن نعرفها، وأنا في المقدمة.. قبل أن نتعامل مع شخصية بطريقة غير جدية، علينا أن نعرفها جيدا، بقدر ما نعرف الكثير عن حياة المسيح، لا نعرف شيئا عن النبي محمد”.
وفي أيلول (سبتمبر) 2012 أقدمت مجلة (شارلي إيبدو) على نشر رسوم مسيئة للرسول، وهي أيضاً اثارت موجة من الاحتجاج في العالم الإسلامي والعواصم الغربية، خاصة وأن النشر جاء بعد أسبوع على أعمال عنف في بلدان عربية وإسلامية عدة احتجاجًا على بث مقاطع من فيلم مسيء للاسلام أنتج في الولايات المتحدة.
وجوبه نشر الرسومات العام 2012 بجملة انتقادات غربية، لعل أبرزها انتقاد البيت الأبيض الذي تساءل حينذاك عن الحكمة من وراء قيام مجلة شارلي ايبدو كاريكاتورية للنبي محمد، مع تشديده على أن أي عمل لا يمكن أن يبرر العنف.
وقال المتحدث باسم البيت الابيض “نحن على علم بأن جريدة فرنسية نشرت رسوما تمثل النبي محمد، وبالطبع نحن لدينا اسئلة حول الحكمة من وراء نشر أمور من هذا النوع”. واضاف المتحدث الاميركي “نعلم ان هذه الصور ستكون صادمة جدا للكثير من الناس” ويمكن ان تتسبب بردود فعل عنيفة.
فرنسا تعلن حال الانذار القصوى بالمنطقة الباريسية بعد الهجوم
هجوم مسلح على مقر صحيفة شارلي ايبدو يوقع 12 قتيلًا
وتابع “الا اننا نشدد بشكل دائم على اهمية حماية حرية التعبير الواردة في دستورنا. وبشكل آخر فاننا لا نتساءل حول الحق بنشر امور من هذا النوع، ولكن حول الحكمة التي املت اتخاذ قرار نشرها”.

حالة تأهب

ويشار إلى انه بعد نشر تلك الرسوم كانت الحكومة الفرنسية أعلنت حالة التأهب وأعلنت الاربعاء أن السفارات والقنصليات والمدارس الفرنسية ستغلق الجمعة في حوالى 20 بلدًا كإجراء “احترازي” اثر نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد في مجلة فرنسية.
كما قامت الخارجية الفرنسية كإجراء احترازي بإغلاق السفارات والقنصليات والمراكز الثقافية والمدارس في حوالى 20 بلدًا في الشرق الأوسط وإفريقيا وذلك بهدف “تعزيز الاجراءات الأمنية ودعوات إلى اتخاذ تدابير الحيطة والحذر في البلدان المعنية “.
وبعد نشر الرسومات المسيئة للرسول توقعت تقارير بأن يهز مثل هذا العمل مركز الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وآنذاك، علقت على ذلك صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) الأميركية بقولها في مستهل تقرير لها بهذا الخصوص، إن فرنسا وجدت نفسها في مواجهة جديدة مع جدال متعلق بالأديان وبحرية التعبير، بعد نشر تلك الرسوم المسيئة للرسول، خاصة وأنها جاءت في وقت يعج فيه العالم الإسلامي بالاحتجاجات على فيلم (براءة المسلمين).

