بقلم: هيثم شلبي
في العاشر من شتنبر 2026، أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، ومنحت السفير الإماراتي مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد. جاء بيان الخارجية الجزائرية حاداً في لهجته، مبهماً في مضمونه: “تصرفات استفزازية وعدائية”، “تحذيرات عديدة”، “استنفاد جميع السبل”. لا حادثة محددة، لا تاريخ، لا اتهام قابل للتحقق. هذا الغموض المتعمد ليس صمتاً دبلوماسياً اعتيادياً، بل هو بحد ذاته معطى تحليلي: حين لا تستطيع دولة تسمية السبب الذي دفعها إلى قطع علاقاتها مع دولة أخرى، فإن ذلك يعني أن السبب الحقيقي أشد حساسية مما يمكن الإعلان عنه! وهنا يصبح السؤال الجدير بالطرح ليس ماذا قالت، بل ماذا أخفت.
الحجج المعلنة: قراءة نقدية
تتردد في التحليلات المتداولة حجتان رئيسيتان تُساقان لتفسير التوتر الجزائري-الإماراتي، وكلتاهما لا تصمد أمام الفحص الدقيق.
الحجة الأولى هي التطبيع الإماراتي مع إسرائيل عبر اتفاقيات أبراهام عام 2020. يستعير هذا التفسير شرعيته من الموقف الجزائري المُعلن الداعم للقضية الفلسطينية ورفض التطبيع. لكن الجزائر تحتفظ بعلاقات دبلوماسية كاملة مع مصر التي وقّعت معاهدة كامب ديفيد عام 1979، ومع الأردن التي أبرمت اتفاقية وادي عربة عام 1994، ومع البحرين والسودان اللتين انضمتا إلى اتفاقيات أبراهام ذاتها التي تتهم بموجبها الإمارات. لم تتأثر العلاقة الجزائرية مع أيٍّ من هذه الدول بتطبيعها مع إسرائيل. فإن كان التطبيع خطاً أحمر مبدئياً، فلماذا يُطبَّق على الإمارات دون سواها؟ الجواب أن “التطبيع” ليس مبدأً في الدبلوماسية الجزائرية، بل ورقة انتقائية تُستخدم ضد من تقتضي المصلحة استهدافه، وتوظيفها في هذا السياق يُفقدها أي ثقل تحليلي.
الحجة الثانية هي الموقف من ليبيا، حيث تُقدّم الجزائر نفسها مدافعة عن مبدأ “حل ليبي بأيدٍ ليبية” ورافضة للتدخل الأجنبي. والحقيقة أن هذا المبدأ لم يُطبَّق يوماً بصورة متسقة. فقد تدخلت تركيا في ليبيا بصورة مكثفة وعلنية: أرسلت قوات منتظمة ومرتزقة سوريين، ونشرت طائرات مسيّرة، وأسست قواعد عسكرية في الغرب الليبي، وأبرمت مع حكومة طرابلس اتفاقيات بحرية مثيرة للجدل. الجزائر لم تُعلّق على كل ذلك بكلمة واحدة. فإن كان التدخل الأجنبي في ليبيا خطاً أحمر، فلماذا التركي مقبول والإماراتي مرفوض؟
لذا نحاجج بأن السبب لا علاقة له بالمبادئ. الحضور التركي في غرب ليبيا، في طرابلس ومصراتة، لا يمس الحدود الجزائرية مباشرة. أما دعم الإمارات لقوات حفتر ودعم سيطرتها نحو الجنوب الليبي ومنطقة فزان، فهو يمس الحدود الجزائرية الجنوبية الشرقية مباشرة: ألف كيلومتر من الصحراء المفتوحة في منطقة غات وجانت وإيليزي، حيث لا سيطرة لأي حكومة مركزية ليبية، وحيث تتحرك الجماعات المسلحة والمرتزقة بين السودان وتشاد والنيجر ومالي بحرية تامة. وجود قوات حفتر المدعومة إماراتياً في هذا الشريط يعني وصول حضور إماراتي فعلي إلى أكثر حدود الجزائر هشاشة وانكشافاً أمنياً. هذا ليس خلافاً على مبدأ السيادة، بل هو رعب استراتيجي حقيقي تتجنب الجزائر الإفصاح عنه لأن الاعتراف به يعني الاعتراف بهشاشة حدودها الجنوبية.
النفوذ الإماراتي الحقيقي: ما لا تقوله الجزائر
لفهم عمق التوتر، لا بد من الانتقال من الحجج المُعلنة إلى الجغرافيا الاقتصادية. الإمارات لا تنافس الجزائر في الخطاب السياسي، بل تنافسها في الجغرافيا التي تعتبر الجزائر نفسها سيدتها الطبيعية.
في مالي يمثل ما تستخرجه شركات مرتبطة بالإمارات ما يزيد على ثمانين بالمئة من إنتاج البلاد من الذهب. هذا لا يعني مجرد علاقة تجارية، بل يعني أن أبوظبي تملك مفتاح إيرادات الدولة المالية وشبكة نخبها الاقتصادية والسياسية. الجزائر تطمح إلى دور الوسيط الأمني في مالي وتقديم نفسها حارسة استقرار الساحل، لكنها تجد أمامها دولة خليجية تمسك بالأوردة المالية لهذا البلد وتُحرّك نخبه عبر العقود لا عبر التصريحات.
