خرائط على رمال: حين يتحول طريق تشاد وسكة النيجر إلى دعاية جيوسياسية

بقلم: هيثم شلبي

ثمة نمط متكرر في أسلوب الإعلام الرسمي للنظام العسكري الجزائري يمكن توصيفه بدقة: كلما اشتد الضغط الخارجي وتآكل النفوذ الإقليمي، ارتفع منسوب “المشاريع القارية الكبرى” في نشرات الأخبار. وهي قاعدة تكاد تكون رياضية في انتظامها. فبعد أن شهدت الساحة الساحلية الإفريقية انتكاسات دبلوماسية متتالية للجزائر، تصدرت الواجهةَ الإعلاميةَ عناوينُ احتفالية عن “طريق عابر للصحراء يصل الموانئ الجزائرية بأعماق تشاد”، ومشروع “سكة حديد تاريخية” تخترق الكثبان نحو نيامي. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل هذه المشاريع مفيدة نظرياً؟ بل: لماذا الآن، وبأي موارد، وأمام أي واقع؟

حين تصبح بضع كيلومترات دليلاً على الريادة القارية

لا يُكلف الخطاب الرسمي الجزائري نفسه عناء التدقيق في الأرقام، ولا يتوقع من جمهوره الداخلي أن يفعل ذلك. فالحديث المُحتفى به عن “مقاطع طرقية تشادية” يتناسى الإشارة إلى أن ما يجري تنفيذه أو التخطيط له لا يتعدى عشرات الكيلومترات (قرابة 90 كم)، في حين أن الربط الفعلي بين الموانئ الجزائرية والعمق التشادي يستلزم آلاف الكيلومترات من بنية تحتية تمر عبر أوعر التضاريس الصحراوية وأشد المناطق اضطراباً أمنياً في القارة. ما يُقدَّم كـ “فتح استراتيجي” ليس في حقيقته سوى مقطع طرقي يفتقر إلى الامتداد والاتصال، على غرار من يبني الرصيف الأول في مشروع جسر ويعقد مؤتمراً صحفياً للإعلان عن ربط القارتين.

وينطبق الأمر ذاته على مشروع السكك الحديدية نحو النيجر. فمد خط حديدي عابر للصحراء الكبرى ليس قراراً يُتخذ في اجتماع وزاري ويُنفَّذ بمرسوم رئاسي، بل هو مشروع هندسي من الدرجة الأولى من حيث التعقيد والتكلفة، يتطلب استثمارات تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وجداول زمنية تمتد لعقود، وضامنين دوليين يملكون الشهية للمجازفة في منطقة تحتل قائمة أكثر بؤر العالم هشاشةً أمنياً. وهنا يغدو السؤال الجوهري: من يموّل؟ وهو سؤال لا تجد له الرواية الرسمية جواباً، لأن الجواب الصادق سيكشف أن الميزانية الجزائرية المنهكة بفواتير الدعم الاجتماعي والإنفاق العسكري المتضخم لا تملك ترف تمويل مغامرة بهذا الحجم.

خريطة الواقع: ثلاث عقبات تطرد الوهم

بعيداً عن منطق الخطاب، تحكم على هذه المشاريع ثلاث حقائق بنيوية يصعب الالتفاف عليها:

الحقيقة الأولى تتعلق بالمشهد الأمني في الساحل. إن أي طريق بري أو خط حديدي يربط الجزائر بتشاد لا بد أن يمر عبر الأراضي النيجرية والمالية، وهي مناطق تعيش منذ سنوات في فوضى مركّبة تتشابك فيها الانقلابات العسكرية، وتعدد الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب العابرة للحدود، وغياب الدولة المركزية عن مساحات شاسعة من التراب. في هذا السياق، الحديث عن صيانة منتظمة لسكة حديدية أو تسيير قوافل تجارية بعيداً عن رقابة الدولة هو مجازفة لا تُقبل في حسابات التأمين الدولية، ناهيك عن الحسابات الاقتصادية الأساسية.

والحقيقة الثانية أن الجزائر ليست الفاعل الوحيد في هذا الفضاء، بل ربما لم تعد الأكثر جاذبية. فروسيا توظف حضورها العسكري والأمني عبر أذرعها المتعددة لبناء نفوذ متجذر في عواصم الانقلاب الساحلية. والصين تبني وتستثمر بهدوء ومنهجية دون ضجيج. أما المبادرة الأطلسية التي تدفع بها المملكة المغربية لفتح منافذ بحرية أمام دول الساحل الحبيسة عبر الساحل الأطلسي فتحظى بقبول متنامٍ لدى النخب الحاكمة الجديدة التي باتت تنظر إلى الوصاية الجزائرية التقليدية بعين الريبة لا الامتنان. إن وزن الجزائر في معادلة الساحل آخذ في التراجع، والإعلان عن مشاريع عملاقة لا يُعوّض الحضور الفعلي المتراجع.

والحقيقة الثالثة هي الأكثر إحراجاً لأنها تخص البيت الجزائري ذاته. فالموانئ الجزائرية تعاني من اختناق لوجستي مزمن وتُدار بعقلية بيروقراطية متثاقلة تجعلها أدنى تنافسية من موانئ إقليمية أقل حجماً بكثير. والمنظومة المصرفية الجزائرية تفتقر إلى المرونة والانفتاح اللازمين لتسيير معاملات التجارة الدولية بالسرعة والكفاءة المطلوبتين. والبيئة القانونية للاستثمار لا تزال مُنفِّرة لرؤوس الأموال الأجنبية. ودولة لا يستطيع مستثمرها الخاص فتح اعتماد مستندي دون معوقات بيروقراطية متراكمة لا يُتوقع منها أن تُحوّل نفسها إلى مركز عبور إقليمي تستقبل تجارة القارة وتُعيد توزيعها.

الوظيفة الحقيقية: تغطية التراجع الدبلوماسي

ما يكشفه التوقيت أكثر مما تقوله التصريحات. فالتصعيد الإعلامي حول “المشاريع القارية” جاء في أعقاب سلسلة من الانتكاسات المتلاحقة: سقوط اتفاق السلم والمصالحة في مالي وخروج الجزائر من الملف، وتراجع النفوذ الجزائري في نيامي لصالح تحالفات جديدة أبعد ما تكون عن المنطق الجزائري التقليدي، وتصاعد الشعور لدى حكام الساحل الجدد بأن الوصاية الجزائرية المعهودة لم تُقدِّم فاتورة خدمات تبرر استمرارها. في هذه اللحظة بالذات، تبرز “طرق تشاد” و”سكك النيجر” كأدوات خطاب تُعيد رسم صورة القوة الإقليمية الضاربة أمام الجمهور الداخلي، وتُوحي للخارج بأن الجزائر لا تزال تمسك بخيوط الحضور. وكلا الغرضين إعلامي بامتياز، ولا علاقة له بالجدوى الهندسية أو الاقتصادية للمشاريع المُعلنة.

خاتمة: البنية التحتية لا تُبنى بالبيانات

ثمة درس ثابت في تاريخ مشاريع البنية التحتية الكبرى عبر العالم: إنها تتطلب استقراراً سياسياً، وأمناً مستداماً، وتمويلاً حقيقياً، وبيئة اقتصادية داخلية قادرة على استيعاب الزخم وإدارته. حين تتوفر هذه الشروط تُبنى الطرق والسكك الحديدية لأنها مجدية. وحين تغيب، لا يُعوّض غيابها بمؤتمرات صحفية ولا بعناوين رنانة في النشرات الرسمية.

ما يعلنه النظام العسكري الجزائري في هذا الملف ليس مشروعاً قابلاً للتنفيذ بالمعايير المتعارف عليها، بل هو بالأحرى خريطة رسمها شخص بيده ثم ادّعى أن التضاريس ملزمة باتباعها. ورمال الساحل المتحركة لا تُفرّق عادةً بين خرائط الجغرافيين وخرائط الدعاية، فتذرو كلتيهما بنفس الاستواء، وإن كانت خرائط الدعاية تُذرى بصخب أكبر!

اقرأ أيضا

مصنوعة من نيزك عمره 4.5 مليار سنة.. سر ساعة رولكس دايتونا بسعر 110 آلاف دولار

في عالم الساعات الفاخرة، حيث تتنافس العلامات الكبرى على تقديم أندر المواد وأكثرها تميزاً، تبرز …

بوروندي تجدد تأكيد دعمها الثابت والراسخ للوحدة الترابية للمغرب

أكدت جمهورية بوروندي، الجمعة 19 يونيو، مجددا دعمها الثابت والراسخ للوحدة الترابية للمغرب ولسيادته على …

بدون كلمة واحدة.. Levi’s تحوّل حظر “فيفا” إلى أقوى حيلة تسويقية في كأس العالم

نجحت شركة الأزياء العالمية الشهيرة “Levi’s” في تحويل القوانين الصارمة للاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) …