الرئيسية / سلايد شو / هل ترشّد الرسائل الملكية سلوك بعض الفاعلين الحقوقيين تجاه مستقبل المغاربة؟!!
الملك محمد السادس

هل ترشّد الرسائل الملكية سلوك بعض الفاعلين الحقوقيين تجاه مستقبل المغاربة؟!!

درس ولا أبلغ، ذلك الذي تضمنته الرسالة الملكية للمحتفين بالذكرى الخمسين لاختفاء المهدي بن بركة، برسائلها المشفرة والواضحة، حول الطريقة الناضجة التي يجب على المغاربة، حكاما ومحكومين، التعامل بها مع تاريخهم، بنجاحاته وإخفاقاته، لتمكينهم من العيش “في حاضر آمن مستقر، والتوجه لبناء مستقبل أفضل، بكل ثقة وتفاؤل وأمل”.

بداية، لا بد من التأكيد على أن الرسالة بحد ذاتها، وقبل الاطلاع على محتواها، هي حدث غير مسبوق عربيا، يكرّس حالة “الاستثناء المغربي” عندما يتعلق الأمر بالتصالح مع الماضي، والتعامل معه دون التهرب منه، أو البقاء “سجين سلبياته”، بل وتحويله عبر عملية مصالحة عميقة بين مختلف مكونات وفاعلي هذا الماضي، إلى “مصدر قوة ودينامية لبناء مجتمع ديمقراطي”، وهو ما جسدته تجربة “الإنصاف والمصالحة” التي شكلت نموذجا مغربيا، غير مسبوق عربيا، للعدالة الانتقالية. رسالة كرست ما يعرفه المغاربة عن شجاعة ملكهم وصراحته وحزمه، وهو يتعامل مع حدث له من الصدى الإعلامي ما لاختفاء المهدي بن بركة، “دون عقدة أو مركب نقص” على حد تعبير الملك محمد السادس، الذي قدّر عاليا مكانة المهدي في قلوب جميع المغاربة، وخصاله كرجل سلم سعى، بطريقته ووفق قناعاته، إلى خدمة مصالح بلاده والنهوض بتنميتها وتقدمها، هو وباقي الفاعلين في تلك الحقبة من تاريخ المغرب المطبوعة بالصراعات والتقلبات، مؤكدا بوضوح أنه –أي الملك- ليس بصدد إصدار أحكام على مواقف الأطراف المختلفة، وأن ما يهمّه، هو عدم تجاهل المغاربة ما يلحقه استغلال أعدائهم لهذه القضية من أذى بصورة بلادهم، وهو ما يحتم على المهتمين بهذه القضية وغيرها من السياسيين والحقوقيين المغاربة، أن تكون مقارباتهم لهذا الملف برمته عنصر بناء للوطن وليس عنصر هدم له.

إقرأ أيضا: الملك يدعو إلى جعل قضية بنبركة في صالح الوطن ..للبناء وليس للهدم

إن التأمل في هذه العبارات الدقيقة المعبرة، وتوسيع أثرها لتشمل باقي القضايا الحقوقية التي يتوالى الجدل بشأنها في أوساط النخبة المهتمة والمعنية بهذا الشأن، دون إعارة ما يكفي من اهتمام لتبعاتها الداخلية وانعكاساتها الخارجية، يقودنا إلى إدراك عبثية منهج “كسب معركة ولو كان الثمن خسارة حرب!!”، وخطورة عدم الفصل بين المعارك الشخصية والمصالح الحقيقية للوطن والمواطنين. صحيح أن حرية التعبير مكفولة للجميع، لكن الحرية المنشودة هي الحرية المقترنة بالمسؤولية. صحيح أن التصالح مع الماضي يقتضي عدم إبقاء أي من تجاربه مبهما، لكن الأهم هو أن يتم ذلك وفق مقاربة “إصلاحية” تتوجه للمستقبل، لا “إنتقامية” مشدودة للماضي. صحيح أن المغرب دولة لا ينفصل طموح مواطنيها “الكوني” في الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية عن طموح باقي سكان الأرض، لكن الأصح هو التأكيد على أن المطالبة بالتطبيق الآلي للمواثيق الحقوقية الدولية، دون مراعاة لخصوصية الثقافة والاجتماع المحليين، هو خطير ومدمر، خطورة ودمار من يعتقدون أن هذه “الخصوصية” تخرج مواطنينا من قائمة من يحق لهم التمتع بهذه الحقوق المعترف بها دوليا، وتعفي القائمين على شؤوننا من تبعات تعطيلها، وإبقاء مواطن هذه الأرض العربية استثناء كونيا من التمتع بكرامته كإنسان.

للمزيد: “مناضلو حقوق الإنسان” عندنا… من يدفع ثمن “بطولاتهم”؟!!

إن المعادلة التي نراها محققة لمصالح الأوطان والمواطنين، يمكن قراءتها من بين سطور الرسالة الملكية البليغة: شجاعة الدولة في الاعتراف بحقوق مواطنيها كبشر، لهم كامل الحق في التفكير والتعبير، والتمتع بخيرات بلادهم على قدم المساواة، أمام قانون عادل يسري على الجميع بنفس الدرجة، ويعترف بنصيبه من التضحية بهذه الحقوق خلال عقود الصراع على السلطة التي تلت الاستقلال في مختلف البلدان العربية، مقابل شجاعة الفاعلين الحقوقيين والسياسيين بأن معتقدات غالبية الناس الدينية والثقافية ودفاعهم عنها، هو أمر يجب احترامه والرضوخ إليه، حتى لو تعارض مع قناعاتهم “الكونية”، والاعتراف بدورهم بنفس النصيب عن استمرار تعطيل هذه الحقوق، كأحد تبعات الصراع على السلطة في العقود التي تلت الاستقلال.

إن إيمان الناس، ودفاعهم عن منظومة قيمهم الحضارية العربية الإسلامية، ليس مجرد “وجهة نظر” نقبلها أو نتجاهلها، وليس “حقيقة علمية” يكفي أن نستحضر التجارب الكونية المخالفة لإثبات خطئها، كما أن حق بعض النخب الحقوقية والسياسية التي تشكل أقلية شديدة في المجتمع في امتلاك أفكار مغايرة، وحقهم في التعبير غير الصادم عنها، يحتم عليهم بالمقابل أن يحترموا قناعات الأغلبية، أليست هذه هي الديمقراطية يا “متعلمين يا بتوع المدارس؟؟!!”

ختاما، فمسؤولية ما ينعم به المغرب من استقرار حقيقي ليست مسؤولية الملك والحكومة بأجهزتها المتعددة وحدها، بل يجب أن يعضّدها التعامل المسؤول من قبل الأحزاب والهيئات الحقوقية والاقتصادية والنقابية والإعلامية والأهلية، وكذا اليقظة والوعي الجماهيريين. فالمغرب يخص الجميع، وحمايته مسؤولية الجميع، ولا يحق لأية جهة أن “تعبث” بنصيبها منه، أو “تخرّب” الجزء الذي تقف عليه من أرضه، لأن كل واحد من هذه الأطراف يقف على ثغر من ثغور الوطن، يحرسه ويمنع تسرب أي ضرر منه، يكون كفيلا بإغراق المركب برمته بمن عليه من ركاب، وهو أمر لن يتم السماح به بإذن الله ما دام التلاحم الحقيقي بين العرش والشعب قائما، وما دامت جهود المخلصين من الفاعلين في مختلف مجالات العمل الوطني موجودة.