السخرية من الأديان

ومن جانبها، علقت صحيفة (الغارديان) البريطانية على الرسومات المسيئة للنبي محمد بتأكيدها أن التقليد الراسخ المتعلق بالسخرية من الأديان والمؤسسات الدينية يبين سبب نجاح الإصدارات القائمة منذ مدة طويلة مثل صحيفة “لو كانار إينشين” الأسبوعية (التي جرى تأسيسه في العام 1915) وشارلي ايبدو (التي تم تأسيسها في العام 1969).
وأضافت الغارديان أن الصحيفة جرى إطلاقها من قبل مجموعة من الأشخاص غير الملتزمين بالعادات والأعراف الذين كانوا يديرون من قبل إصدار شهري يحمل اسم “هارا كيري”.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن مجلة (شارلي إيبدو) كانت توقفت عن الصدور عام 1981، بسبب تراجع شعبيتها، وحين أعيد إطلاقها عام 1992، كان العالم قد تغير بصورة كبيرة، بينما كان هناك قليلون من فريق عملها التاريخي، أما مديرها، فيليب فال، فكان متخصصاً في كوميديا الموقف وذاع صيته بشكل كبير من خلال غنائه وسرده النكات أمام جمهور يساري في الثمانينات.
وقالت (الغارديان) إن المدير الجديد غيّر أسلوب الإصدار، ولم يتردد في الاستغناء عمن كان يعارض آراءه وكان يوصف في كثير من الأحيان بـ “المستبد”. وأشارت إلى أنه تحت قيادة فيليب فال أضحى موقف (شارلي ايبدو) التحريري مشوشاً.
وفي الأخير، نوهت الصحيفة اللندنية بأنه “ومنذ رحيل فال، والمجلة تحاول استعادة شعور الاستخفاف الذي بدا أنها فقدته. وهناك شكوك حالياً حول قدرة مديرها الجديد، ستيفان شاربونييه، الذي يشتهر باسم “شارب”، على استعادة الأمجاد التي كانت تحظى بها المجلة في الماضي”.
وإلى ذلك، أفرد موقع (بي بي سي) نبذة عن تاريخ مجلة (شارلي إيبدو) التي قال إنها تنتمي إلى التقاليد الفرنسية العريقة في الصحافة الفرنسية الفضائحية، التي كانت هاجمت ماري انطوانيت اثناء الفترة التي مهدت للثورة الفرنسية.
وهذه التقاليد تجمع بين اليسار الراديكالي وقدر من الاساءة البالغة في التعبير يصل أحيانا إلى حد البذاءة، وكانت الأسرة الملكية هي هدف تلك الصحافة إبان القرن الثامن عشر. وصاغ مروجو الشائعات لغطا هائلا بقصصهم – التي كثيرا ما صاحبتها الرسوم – حول المغامرات الجنسية للأسرة المالكة وفساد البلاط في فرساي.
ويقول التقرير “واليوم هناك شخصيات ومؤسسات نافذة مثيرة للجدل تقوم تلك الصحافة بمهاجمتها وهي السياسيون والشرطة ورجال البنوك والدين، والسلاح الذي تستخدمه الآن هو السخرية وليست القصص المفبركة، إلا إنها لاتزال تستخدم – إلى حد كبير – لغة الاستهجان التي استخدمتها في انتقاد الانظمة القديمة”. وتمثل مجلة “شارلي إبدو” مثالا قويا لذلك النوع من الصحافة.

السخرية من الرسول

ويتابع التقرير القول إن البعض قد يرى السخرية من النبي محمد نوعا من الالتزام الشجاع بالمبادئ، بينما يراها آخرون سلوكا خطرا غير مسؤول. لكن في جميع الحالات لا يمكن إنكار إنه ينسجم مع طبيعة الوجود التاريخي لتك الصحافة.
ويشير التقرير إلى ان مجلة “شارلي إيبدو” تعاني مقارنتها بشكل مستمر مع منافستها الأشهر والأكثر نجاحا صحيفة “لوكانار إنشين” الاسبوعية.
وكلا المطبوعتين تستخدمان الرسوم الكاريكاتيرية كوسيلة لتحدي القوى المؤثرة على الساحة.

فظاظة وقسوة

وبينما تتميز صحيفة لوكانار إنشين بالسبق الصحافي وكشف الاسرار، فإن مجلة “شارلي إيبدو” أكثر فظاظة وقسوة في تعبيرها، مستخدمة مزيجا من الرسوم وخفة الظل المحملة بالانفعال.
وتحتل مجلة “إيبدو” مكانا في اقصى يسار السياسة الفرنسية. وقد عانت في الماضي مجموعة الانقسامات والخروج على التقاليد الايديولوجية. وقد استقال احد رؤساء تحريرها منذ عامين – بعد بقائه في منصبة فترة طويلة – إثر جدل حول معاداة السامية.
وتعود اصول المجلة إلى مطبوعة ساخرة أخرى اسمها “هارا كيري” التي نجحت في صنع اسم كبير لها في الستينيات من القرن الماضي. وفي عام 1970 ظهرت مجلة “شارلي إبدو”. ونوه التقرير بان الأخبار كانت آنذاك تدور حول خبرين أساسيين هما اندلاع حريق أدى إلى مصرع أكثر من 100 شخص في ملهى ليلي، ووفاة الرئيس السابق الجنرال شارل ديغول.
في ذلك الإثناء صدرت مطبوعة “هارا كيري” تحمل عنوانا يسخر من وفاة الجنرال ديغول يقول “رقصة مأسوية في كولومبي – مقر اقامة ديغول – تسفر عن مقتل شخص واحد”، وأدى ذلك إلى حظر مطبوعة “هارا كيري”. وآنذاك سارع محرروها بإصدار مجلة “شارلي إيبدو” الاسبوعية.