في النيجر وبوركينا فاسو تتشعب العلاقات الاقتصادية الإماراتية في قطاعات التعدين والبنية التحتية، وتُبنى شبكات مصالح موازية لشبكات النفوذ الجزائري التقليدي القائم على القرب الجغرافي والتاريخ المشترك. في تونس يصل الحضور الإماراتي إلى قطاعات المصارف والعقارات والطاقة، ويمنح أبوظبي نفوذاً اقتصادياً في الجار الجزائري الأقرب، وهو نفوذ تعجز الجزائر عن مجاراته بأدواتها الاقتصادية الراهنة. في موريتانيا تحضر الإمارات في التعدين والصيد والبنية التحتية، وتبني حضوراً موازياً للنفوذ الجزائري في دولة تحاول باستمرار الإفلات من الهيمنة الجغرافية لجارتها الشمالية.
لكن العاملين الأشد إيلاماً للحسابات الجزائرية يتجاوزان النفوذ الاقتصادي العادي ليضربا في صميم الاستراتيجية الجزائرية بعيدة المدى.
أنبوب الغاز النيجيري المغربي، الذي تدعمه الإمارات، يُهدد بكسر احتكار الجزائر لمسارات الطاقة بين أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا. الجزائر تُدير اليوم بنية تحتية للغاز تمنحها ورقة ضغط استراتيجية على أوروبا وعلى دول المرور. أنبوب يسلك الساحل الأطلسي عبر دول غرب أفريقيا صعوداً إلى المغرب ومنه إلى أوروبا يُعيد رسم خريطة الطاقة الإقليمية على نحو يُقلّص هذه الورقة تقليصاً جوهرياً.
وميناء الداخلة الأطلسي، الذي تدعمه الإمارات وتشارك فيه، يُؤسس لمركز لوجستي بحري على الساحل الأطلسي للمغرب يُنافس مباشرة الموانئ الجزائرية، ويفك حصار الجغرافيا عن دول الساحل، ويجعل من الصحراء المغربية ركيزة في بنية نقل إقليمية لا يسيطر عليها الجزائر.
محاولة الفهم
حين تُجمع هذه الطبقات معاً تبدو الصورة أوضح. الجزائر لا تُعلن الحرب على الإمارات بسبب التطبيع مع إسرائيل، فتلك حجة مكشوفة تفضحها علاقاتها مع دول عربية أخرى فعلت الشيء ذاته. ولا تُعلنها دفاعاً عن مبدأ السيادة الليبية، فذلك المبدأ يصمت حين يكون المتدخل تركياً.
ما تُعلنه الجزائر هو خوفها الحقيقي: دولة خليجية ثرية تملك أدوات اقتصادية تفتقر إليها الجزائر، تتمدد بصبر وهدوء في كل دائرة تعتبرها الجزائر مجالها الحيوي، من الذهب المالي إلى الغاز النيجيري إلى الموانئ الأطلسية، وتدعم في الوقت ذاته مشاريع استراتيجية مغربية تضرب في مقتل الحسابات الجزائرية على المديين المتوسط والبعيد.
قطع العلاقات سلاح وحيد في يد نظام يفتقر إلى القدرة على المنافسة الاقتصادية. وهو يُحيّد من يستخدمه أكثر مما يُحيّد الخصم.
ماذا بعد: تكاليف القرار على الجزائر نفسها
لن يمر هذا القرار بلا تكاليف فورية على صاحبه قبل خصمه. الاستثمارات الإماراتية القائمة في الجزائر، في الموانئ والصناعة وقطاعات أخرى، ستدخل في حالة ضبابية قانونية وتشغيلية تُعطّل المسار الاقتصادي دون أن تُغيّر موازين النفوذ. والأثر الأخطر لن يكون في العلاقة الثنائية المباشرة، بل في الرسالة التي يحملها هذا القرار إلى بقية المستثمرين الخليجيين المحتملين: الجزائر شريك لا يمكن التنبؤ بمساره.
أما معركة كسر العظم المحتملة في تونس وموريتانيا ودول الساحل، فهي المشهد الذي يكشف الفارق الجوهري بين طرفي الأزمة. الجزائر تملك أدوات جغرافية وأمنية، وتستطيع توظيف قربها وثقلها الاستراتيجي لغة ضغط على محيطها. لكنها تفتقر إلى الأداة الأكثر فعالية في عالم اليوم وهي المال. تونس التي تعيش ضائقة مالية حادة لن تتخلى عن الاستثمارات الإماراتية نزولاً عند الرغبة الجزائرية، وموريتانيا التي تحتاج عقود البنية التحتية لن تُجازف بمصادر تمويلها الرئيسية. والإمارات التي تعمل بصبر استراتيجي بعيد المدى، لن تتراجع عن مواقعها في هذه الساحات، بل قد تُسرّع خطواتها فيها رداً هادئاً على القطيعة.
القطيعة الدبلوماسية تُصفّر العلاقة الرسمية لكنها لا تُصفّر الجغرافيا الاقتصادية. والإمارات لا تحتاج إلى سفير في الجزائر العاصمة لتواصل استيراد ذهب الساحل وبناء موانئ الأطلسي وتمويل البنية التحتية التونسية والموريتانية.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير