بقلم: هيثم شلبي
ثمة أسلوب فريد في فن الحكم الجزائري، لا يحسنه كثيرون في المنطقة: حين يرتفع سعر الطماطم ارتفاعاً يُشعل الأسواق، تُقرر الدولة مضاعفة كتلة الأجور. حين يمتلئ شهر رمضان بمشاجرات المواطنين مع باعة الخضر، تنعقد اجتماعات وزارية طارئة لـ”رصد الأسعار”. وحين تتراكم الأسئلة عن القدرة الشرائية، يطل عليك مسؤول من شاشة التلفزيون الرسمي ليُطمئنك بأن الناتج الداخلي الخام يتجه نحو 400 مليار دولار.
التناقض ليس عَرَضاً عابراً. إنه المنهج.
الأرقام الرسمية وفن الطمأنة الزائفة
كل شيء يبدو على ما يرام في الرواية الرسمية. الرئيس عبد المجيد تبون يتحدث عن نمو اقتصادي يقترب من 4%، وعن تراجع للتضخم إلى 2.8% مقارنة بـ 9% في عام 2019، وعن توازنات مالية محفوظة رغم تراجع أسعار النفط. الحكومة من جهتها تُعلن أن ميزانية 2026 خصصت ما يزيد عن 5 مليارات دولار لدعم المواد الاستهلاكية الأساسية، وأن كتلة الأجور قفزت إلى 5926 مليار دينار، أي ما يعادل 44 مليار دولار، تمثل ثلث ميزانية الدولة بأكملها، مع زيادة 14% عن السنة الماضية.
الورق يتحمل كل شيء.
لكن الشارع الجزائري في مارس 2026، وبالتحديد خلال أسابيع رمضان التي تُعدّ مرآة لا تكذب لأحوال الأسرة الجزائرية المعيشية، لم يكن يقرأ الأرقام الرسمية. كان يقرأ ملصقات الأسعار في الأسواق. وما قرأه جعله يُشهر يده أحياناً في وجه البائع لا تبضيعاً بل احتجاجاً. تقارير متعددة وثّقت مشادات في الأسواق الشعبية وعجز أسر واسعة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، في بلد يُعلن رسمياً أن التضخم في حدوده الدنيا. الظاهرة لم تُفاجئ المتابعين: الدينار الجزائري يواصل تراجعه الصامت أمام العملات الأجنبية، مما يُضخم قيمة كل ما يدخل عبر الاستيراد، وهو ما يشمل جزءاً كبيراً من الغذاء الجزائري رغم كل خطابات السيادة الغذائية.
الزيادات التي تُفقد قيمتها قبل أن تصل
لفهم المفارقة الجزائرية يكفي التأمل في المنطق التالي: الدولة تُقرر زيادات في الأجور بنسبة تفوق 50% تراكمياً خلال سنوات تبون، لكن القدرة الشرائية الفعلية لا تُحس بهذا الارتفاع. كيف يكون ذلك؟
الجواب بسيط ولا يحتاج إلى خبير اقتصادي: حين يتضاعف الراتب ويتضاعف معه سعر كل شيء، لم يحدث شيء. الفرق أن الزيادة في الراتب تُصرَّح بها وتُوثَّق وتُستعمل إعلامياً، أما الزيادة في الأسعار فتلاحق المواطن في صمت يومي لا مؤتمر صحفي يُعلنه. وهنا يكمن جوهر الحيلة السياسية: تُشهّر الزيادة في الوجه الإيجابي وتتجاهل تآكلها اليومي، فتحصل على عنوان دعائي براق وواقع معيشي يسير في الاتجاه المعاكس.
المعادلة الأكثر قسوة هي معادلة الأجور في مواجهة عجز الميزانية. النظام الجزائري يُنفق على الأجور ثلث ميزانيته، فيما يبلغ العجز الاسمي الإجمالي نحو 74 مليار دولار وفق تقديرات متداولة. يعني ذلك أن الدولة تدفع أجوراً لا تستطيع تمويلها إلا من احتياطيات نفطية تتآكل حين تنخفض أسعار البرميل، مما يجعل كتلة الأجور هذه رهاناً ريعياً لا نتاجاً لاقتصاد منتج. وحين تتراجع الإيرادات النفطية، يبدأ الضغط التضخمي على العملة والأسعار، ويدفع المواطن الفاتورة بلا أن يحصل على إشعار رسمي بذلك.
حين يُصبح البرلمان مسرحاً للطمأنة
قبل أسابيع قليلة من كتابة هذه السطور، دعا تبون الجزائريين إلى انتخابات تشريعية مقررة في الثاني من يوليو 2026. الانتخابات التي جرت عام 2021 لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 23%، أي أن ثلاثة من كل أربعة جزائريين اختاروا عدم المشاركة في صنع قرارهم السياسي. ولم تُنتج تلك الانتخابات أي تغيير ذي معنى في التوجهات الاقتصادية أو الاجتماعية.
