الرئيسية / هكذا نراها / الخيار التونسي ينحث مفهوما جديدا للسلطة

الخيار التونسي ينحث مفهوما جديدا للسلطة

بعد أن انتهى المجلس التأسيسي التونسي من صياغة الدستور يوم26 يناير 2014، وصادق على حكومة مهدي جمعة، احتفلت تونس ومعها العالم العربي، بنجاح تجربتها، واعترف القاصي والداني بأن تجربة التداول وتحقيق نموذج ديموقراطي عربي ممكنة. وما يجعله ممكنا هو تجربة نضالية لفعاليات سياسية جنبت تونس مأزق الصراعات الداخلية.
أفرزت صناديق الإقتراع عن فوز حركة النهضة برئاسة حكومة تونس وتسلمتها بالفعل، عن جدارة واستحقاق ودون أن تجد في طريقها مؤامرة انقلابية، ولم يجد أعداؤها بدا من قبول الأمر الواقع، ولم يكن مسموحا وقتها والفورة الشعبية في أوج حماسها،
الصناديق تفرز زعامات شعبية ولكنها لاتفرز ديموقراطية وتجربة تداولية بالضرورة، وهذا مايحسب لحنكة الغنوشي وإخوانه عندما قدموا تنازلاتهم لصالح توافق الكتل السياسية، والشاهد عندنا أن الصناديق إذ تعطي الزعامة فهي لاتعطي السلطة. فيتم نحت مفهوم عملي لسلطة الشعب تجعل من المنتخب زعيما للتوافق الاجتماعي، وليس حاكما باسم الشعب.
الانسحاب من الحكومة لا يكون بالضرورة هزيمة سياسية، فحضور حركة النهضة ظل مهيمنا على أشغال المجلس التأسيسي، إلى حد جعل بعض الكتل تتأفف من ذلك واعتبرت ان ألنهضة إن خرجت من الباب، فقد دخلت من النافذة. ولم يطب لهم أن يوقعو دستورا فارغا من مذهبيات النهضة.
الخيار التونسي علم مصر أن تغير الرئيس مبارك، ولم تنتظر مصر أن تتعلم كيف تغير نظام مبارك. حيث أن مصير دولة وشعب يرقى فوق مصير حزب معين أو تيار سياسي معين. والدخول في جحيم العنف السياسي هو انتصار للتدخل الأجنبي، واستيلائه على ثروات البلاد، وهذا ما قد سبق أن أشارت إليه بعض الصحف التونسية حينما كشفت علاقة بين اكتشاف حقول الغاز بجنوب تونس، وظهور تنظيمات إرهابية واغتيال الزعيمين السياسيين وشكري بلعيد محمد البراهمي. وعودة الاقتتال في الجنوب الليبي.
المشهد السياسي التونسي أخرج بقايا المعارضين من مختلف التوجهات، كما أعاد حركة النهضة المحضورة إلى الساحة السياسية وتجديد دماء الحياة السياسية أكثر من عقدين من الحصار والنفي، المشهد نفسه عبر أن الفكرة لاتموت ولاتقهر ولاتنفى، وأن مايجب الرقي به ثقافيا لايمكن محوه سلطويا.
وهذا ما يوجب على الفاعلين السياسين الذين توافقوا على صياغة الدستور وهم على أشد الاختلاف بينهم سياسيا وايديولوجيا، يفترض انخراطهم في تجاوز المرحلة الانتقالية القادمة بالتوجه إلى التحدي الاجتماعي والعمل مع حكومة مهدي جمعة التكونقراطية، إلى معالجة الملفات الاجتماعية، واستثمار عائد نجاح الاستحقاق الدستوري.
أمام مهدي جمعة فرصة الحفاظ على الاستقلال السياسي كما وعد به والانحياز إلى مطالب الشعب الثواقة إلى إنعاش الاقتصاد الداخلي. وأولية الملف المالي والأمني على رأس الأجندة التي تفرضها المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة المغاربية خصوصا أن تونس أصبحت معبرا للمقاتلين وللفارين من جحيم االاقتتال. هذا إلى جانب إبعاد خطر الانقلاب السياسي عن الاستحقاقات المقبلة، وتجنب مصير باقي الدول الأخرى أو العودة إلى نقطة الصفر، وإنتاج ابن علي جديد.