الرئيسية / ثقافة وفن / ثاباتيرو: لا بد لإسبانيا من رعاية كل اتفاق بينها وبين المغرب من شأنه أن يعزز التعايش
1305

ثاباتيرو: لا بد لإسبانيا من رعاية كل اتفاق بينها وبين المغرب من شأنه أن يعزز التعايش

شهدت مدينة غرناطة الإسبانية مطلع الأسبوع المنصرم، حفل الإعلان عن تأسيس وافتتاح مشروع معرفي علمي جديد هو “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني”، الذي اشتركت في تأسيسه كأول كرسي من نوعه، كل من مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” والمؤسسة الأوروبية العربية للدراسات العليا، وجامعة غرناطة الإسبانية العريقة، كمحتضنة لمجالات البحث والدراسات، والتي سيضطلع بها الكرسي في توثيق أواصر التعاون والتلاقح الفكري والثقافي.

عرف حفل الإعلان عن افتتاح “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” حضور عدد كبير من شخصيات عالم الفكر والثقافة والبحث العلمي من إسبانيا والعالم العربي، كان على رأسهم كل من رئيس الوزراء الإسباني السابق “خوصي لويس ثباتيرو”، والدكتور يونس قنديل، رئيس مجلس أمناء مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، والدكتور “فرانسيسكو لودييرو”، رئيس جامعة غرناطة، والدكتورة “إينماكولادا ماريرو”، الأمينة التنفيذية للمؤسسة الأوروبية العربية للدراسات العليا، و”تيريزا خيمينيس بلشيس”، نائبة رئيس برلمان الأندلس، والدكتور محمد محجوب، وعمداء كليات كل من كلية الفلسفة والآداب، وكلية العلوم السياسية والاجتماعية، وكلية علوم التربية، وكلية الترجمة، وكلية علوم الإعلام والاتصال، وكلية الحقوق في جامعة غرناطة، ومديرو المعاهد والكراسي العلمية ومسؤولو فرق البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعة.

وحسب تقرير توصل موقع ” مشاهد” نسخة منه اليوم الجمعة، فقد أوضح رئيس الوزراء الإسباني السابق، “خوصي لويس ثاباتيرو” في كلمته بمناسبة اللقاء، أن “التعصب الديني يجب محاربته انطلاقاً من الإيمان الديني نفسه”، مؤكداً “أنه لا يوجد انحراف أكثر تناقضاً في مجال الحضارات الإنسانية من ذاك الذي يستخدم الإيمان الديني من أجل تبرير الحرب”، مشيرا إلى ضرورة رعاية إسبانيا “لكل اتفاق بينها وبين المغرب من شأنه أن يعزز التعايش”، ومشددا في الوقت ذاته، على ضرورة تخصيص إسبانيا في خضم هذه الفترات التي تعرف تنامي تيار الإسلام الراديكالي، دعمها واهتمامها الكامل لتونس والمغرب.

كما أكد في كلمته أيضا، أنّ “تونس هي البوابة والطريق الأساس” لهذا الاتجاه، إذ إنها البلد الأول ذو الأغلبية الإسلامية الذي طوّر دستوراً بخصائص ديمقراطية. في حين أن المغرب بدوره، يخطو خطوات مهمة نحو ضمان حقوق الإنسان. ولذلك، فإنه ليس هناك بلد أفضل من إسبانيا لدعم بلدان المغرب العربي في هذا الاتجاه.

كما اعتبر ثاباتيرو، في كلمته التي استأثرت باهتمام عدد كبير من الصحف ووسائل الإعلام الإسبانية ووكالات الأنباء، التي غطت فعاليات حفل افتتاح الكرسي بشكل واسع، أن “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” فرصة ثمينة لفتح آفاق جديدة أمام مبادرة تحالف الحضارات التي اقترحها على المجتمع الدولي، وتبنتها الأمم المتحدة في وقت سابق”، موضحا أن “المعرفة والثقافة قوة ناعمة ضرورية في عالمنا المعاصر، لتغيير الصور النمطية وترسيخ قيم السلم والتعايش، خصوصا وأن غرناطة قامت على مر تاريخها بدور جوهري في التفاعل الخلاق بين أتباع الأديان والثقافات”. كما ذكر ثاباتيرو في حديثه أيضا، بأن “آلاف الكلمات الإسبانية مشتقة من اللغة العربية”، وأضاف قائلا: “كان للثقافة الإسلامية ألقها وازدهارها، ونحن منتوج لها بشكل أو بآخر، فكثير من القيم الإنسانية التي تحث على التعايش ورثناها من الثقافة الإسلامية، ومن المهم أن يأتي كرسي دراسات الحضارة الإسلامية، ليرسخ ثقافة السلم والتعايش وليجدد هذا التفكير وهذا التواصل والتلاقي في مسار التلاقح بين الثقافتين الإسلامية والغربية”.