اليوم يُدار المشهد بطريقة مختلفة: قانون الأحزاب الجديد يُجرّم فعلياً ما كان آخر ورقة للمعارضة، أي المقاطعة، بربط الوجود القانوني للأحزاب بالمشاركة الإلزامية في الانتخابات. والهدف المُعلن للحملة الانتخابية الحالية هو “الفصل بين المال والسياسة وتحسين صورة الديمقراطية”. أما الهدف الضمني فيقرأه كل متابع: رفع نسبة المشاركة ولو قليلاً لإضفاء مشروعية شكلية على برلمان ستُحدد مآلاته خارج أسوار مجلس الأمة. الاقتصاد والمعيشة ليسا غائبَين عن خطاب الحملات، لكنهما حاضران كمادة للوعد لا كسياسات قابلة للمحاسبة.
هذا السياق السياسي ليس ترفاً تحليلياً، بل هو ما يفسر توقيت زيادات الأجور والإعلانات الاجتماعية: كتلة الأجور المنتفخة وزيادة دعم السلع الأساسية لم تأت في فراغ، بل جاءت في موسم انتخابي يحتاج النظام فيه إلى واجهة اجتماعية مقبولة. الصدفة في هذا النظام نادرة.
الاقتصاد الموازي: الدولة الثانية التي لا تُذكر
لعل الأرقام الأكثر صدقاً عن الاقتصاد الجزائري ليست تلك التي يُعلنها بنك الجزائر أو وزارة المالية، بل تلك التي تكشف عن حجم ما يجري خارج إطارهما. تقديرات موثوقة تُشير إلى أن الاقتصاد الموازي يمثل ما يقارب ثلث الناتج الداخلي الخام الرسمي، وأنه يستحوذ على نحو 65% من أسواق السلع الاستهلاكية، بما يعادل نحو 60 مليار دولار تتدفق خارج أي رقابة مصرفية أو جبائية.
هذه الكتلة النقدية الضخمة التي تسري في شرايين غير رسمية تجعل كل سياسة نقدية يتبناها البنك المركزي ناقصة الأثر. حين تُعلن الحكومة عن خفض التضخم، فهي تتحدث عن الاقتصاد الرسمي الذي لا يمثل إلا جزءاً من الحقيقة. والمواطن الذي يتسوق في أسواق غير رسمية ويدفع بنقود خارج الجهاز المصرفي، يعيش في اقتصاد مختلف تماماً عن ذلك الذي تصفه البيانات الرسمية بأنه في “مرحلة اقتصادية حاسمة”.
وحتى هنا لم تُفلح المعالجات الحكومية. قانون الصرف الصارم، حملات مصادرة العملة الصعبة، تشديد الرقابة الجمركية الذي تضمنه قانون المالية 2026، كلها تعالج الأعراض لا الجذور. الجذر هو اقتصاد لا يُنتج ما يكفيه، يستورد ما يأكله، ويموّل كل ذلك بعائدات هيدروكربونية خاضعة لسياق دولي لا يملك التحكم فيه.
سيادة غذائية بلا غذاء مستقر
في كل خطاب رسمي جزائري تُطل كلمتان لا تتأخران: “السيادة الغذائية”. البلاد يُعلن قادتها أنها تسير نحو الاكتفاء الذاتي في القمح الصلب، وأن 400 ألف هكتار خُصصت للزراعة الصحراوية، وأن الأيام المقبلة ستُنهي التبعية للأسواق الدولية. في المقابل، الجزائر لا تزال من أكبر مستوردي القمح في العالم، وفاتورة الغذاء تُثقل ميزانها التجاري سنة بعد سنة، والمشاريع الزراعية الكبرى في الجنوب تحتاج عقوداً لا سنوات حتى تبلغ أهدافها المُعلنة.
الهوة بين الخطاب والواقع ليست مجرد مسألة تقنية زراعية. إنها كاشفة عن أسلوب حكم يُفضل الخطاب الملهم على السياسة الصبورة، ويحتاج كل يوم إلى تلميع الصورة أمام مواطن يحس في جيبه ما لا تعترف به الإحصاءات. حين يُصبح خطاب “السيادة الغذائية” وسيلةً لتغطية فاتورة الاستيراد المتصاعدة، فذلك ليس تناقضاً عابراً بل وصفة ثابتة في طهي الوعي الجمعي.
