كيف تدار الجزائر؟

بقلم: هيثم شلبي

في مطلع الموسم الدراسي 2026-2027، استيقظ الجزائريون على قرار يقضي بإلغاء تدريس اللغة الفرنسية من السنة الثالثة ابتدائي وتأجيلها إلى السنة الرابعة، بالتوازي مع إعفاء بعض الشعب من اجتياز اختبار الفلسفة في البكالوريا.

لم تصدر وزارة التربية وثيقة تشرح الأساس البيداغوجي لهذا التحول، ولا الدراسة التي قيّمت أثره على تكوين التلاميذ، ولا حتى جدولاً زمنياً لتقييم نتائجه. كل ما حصل عليه الرأي العام كان تصريحاً لوزير سابق خاطب المنتقدين بلغة تقارب التأنيب: “الجزائر استعادت استقلالها سنة 1962، وهي دولة مستقلة وذات سيادة في قراراتها اليوم وغداً”، وأن القرار “لا يمكن التراجع عنه، أو مراجعته إلا في اتجاه تعزيزه”.

هذه الجملة الأخيرة هي مفتاح فهم كيف تدار الجزائر. القرار هنا لا يُطرح للنقاش، بل يُعلن كأمر واقع، ثم يُغلَق باب مراجعته سلفاً، وكل اعتراض عليه يُعاد تصنيفه فوراً كموقف “أيديولوجي” أو “حنين استعماري”، لا كرأي يستحق الرد بالحجة. الباحث التربوي الذي انتقد القرار وطالب بالإبقاء على الفلسفة بوصفها أداة لتكوين العقل النقدي، وجد نفسه متهماً بالدفاع عن هيمنة فرنسية قديمة، بينما ظل السؤال الأصلي معلقاً بلا جواب: ما الأساس العلمي لتأجيل لغة أجنبية عن الابتدائي فيما تُقدَّم لغة أجنبية أخرى؟ وما الذي يبرر إعفاء بعض الشعب من الفلسفة تحديداً دون مواد أخرى قائمة على الحفظ؟ لا أحد يعرف، لأن أحداً لم يُسأل.

القصة نفسها تتكرر حين يغادر الاقتصاد إلى قاعة اجتماع مجلس الوزراء. فمنذ سنة تقريباً رُفعت منحة السفر بالعملة الصعبة إلى 750 يورو، في قرار قُدّم وقتها كتيسير على المواطن. ثم، بعد أن كشفت السلطات “تجاوزات خطيرة” في استغلال المنحة من قبل سماسرة حوّلوها إلى أداة مضاربة في السوق الموازية، عاد رئيس الجمهورية بنفسه ليأمر، خلال اجتماع لمجلس الوزراء، بصرفها عبر بطاقة بنكية دولية بدل النقد. القرار الأول اتُّخذ من القمة، والقرار الثاني الذي عكسه جزئياً اتُّخذ من القمة أيضاً، وبينهما لم يطّلع المواطن على أي تقييم منشور يوضح كيف تحوّلت المنحة من تيسير إلى نزيف للعملة الصعبة، ولا لماذا لم تُستشرف هذه المخاطر من البداية.

صندوق النقد الدولي، في مشاوراته الأخيرة مع الجزائر، دعا إلى “ضبط مالي كبير” محذراً من اتساع عجز الحساب الجاري وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وهو تحذير مؤسسي واحد يكشف أكثر مما تكشفه عشرات البيانات الرسمية.

وفي الملف نفسه، أُقحم “المستورد الذاتي”، وهي صيغة استيراد مصغّر أُريد بها امتصاص جزء من الاقتصاد الموازي، لكن المرسوم التنفيذي الذي نظّمها اشترط فتح حساب بالعملة الصعبة لدى بنك الجزائر الخارجي، ورتّب على ممارسة هذا النشاط إقصاء صاحبه من منحة البطالة. أي أن الدولة تعرض على الشاب حلاً لمشكلة البطالة عبر الاستيراد، ثم تعاقبه على قبول العرض بحرمانه من شبكة الأمان التي كانت ستحميه لو فشل. هذا ليس تناقضاً عابراً، بل نمط متكرر: قرار يُصاغ استجابة لأزمة آنية، دون أن يُقاس أثره على القرارات المجاورة له في نفس المنظومة.

مدونة السير وقانون الأسرة يخضعان لنفس المنطق، وإن بدرجات متفاوتة، مشروع قانون المرور الجديد، بغراماته المشددة وأحكامه الجزائية الموسعة، طُرح دون تشاور مسبق مع من سيتحمل عبأه المباشر، فخرج سائقو النقل العام والتجاريون إلى الاحتجاج والتوقف عن العمل في عدة ولايات، حتى اضطرت الحكومة إلى التراجع الجزئي وحذف بعض الأحكام الجنائية من النص قبل تمريره، في اعتراف ضمني بأن الصياغة الأولى كانت، على حد وصف أحزاب المعارضة نفسها، “ارتجالية”.

أما قانون الأسرة، فقد أعاد فتح جدل عمره أربعون عاماً حين مرّر تعديلاً يلغي شرط إشعار الزوجة الأولى أو موافقتها على زواج ثانٍ، في وقت لا تزال فيه مطالب فاعلات المجتمع المدني بشأن الحضانة والولاية والمساواة في الميراث معلقة دون نقاش جدي، بينما تُمرَّر النصوص عبر مؤسسة تشريعية فقدت منذ سنوات قدرتها على أن تكون مسرحاً لنقاش حقيقي، بعدما تحوّلت الانتخابات التي تفرزها إلى إجراء شكلي يعاد التشكيك في نزاهته دورة بعد أخرى، وآخرها التحقيقات الجارية في شبهات تزوير التشريعيات التي طالت عشرات المتهمين في الجلفة وغيرها.

حين تفقد المؤسسة المنتخَبة مصداقيتها، يفقد معها القانون الذي تُقره أي غطاء تداولي، ويصبح مجرد نص نازل من السلطة التنفيذية بواسطة برلمان يُصدّق أكثر مما يُشرّع، ولا يتراجع عنه إلا حين يهدد الشارع بالشلل الفعلي لا بالاعتراض المبدئي.

هنا يصح استحضار الصورة التي ألهمت هذا المقال: الأنظمة العسكرية، حين تحكم، تميل إلى إدارة الشأن العام بمنطق أقرب إلى الجماعات المغلقة منه إلى المؤسسات، حيث تُتخذ القرارات في دائرة ضيقة لا تخضع لمساءلة خارجية، ولا تُلزم نفسها بتفسير مبرراتها لمن سيتحمل نتائجها. لكن الدقة تقتضي تعديلاً بسيطاً على هذه الصورة: لسنا أمام تنسيق محكم بقدر ما نحن أمام غياب أي آلية تداول بين القرار والمواطن.

القرار لا يُبرَّر لأنه لا يحتاج إلى تبرير أصلاً في منظومة لا تُساءَل فيها السلطة التنفيذية من مؤسسة مستقلة، لا قضائية ولا تشريعية ولا إعلامية. وهذا الفراغ بالذات هو ما يفتح الباب لمعارضة لا تقل ارتجالاً عن القرار نفسه: معارضة تنطلق من موقف مسبق تجاه فرنسا أو تجاه الهوية أو تجاه السلطة، لا من قراءة فنية للقرار وأثره، فتتحول المعركة إلى مباراة في المواقف الجاهزة بدل أن تكون تقييماً للسياسات.

أما ارتجالات الرئيس تبون، فهي أصعب من أن تُحصر لأنها ليست استثناءً في هذا النمط بل تجسيده الأوضح: من منحة السفر إلى المستورد الذاتي، مروراً بحزمة القرارات التربوية، تتكرر البنية نفسها في كل مرة. قرار يُتخذ من القمة استجابة لضغط لحظي، تُغلَق مراجعته سلفاً بخطاب السيادة أو الاستعجال، ثم يُصحَّح جزئياً حين تظهر أعراضه الجانبية، دون أن يُعلَن في أي لحظة أن القرار الأول كان خطأً يستحق المراجعة الصريحة. النتيجة اقتصاد مثقل بقرارات متراكمة لم تُحسّن المشهد الاجتماعي، وشارع يعيش من أزمة تصحيح إلى أزمة تصحيح، دون أن يُستشار في أي منها، ودون أن يُقال له، ولو مرة واحدة، لماذا.

هكذا تُدار الجزائر: لا بمنطق المؤسسة التي تفسر لنفسها قبل أن تفسر لمواطنيها، بل بمنطق الغرفة المغلقة التي تحسم ثم تنتظر أن يصفق الجميع، وحين لا يصفقون، تُذكّرهم بأن الاستقلال حصل سنة 1962. سؤال واحد يبقى معلقاً فوق كل هذه القرارات: كم من استقلال يحتاجه شعب حتى يُسمح له بأن يسأل حكومته “لماذا”؟

اقرأ أيضا

كريستيانو رونالدو يتوج علاقته بجورجينا رودريغيز بالزواج

أعلن النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو زواجه من شريكته عارضة الأزياء والمؤثرة جورجينا رودريغيز، في حفل …

طعنتها بسبب الميراث.. 7 دولارات تتسبب في جريمة بين شقيقتين في سوريا

تحوّل خلاف عائلي على مبلغ مالي لا يتجاوز 350 ليرة تركية، أي ما يعادل بين …

الاتجار في المخدرات الصلبة

توقيف فرنسيين من أصول مغربية لتورطهما في مقتل شاب بمارينا السعيدية

تمكنت عناصر الأمن الوطني بمعبر بني أنصار بالناظور بتنسيق مع نظيرتها بالسعيدية، مساء أمس الثلاثاء، من توقيف فرنسيين من أصول مغربية، يبلغان من العمر 31 و 34 سنة، وذلك للاشتباه في تورطهما في قضية تتعلق بتبادل العنف والضرب والجرح المفضي إلى الموت.