وختم ثاباتيرو محاضرته بالتأكيد على أهمية الإقرار بالتعددية الدينية والثقافية بوصفهما مصدري غنى، وبضرورة احترام الأديان والمعتقدات باعتبار ذلك مطلبا إنسانيا، داعيا إلى إنشاء “مجلس للأديان من أجل السلم” في إطار الأمم المتحدة، تكون مهمته نزع الشرعية عن كل عنف باسم الدين، من خلال إبراز القيم المشتركة بين الأديان، معتبرا أن التطرّف لا دين له، وأن السلم يرتبط ارتباطا وثيقا بالدِّين، ومشددا على أن التطرّف الديني يمكن مواجهته من خلال الدين نفسه، وذلك عبر إبراز القيم الدينية السامية التي توسع مساحات المشترك الإنساني، وتعزز التقارب بين الشعوب والثقافات، وهنا، يضيف ثاباتيرو، تكمن الحاجة إلى “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني”.

واتفق المتدخلون في حفل الافتتاح أن الهدف من إنشاء هذا الكرسي، في قلب جامعة غرناطة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى حوالي 5 قرون، لم يأت بمحض الصدفة، ولكن لأن سعي المؤسسين جاء ليتجه نحو إبراز القيم السامية للحضارة الإسلامية وإسهامها المتميز في مسيرة الحضارة الإنسانية، وفي تجديد الفكر الديني عامة والإسلامي خاصة، وفي إبراز التاريخ المشترك والقيم المشتركة بين الثقافتين الإسلامية والغربية، تعزيزاً لقيم السلام والعدل والاعتدال والوسطية والتعايش والتسامح والحوار بين أتباع الأديان والثقافات على أساس الاحترام المتبادل وتعزيز المشترك الإنساني، والتي تعتبر إسبانيا أحد أبرز وأهم وجوهه وتجلياته.

كما أن تأسيس هذا الكرسي الخاص بدراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني، يهدف أيضا إلى خلق وسيلة فاعلة للتحاور والتحليل الموضوعيين من خلال البحث العلمي والتعليم العالي ونشر المعارف ونقل التجارب الناجحة؛ وجعله كذلك مرجعاً علمياً واستشارياً لدى الجامعات والمؤسسات الأوروبية والإيبيرولاتينية في كل ما يتعلق بدراسات الحضارة الإسلامية واستراتيجيات بناء التعايش والتسامح والاعتراف بمشروعية الاختلاف واستثماره في ترسيخ قيم التعدد الثقافي، وتغيير الصور النمطية المتبادلة، ونبذ التطرف والعنف باسم الدين أو العرق أو اللون، وتأسيس فضاء لإحداث شبكات موضوعاتية للخبراء والمفكرين والباحثين ذوي الصيت العالمي من الجامعات الأوروبية والأمريكية والعربية، إسهاماً في ترسيخ قيم وشروط التعاون والتضامن والتعايش السلمي بين الشعوب، في إطار التنوع الديني والتعدد الثقافي من خلال الحوار الديني والتجديد الفكري والدراسات العلمية.

وقد صبت مداخلة الدكتور يونس قنديل، رئيس مجلس أمناء مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، الشريك الأساسي في رعاية الكرسي، في هذا الصدد، حيث أكد في كلمته بأن “إنشاء كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” مبادرة مهمة تنهل من معين العلم والاعتدال والوسطية والتلاقح الثقافي، ولذلك وجب استثمارها في بناء التعايش والتسامح والاعتراف بمشروعية الاختلاف، واستثماره في ترسيخ قيم التعدد الثقافي، وتغيير الصور النمطية المتبادلة بين الشعوب والثقافات، مشيراً إلى فضل الشرق في التأسيس للفكر الأوروبي والفلسفة الأوروبية، ومؤكداً أن الإسلام جزء من أوروبا بحكم تاريخه وموروثه وبحكم الواقع، مشدداً على أن انفتاح الإسلام على العصر، يجعله حاضنة وخزانا روحيا يوجه الإنسان نحو السلم والمحبة والتعايش مع الآخرين.

وأضاف الدكتور قنديل أن “السلم قيمة سامية كفيلة بتحقيق الاعتراف المشترك من أجل إشعاع حقيقي يواجه نزعتي التطرّف والإسلاموفوبيا اللتين تغذي كل منهما الأخرى، داعيا إلى تبني مقاربات تنأى عن أطروحات الصدام بين الثقافات، وتجعل المعرفة والحوار والتواصل مفاتيح للتعاون من أجل إيجاد حلول مشتركة لمشاكل العالم المشتركة بعيدا عن الثنائيات الصراعية الحدية، مشيراً إلى رمزية غرناطة والأندلس في هذا الإطار، باعتبار دورهما التاريخي في إبداع أحد أرقى نماذج التعايش الديني والتلاقح الثقافي بين الثقافتين الإسلامية والغربية.