بقلم: هيثم شلبي
ثلاثمئة واثنان وأربعون يوماً. هذه هي المدة الكاملة التي أمضاها العميد عبد القادر آيت وعرابي، المعروف بـ”الجنرال حسان”، على رأس المديرية العامة للأمن الداخلي الجزائرية قبل أن تطوله المقصلة في الثامن عشر من مايو 2026. أقل من عام. وهو رقم لا يثير الدهشة في حد ذاته لو جاء معزولاً، لكنه حين يُوضع في سياق السجل الكامل لهذا الجهاز منذ 2019، يتحول إلى شهادة إدانة صارخة لنظام يستهلك قياداته الأمنية بالجملة.
منذ أن تسلّم تبون السلطة مطلع عام 2020، وكرسي المديرية العامة للأمن الداخلي يُبدّل أصحابه كما يُبدّل المسافر ملابسه. واسيني بوعزة، ثم عبد الغني راشدي، ثم جمال كحال مجدوب، ثم عبد القادر حداد “ناصر الجن”، ثم الجنرال حسان، وأخيراً منير زاهي الذي نُصِّب في الحادي والعشرين من مايو 2026 بإشراف شخصي من الفريق أول شنقريحة. ستة مدراء في سبع سنوات. رقم يعجز الخطاب الرسمي عن تسويقه مهما بلغت براعة ماكينة الدعاية.
استدعاء من المقبرة السياسية
لفهم دلالة إقالة الجنرال حسان، لا بد من استيعاب طبيعة تعيينه أصلاً في مايو 2025. الرجل لم يكن مرشحاً اعتيادياً يُسحب من قائمة انتظار. كان شخصية سُجنت عام 2015 بتهم “مخالفة التعليمات العسكرية وإتلاف وثائق رسمية” في عهد قائد الأركان الراحل أحمد قايد صالح، وأمضى ثلاث سنوات خلف القضبان. أُعيد تأهيله لاحقاً بعد وفاة قايد صالح وتغير موازين القوى، لكنه ظل في هامش الصورة حتى اللحظة التي قرر فيها شنقريحة ومحيطه سحبه من رفوف الأرشيف وتنصيبه مديراً لأكثر أجهزة الدولة حساسية.
اللجوء إلى رجل من هذه الخلفية لا يُفسَّر إلا بمعنى واحد: العجز عن إيجاد البديل من الكوادر المتاحة. كان جهاز الأمن الداخلي يعيش ارتجاجاً حقيقياً في أعقاب قضية سلفه “ناصر الجن”، الذي فرّ على قارب تهريب نحو الشواطئ الإسبانية في سبتمبر 2025 بعد أشهر قليلة من إقالته، ليُعاد اعتقاله بعد ثمانية وعشرين يوماً ويُودَع سجن البليدة العسكري. مدير مخابرات سابق يفرّ بطريقة الحراقة ويُعتقل لاحقاً خارج البلاد، هذه الصورة وحدها تقول ما لا تقوله وثائق رسمية.
في ذلك الجو المشحون، استُدعي الجنرال حسان ليضع يده على جهاز خائف من نفسه. خبرته في التسعينيات، حين قاد لأعوام عديدة عاماً وحدة أمنية ميدانية تابعة للمخابرات العسكرية واشتُهر بفعاليته في ملاحقة التنظيمات المسلحة، جعلت منه الخيار الوحيد المتاح في لحظة طارئة. استدعاء اضطراري من مقبرة سياسية، لا اختياراً مدروساً من رصيد مؤسسي معافى.
ثلاثمئة واثنان وأربعون يوماً: ما الذي حدث؟
الرواية الرسمية تقول إن الإطاحة بالجنرال حسان واستخلافه بنائبه اللواء منير زاهي جاءت في سياق “التداول القيادي المنظم” وتعزيز “الأساليب التكنوقراطية الحديثة”. وهي لغة يجيد النظام الجزائري صياغتها كلما أراد تغليف قرار مفاجئ بورق السيلوفان المؤسساتي.
لكن قراءة المشهد من زاوية موازية تكشف منطقاً مختلفاً. حين يُستدعى رجل من مدرسة “جناح توفيق مدين” ليُنظّف الجهاز ويُعيد ضبط خيوطه الداخلية، فإن توقيت التخلص منه يأتي فور أن يؤدي هذا الدور. اللحظة التي يُتقن فيها رجل الحرس القديم تنظيف البيت وإعادة ترتيبه، تنقلب الحسابات: لم يعد أداةً مفيدة، بل صار مركز نفوذ محتمل ينتمي إلى شبكة علاقات قديمة لا يُطمأن إليها. الإقالة إذن ليست عقاباً على فشل، بل هي إجراء وقائي ضد نجاح محتمل لم يُرَد له أن يتراكم.
يضاف إلى ذلك بُعد آخر لا تذكره البيانات الرسمية: اللواء منير زاهي لم يُعيَّن نائباً للمدير في ديسمبر 2025 مصادفةً. تعيينه في ذلك المنصب قبل خمسة أشهر من إقالة رئيسه يُشبه كثيراً خطوة “الظل المراقِب”؛ الرجل الثاني الذي يُوضع لا ليُساعد، بل ليُراقب ويُهيَّأ للخلافة حين تحين اللحظة المرسومة سلفاً في مكان آخر.
منير زاهي: وجه بلا تاريخ صاخب
البروفايل الرسمي للواء منير زاهي يكاد يخلو من الزوايا الحادة التي طبعت أسلافه. رجل ترقّى في صمت، نال رتبة اللواء في يوليو 2023 ضمن ترقيات جماعية أشرف عليها تبون شخصياً، وكان قبل تعيينه نائباً للمدير يشتغل في ملفات التعاون الأمني، ويصفه المقربون من دوائر قيادة الأركان بأنه من “رجال شنقريحة” المخلصين.
هذا الغياب الصارخ للسيرة المشاغبة ليس صدفة. النظام الجزائري تعلّم درساً مؤلماً من مسلسل الإقالات المتتالية: الوجوه التي تحمل أثقال تاريخ مشترك مع أجنحة أخرى تصير عبئاً بعد فترة. الجنرال حسان حمل ذاكرة التسعينيات وعلاقاتها وديونها. “ناصر الجن” حمل ملفات أثقل وأخطر. كل منهما كان صندوقاً من الأسرار التي لا يُضمن مصيرها.
زاهي يأتي بصفحة نظيفة نسبياً، قابلة للكتابة من جديد وفق إملاء مكتب الأركان. هو لا يُمثّل جيلاً أمنياً بعينه، ولا يحمل ولاءات متشعبة تجعله ورقة ضغط محتملة في يد طرف آخر. مدير مخابرات كالورقة البيضاء. هذا بالضبط ما أراده شنقريحة في هذه المرحلة.
لكن هذه الورقة البيضاء تجلس اليوم على الكرسي ذاته الذي ابتلع قبله خمسة رجال في سبع سنوات. والسؤال الذي يطرحه المراقبون ليس عن كفاءة زاهي، بل عن الرقم القادم: كم يوماً ستمنحه الآلة قبل أن تبتلعه بدورها؟
السجل الذي لا يكذب
حين تُقرأ قائمة مدراء المديرية العامة للأمن الداخلي منذ 2019 دفعةً واحدة، لا كأحداث متفرقة، يتشكّل نمط لا يقبل التأويل المطمئن. واسيني بوعزة في السجن العسكري. عبد الغني راشدي اختفى من المشهد بعد إقالة عقابية مُبهمة. كحال مجدوب أُخرج من الرماد ثم رُدَّ إليه. “ناصر الجن” فرّ على قارب وعاد مكبّلاً. الجنرال حسان طُرد بعد أقل من عام بلا وداع رسمي.
هذا النمط لا يصفه الخطاب الرسمي بدقة حين يتحدث عن “العصرنة” و”التداول”. ما يصفه بدقة هو مفهوم آخر: الاستهلاك. النظام يستهلك رجاله الأمنيين بوتيرة أسرع مما يُنتجهم. وحين تصبح الإقالة هي القاعدة والاستمرارية هي الاستثناء، يتوقف الجهاز عن بناء ذاكرة مؤسسية وخبرة تراكمية، ويتحول إلى ما يُشبه مسرحاً تتعاقب على خشبته الوجوه دون أن يتغير النص.
الضابط داخل هذا الجهاز الذي يُلاحظ أن رؤساءه ينتهون إما في السجن أو على قوارب التهريب أو في مجهول التقاعد القسري، لن يُكرّس طاقته لبناء استراتيجية أمنية طويلة المدى. سيُكرّسها لشيء أكثر إلحاحاً: البقاء.
خلاصة
الجنرال حسان جاء من السجن، وأدار جهازاً، وعاد إلى الظل. منير زاهي يجلس الآن على الكرسي ذاته. والسجل يقول إن المقعد لا يحمي صاحبه طويلاً في الجزائر، بل يعرّضه للخطر بمجرد أن تتغير الحسابات في الطابق الذي فوقه.
المواطن الجزائري الذي يتابع هذا المسلسل اكتشف مبكراً ما يأبى النظام الاعتراف به: أن أكثر المناصب خطورةً في الجزائر ليس مناصب المعارضة، بل مناصب الأجهزة التي أُريد لها أن تحمي السلطة من الجميع؛ بما فيهم بعضها البعض.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير