الرئيسية / هكذا نراها / بعد صدور مذكرات عبد الرحمان اليوسفي : لماذا يحجم السياسيون المغاربة عن الكتابة؟

بعد صدور مذكرات عبد الرحمان اليوسفي : لماذا يحجم السياسيون المغاربة عن الكتابة؟

مع مقدم  العشر الأواخر من الشهر الفضيل، حملت الأخبار بشرى  صدور كتاب جديد، لطالما انتظره المراقبون السياسيون بشغف كبير، لكونه يتطرق لمرحلة مفصلية في تاريخ المغرب السياسي، من تأليف محمد الطائع، وهو  عن  مذكرات عبد الرحمان اليوسفي، على امتداد عشر سنوات، من 1992 إلى 2002، قاد خلالها تجربة حكومة التناوب الديمقراطي، التي واجهت عدة تحديات سياسية واقتصادية، في وقت كانت فيه البلاد مهددة “بالسكتة القلبية”، كما قيل آنذاك.    
ومنذ مغادرته للحكومة، وفي نفسه ” شيء من حتى”، وانصرافه عن  العمل السياسي، ومقاطعته لأنشطة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، رغم انه كان أحد قادته البارزين، فضل هذا الرجل الوقور، والمناضل السياسي والحقوقي البارزـ بغض النظر عن تباين الآراء في تدبيره للشأن العام ـ التزام الصمت المطلق إزاء التطورات السياسية في بلده، بعد محاضرته المعروفة  في بروكسيل، مكتفيا بمتابعة بعض الأنشطة الثقافية، مثل معارض الكتاب والفنون التشكيلية.
ومن هنا تنبع أهمية هذا الإصدار السياسي الجديد، والذي يستلزم قراءة متأنية لما تحفل به سطوره، وذلك في القادم من الأيام.
والواقع، أن من عادة غالبية الزعماء السياسيين في المغرب، أنهم لايكتبون مذكراتهم، بعد انحسار الأضواء عنهم، وانسحابهم من دائرة الممارسة السياسية، وخصوصا منهم أولئك الذين أمسكوا بدفة تدبير الشأن العام للبلاد، وكانوا في واجهة الصراع السياسي، بمختلف أشكاله وألوانه.
ثمة عزوف عن كتابة المذكرات السياسية تتحكم فيه عدة اعتبارات وهواجس، تسيطر على نفوس الفاعلين السياسيين، لعل أكثرها بروزا  هو الخوف من الاقتراب من بعض المساحات الملغومة ببعض الحساسيات، في تاريخ المغرب المعاصر، لذلك يفضلون قضاء ما تبقى من أعمارهم في اجترار الذكريات، بأسلوب يغلب عليه الزهو، أمام الأولاد والأحفاد، مستعرضين ما يعتبرونهم أمجادا رافقت رحلتهم على درب السياسة.
ولذلك، فإن كتابة المذكرات السياسية لم تصبح بعد ثقافة متبعة في المغرب، كما هو الحال في البلدان ذات التجربة العريقة في المسار الديمقراطي، حيث يبادر  المسؤول السياسي هناك عقب خروجه من الحلبة، وانخراطه في التقاعد، إلى استحضار ذاكرته، اعتمادا على ماتجمع لديه من وثائق وإرهاصات، تلقي الضوء على الزوايا المعتمة في حياته السياسية، التي لم يكن ممكنا الحديث عنها، خلال تقلده مسؤولية المنصب الوزاري أو القيادة الحزبية.
القادة الحزبيون  عندنا في المغرب لا يستقيلون من زعامة أحزابهم، مهما تسربت إليهم أمراض الشيخوخة، ولذلك لا يفكرون أبدا في  الجلوس إلى محاسبة أنفسهم، وممارسة نوع من النقد الذاتي، عبر تدوينه على الورق، قبل أن ” يتكفل بهم عزرائيل”، على حد  التعبير المبطن بالسخرية  للكاتب محمد الأشعري، وزير الثقافة المغربي سابقا.
قلة قليلة منهم، أمسكت بالقلم، أو أوعزت لمن يكتب نيابة عنهم، لافتقادهم ملكة الكتابة، ومسحت الغبار  عن ملفات وأحداث كانوا قد عايشوها، عن كثب، أو ساهموا في صنعها، بطريقة أو أخرى، حين كانوا يمسكون بزمام الأمور.
ومن بين هؤلاء  المرحوم عبد اللطيف الفيلالي،  الوزير الأول المغربي السابق، الذي أصدر كتابا، بعنوان ” المغرب والعالم العربي”، سلط فيه الأضواء على جانب من مسيرته السياسية، وهو الذي تحمل أيضا حقيبة وزارة الإعلام، وقاد السياسة الدبلوماسية لبلده كوزير للخارجية لعدة سنوات، كان خلالها في الواجهة، خاصة فيما يتعلق بتفاعلات ملف الصحراء المغربية، في فترة جد حرجة.
أما أحمد عصمان، الوزير الأول المغربي السابق، ومؤسس حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي سبق الفيلالي إلى  تسلم مهام الوزارة الأولى في “المشور السعيد” بالرباط، فما زال صامتا، مثل أبي الهول، إن جاز التعبير، رغم أن فترته السياسية اتسمت بالكثير من الأحداث، وضمنها المسيرة الخضراء، التي اعتبرت ” حدث القرن” آنذاك، وتولى قيادة المتطوعين فيها لاجتياز الحدود الوهمية، نحو الصحراء، بأمر من المرحوم العاهل المغربي الحسن الثاني يوم سادس نونبر 1975.
ولعل المرة الوحيدة، التي جلس فيها على ” كرسي الاعتراف” في حديث صحافي  مطول، على حلقات، هي تلك التي استضافه فيها الزميل سليمان الريسوني، على صفحات يومية ” المساء”، علما أن عصمان شخص متحفظ وكتوم جدا، ولا يكشف كل ما جعبته من معطيات، إلا بصعوبة بالغة.
و”الزعيم” الأخر، الذي ” أدلى بشهادته للتاريخ”، كما قيل عنه، هو المحجوبي أحرضان، الملقب ب” الزايغ”، والذي عايش فترة سياسية مهمة وحاسمة من تاريخ المغرب، إلى حين استقلاله، تقلد فيها عدة مناصب حساسة، يكفي أن تكون من بينها، وزارة الدفاع، قبل أن يؤسس صحبة رفيقه في جيش التحرير المرحوم عبد الكريم الخطيب، حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، وهي المذكرات، التي أثارت عاصفة من الغبار  والجدل حولها، خاصة لدى وصفه للجنرال الانقلابي محمد أو فقير، بأنه ” رجل وطني وكان عسكريا من أعلى مستوى”، واتهامه لأحد الرموز الحزبية، التي تحظى بالاحترام والمصداقية، محمد سعيد أيت ايدر، بأنه كان وراء اغتيال المقاوم المرحوم عباس المساعدي.
ولا يمكن غض الطرف ايضا عن محاولات أخرى في صنف المذكرات السياسية لأسماء لها وقعها في الذاكرة السياسية للبلاد، مثل  المقاوم والمناضل محمد الفقيه البصري، و المرحوم  الحاج أحمد معنينو، وغيرهما.
والمؤكد، أن لاأحد من واضعي المذكرات، كيفما كان موقعه، يملك الحقيقة المطلقة في تعاطيه مع الأحداث، من وجهة نظره الخاصة، لكن هذه المؤلفات يمكن أن تشكل أرضية ملائمة للنقاش السياسي، ومنطلقا للبحث والتحري، عبر إجراء الدراسات والمقارنات من طرف الباحثين والخبراء، الذين يملكون أدوات قراءة التاريخ السياسي في عمقه، استنادا إلى معيار الموضوعية والنزاهة، بمعزل عن الخضوع لأي مؤثر أخر.