ما الذي تُخفيه الزيادة الكبيرة في الأجور؟
الإجابة الصريحة هي أنها لا تُخفي شيئاً، بل تُؤجّل شيئاً. النظام الجزائري يستعمل كتلة الأجور كأداة ضغط اجتماعي وقائي، لا كمحرك اقتصادي. الزيادة تأتي في كل مرة يرتفع فيها منسوب الاستياء الشعبي، وتُصاغ دائماً بلغة الانتصار: “إنجاز تاريخي”، “أعلى مستوى في تاريخ الجزائر”. ثم يكتشف المواطن خلال أشهر أن الزيادة التهمتها الأسعار التي لم تُعلنها وزارة.
ما يجعل المشهد مقلقاً أعمق من مجرد أزمة قدرة شرائية هو الهيكل الذي أنتجه. دولة تُخصص ثلث ميزانيتها للأجور، وتُبقي على دعم ضخم للسلع الأساسية، وتتكبّد عجزاً يُقدَّر بعشرات المليارات، كل ذلك تموّله عبر ريع نفطي وغازي في سوق متقلبة لا تسمح له بالتحكم في أسعاره، يبني نموذجاً لا يصمد حين تتراجع العائدات. وقد تراجعت بالفعل: صادرات الغاز المسال خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 سجلت تراجعاً بنسبة 5% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
النظام يعرف هذا. لذا لا تجد لدى القيادة الجزائرية إجابة هادئة وواثقة لسؤال: ماذا يحدث حين ينخفض سعر برميل النفط عن 60 دولاراً؟ ما تجده هو خطاب عن التنويع الاقتصادي يتكرر منذ عقود دون أن ينعكس في بنية الصادرات غير الهيدروكربونية التي تظل هامشية رغم كل الوعود.
الانكشاف الهيكلي: حين لا يكفي الغاز
الأرقام الأحدث لا تُبشّر بالاطمئنان حتى على المدى القريب. صادرات الغاز المسال خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 سجّلت تراجعاً بنسبة 5% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. وهذا في سياق لا يزال فيه الغاز والنفط يُموّلان الحصة الأكبر من الإنفاق العام. وإذا كانت هذه التراجعات الطفيفة لا تُحدث زلزالاً فورياً، فإنها تُراكم ضغطاً يصعب احتواؤه حين يتحول إلى ظاهرة ممتدة.
المشكلة أعمق من تذبذب في أسعار الطاقة. الجزائر لم تنجح حتى الآن في مساعي تنويع اقتصادها رغم عقود من الخطاب في هذا الشأن. الصادرات خارج المحروقات تبقى هامشية في الميزان التجاري. والاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات غير النفطية لم يبلغ بعد الحجم الكافي لخلق بديل فعلي. المشاريع الكبرى كغارا جبيلات للحديد ومشاريع الزراعة الصحراوية تحتاج سنوات لإنتاج أثر قابل للقياس، وحتى ذلك الحين يبقى الاقتصاد أسيراً لمعادلة لم تتغير: برميل النفط أولاً وأخيراً.
هذا الانكشاف يُفسر السلوك الحكومي الظاهر تناقضاً: الإنفاق الاجتماعي المتصاعد في مواجهة عجز متنامٍ. ليس ذلك جهلاً اقتصادياً بل خياراً سياسياً مدروساً. التخفيض الحاد في الإنفاق الاجتماعي يعني استياءً شعبياً قد يُفضي إلى حراك من نوع ما، والحراك ذكرى لا يريد النظام إعادة تنشيطها. فيُختار التأجيل: ادفع الآن واستدن من الاحتياطيات، وابحث لاحقاً عن مخرج.
المشكلة في هذه الاستراتيجية أن “لاحقاً” يقترب.
خاتمة: حين تُصبح الزيادة في الأجور خبراً وتُصبح الأسعار قدراً
النظام الجزائري أتقن معادلة بسيطة: ما تُقرره الدولة هو “إنجاز” تُعلنه، وما يفرضه السوق هو “ظرف” تتجاهله. الزيادة في الرواتب تحتل الصفحات الأولى، وارتفاع أسعار الطماطم يذوب في خبر عابر في آخر النشرة. المواطن الجزائري لا يحتاج إلى اقتصادي ليشرح له ما يجري، يحتاج فقط إلى ورقة ومقارنة بين فاتورة التسوق في رمضان 2024 وفاتورة رمضان 2026.
الخلاصة لا تحتاج إلى تعقيد: اقتصاد لا يُنتج ما يكفيه، عملة تتراجع بصمت، اقتصاد موازٍ يبتلع ثلث الحجم الحقيقي، وإنفاق عام ممول بعائدات يحددها سوق لا تتحكم فيه الجزائر، لا يعالجه ارتفاع في كتلة الأجور مهما كان رقمه. يُعالجه فقط اقتصاد منتج يخلق قيمة حقيقية لا أرقاماً مُعلنة.
لكن هذا يحتاج شيئاً لا يملكه النظام الجزائري اليوم: رؤية تتجاوز أفق الانتخابات القادمة.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير