الجزائر

النظام الجزائري يمرر “دستوره” المعدّل في برلمان يحترف التصفيق!

بقلم: هيثم شلبي

في الوقت الذي كانت فيه شاشات التلفزيون الجزائري الرسمي تنشغل ببث التقارير الملحمية عن أرقام النمو المليارية التي توقعها صندوق النقد الدولي، وطرح المناقصات المستعجلة لشراء القمح لتأمين رغيف المواطن من “الخارج الرأسمالي”، كانت هناك حركة أخرى أكثر هدوء وأشد خطورة تحدث في الغرف المغلقة. حركة لا تصنع صخباً لكنها تصنع نفوذاً. إنها حزمة “الإصلاحات الدستورية التقنية” والقوانين العضوية التي جرى تمريرها عبر دهاليز برلمان لا يُعرف عنه سوى التصفيق والمصادقة.

للوهلة الأولى قد يبدو مصطلح “الإصلاح التقني” مملاً وجافاً وبيروقراطياً إلى حد الغثيان، وهو بالضبط ما يريده مهندسو هذا التعديل. فالأنظمة الذكية تعلمت أن العناوين الرنانة تثير الفضول والجدل، بينما الشيطان السياسي يفضل دائماً الاختباء في التفاصيل الإجرائية والصياغات اللغوية. لم يعد النظام بحاجة إلى دبابات في الشوارع لإعادة ضبط موازين القوى، بل يكفيه قلم جاف ومادة قانونية مبهمة تُصاغ في عتمة الليل لتُغير خريطة النفوذ بجرة حبر. والأخطر من ذلك أن هذه الصياغات تمر في ظل صمت إعلامي مريب، لأن الصحافة الجزائرية المستقلة إما معطّلة أو مُرهَّبة أو مشغولة بالبقاء.

إن الدستور في المفهوم المعاصر هو وثيقة تعاقدية بين الدولة والشعب، أما في الحالة الجزائرية فقد تحوّل إلى ما يشبه اتفاقية هدنة وتقاسم نفوذ بين أجنحة السلطة، أو إذا أردنا مواكبة العصر، فهو بمثابة “تحديث أمني” لنظام تشغيل سياسي مصاب بفوبيا المفاجآت. والفرق بين الحالتين جوهري: في العقد الاجتماعي الحقيقي يحاسب المواطن السلطة، أما في هدنة النفوذ فالمواطن مجرد متفرج على مفاوضات لا يُدعى إليها ولا يُخبَر بنتائجها.

لكي نفهم من يكتب ماذا، لا بد أن نتأمل البصمات المتروكة على النصوص، لأن كل جناح من أجنحة السلطة يوقّع بأسلوبه حتى حين يحاول إخفاء توقيعه. البصمة الأولى والأكثر وضوحاً تنتمي لجناح الرئاسة ومحيطها الضيق. هذا الجناح الذي يعيش هاجس التحصين المسبق وتفادي سيناريوهات الإطاحة المفاجئة التي رآها تحدث أمام عينيه عام 2019 حين انهار نظام بوتفليقة في أسابيع، نجح في تمرير مواد تقنية تُكرّس المركزية المفرطة وتحوّل السلطة التنفيذية إلى هرم صارم قمته مكتب واحد لا شريك له.

تأمل مثلاً المواد التي تُعيد تعريف صلاحيات رئيس الحكومة، حيث تم تجريده من أي هامش للمناورة السياسية ليتحول من رجل دولة إلى مجرد رئيس طباخين مهمته تنسيق وتنفيذ الوصفة الجاهزة. وإمعاناً في السيطرة جاءت مواد “الوظائف العليا في الدولة” لتمنح الرئاسة حق التعيين المباشر في المناصب الحساسة دون الحاجة لمرور المعاملات عبر فلاتر مؤسساتية معقدة قد تُبطّئ القرار أو تُسرّب نسخة منه. الرسالة هنا واضحة ومغلفة بنص قانوني أنيق: لا مكان لبروز رأس ثانٍ في السلطة التنفيذية، وكل خيوط اللعبة الإدارية يجب أن تنتهي عند مكتب الرئيس تحسباً لأي شغور أو مرحلة انتقالية قد يشتهيها الخصوم.

ما يزيد الأمر إثارة للتأمل أن هذا التحصين الرئاسي يأتي في لحظة يبدو فيها تبون في أوج سيطرته ظاهرياً. فلماذا يحتاج من يملك كل شيء إلى تأمين ما يملك بالنص؟ الجواب يعكس ثقافة الحكم في الجزائر منذ الاستقلال: لا أحد آمن حقاً في عالم حيث الانقلاب الناعم أو الصلب يمكن أن يحدث بين اجتماعين، ولذلك يكتب كل طرف بنوده في النص الدستوري قبل أن يكتبها الآخر.

على الجانب الآخر من الطاولة يقف جناح قيادة الجيش ببروده المعتاد واقتصاده الشديد في الكلام وإسرافه الهائل في السيطرة. هذا الجناح لا تهمه تفاصيل وزارة الفلاحة ولا ميزانية الثقافة، لكنه يملك خطوطاً حمراء مرسومة بخرسانة مسلحة لا بالحبر. البصمة العسكرية في هذه التعديلات تجلت في تحصين ميزانية الدفاع ومشتريات السلاح وإحاطتها بسياج من السرية المطلقة بذريعة الأمن القومي، بعيداً عن تطفل نواب البرلمان الذين يقتصر دورهم على التصفيق والمصادقة وربما التساؤل في سرهم عن سبب حضورهم أصلاً.

ولأن الجيش يفضل دائماً دور الحكم النهائي دون التورط في وحل الإدارة اليومية، فقد تم إعطاء المجلس الأعلى للأمن صلاحيات دستورية فضفاضة تجعله الهيئة السيادية الفعلية للبلاد. في هذا المجلس يلتقي السلاح بالسياسة ويملك الجيش فيه فيتو قانونياً ناعماً يستطيع من خلاله كبح جماح أي قرار رئاسي لا يروق له دون الحاجة لإصدار البيان رقم واحد. إنه الفيتو المدني الشكل، العسكري الجوهر، المدستر الأسلوب. وفي جزائر تعلّمت من تجارب الدم في التسعينيات أن الجيش حين يتدخل صراحة يخسر شرعيته، ابتكر الجنرالات طريقة أرقى: يتدخلون عبر النص.

بالتوازي مع العسكر وضع جناح المخابرات لمسته الخاصة تحت مسمى الضبط والربط. هذا الجناح الذي استعاد عافيته بعد سنوات التفكيك في عهد الفريق قايد صالح ثم عاد بقوة مضاعفة في المرحلة الراهنة، اهتم بصياغة المواد المتعلقة بمكافحة التخريب والأمن السيبراني. صياغات مطاطية وواسعة لجرائم الرأي والتمويل تحوّل بموجبها البوست على فيسبوك إلى تهديد لسلامة الدولة إذا اقتضت الحاجة، وتجعل من الصحافي الاستقصائي خطراً أمنياً يستوجب التحقيق. والأهم من ذلك كله تثبيت شرط التحري الإداري المسبق، وهو الفلتر الأمني الذي يضمن ألا يصعد كادر إداري أو تكنوقراطي في مفاصل الدولة ما لم يثبت ولاءه المطلق. بمعنى آخر: الكفاءة شرط ثانوي، والولاء شرط أول وأخير، وهذا وحده يكفي لتفسير كثير من العجز التنموي المزمن.

ماذا عن رجال الأعمال؟ في جزائر اليوم لا يوجد شيء اسمه جناح مستقل لرجال الأعمال. الكارتل المالي القديم الذي كان يقود المشهد في عهد السعيد بوتفليقة يخبو في السجون بعد أن خدم غرضه كدليل على أن النظام يحارب الفساد، في مسرحية كان الجمهور يعرف نهايتها قبل أن يرتفع الستار. البديل الحالي هو ما يمكن تسميته بالكارتل الملحق، رجال أعمال يقتاتون على فتات الأجنحة الثلاثة الكبرى ولا يملكون الجرأة على كتابة مادة دستورية، لكنهم يملكون القدرة على ممارسة اللوبي عبر رعاتهم بطريقة غير مرئية وغير موثقة وغير قابلة للمساءلة.

تأثيرهم بدا واضحاً في التشريعات الملحقة بالدستور المتعلقة بالاستثمار وعقود التراضي للمشاريع الكبرى. والأكثر إثارة للتهكم هو الإصرار على بند إلغاء تجريم فعل التسيير. هذا البند السحري يمنح المدراء والموظفين الحكوميين حصانة قانونية تحميهم من دخول السجن في حال توقيع صفقات مشبوهة أو فاشلة طالما أنها حدثت في إطار الاجتهاد الإداري. إنها الوسيلة المثالية لتسهيل تمرير المصالح المشتركة دون الخوف من قضاة مكافحة الفساد الذين يمكن توظيفهم ضد الخصوم حين تقتضي الحاجة، ويمكن تعطيلهم حين تقتضي المصلحة.

اللافت في هذا التحديث الدستوري أنه يقدم نفسه للخارج بوجه وللداخل بوجه آخر. أمام الشركاء الدوليين في باريس وبكين وموسكو تُسوَّق هذه التعديلات على أنها خطوة عملاقة نحو الاستقرار المؤسساتي وجعل البيئة القانونية قابلة للتنبؤ. فالنظام الجزائري يدرك جيداً أن المستثمر الأجنبي الذي يريد توقيع عقود غاز طويلة الأمد لا تهمه نسبة الديمقراطية ولا حقوق الإنسان، بل يهمه استقرار المساطر الإدارية وألا يستيقظ غداً ليجد أن الوزير الذي وقّع معه قد أودع السجن في إطار حملة تطهير مفاجئة أو أن النظام برمته قد تبدّل.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا التحصين القانوني يأتي في وقت يبدو فيه الاقتصاد غارقاً في تناقضاته الهيكلية. فالأرقام الضخمة للناتج المحلي لا تنعكس على الأسواق التي تعاني من التضخم، ولا تلغي حقيقة أن البلاد لا تزال تستورد قمحها عبر مناقصات مستعجلة لموانئ محددة خشية حدوث أي نقص قد يحرك الشارع. هذا الخوف من رغيف الخبز ليس عارضاً في سياسة النظام الجزائري، بل هو منطقه العميق الذي يفسر كل شيء: من السياسة الاجتماعية إلى سياسة الدعم إلى الهواجس الدستورية ذاتها. نظام يخشى الخبز لا يحتاج إلى أعداء خارجيين.

والنظام الذي يحاول التمدد عبر دبلوماسية الكهرباء في النيجر والساحل لتعويض انحسار نفوذه السياسي، ينسى أن القوة الناعمة لا يمكن تصديرها إذا كانت الجبهة الداخلية محصّنة بالنصوص فقط وليس بالتنمية الحقيقية. فالدولة التي تبني شبكة كهرباء في الخارج وتشكو شبكاتها الداخلية من الانقطاعات الصيفية المتكررة، تقدم للعالم رسالة ضمنية تناقض رسالتها الرسمية.

في النهاية يجتهد النظام العسكري الجزائري ليبدو أكثر ذكاءً وتطوراً في آليات بقائه. لقد تخلص من الأساليب الفجة واستبدلها بالبيروقراطية الدستورية خط دفاع أول. التعديلات الأخيرة لم تكن استجابة لمطالب الشعب بل كانت عملية صيانة دورية لتوزيع الحصص والمنافع بين مراكز القوى، وإغلاق أي ثغرة قد تتسلل منها مفاجأة سياسية غير مرغوب فيها في المستقبل. وكما يفعل أي مهندس نظم محترف حين يرقّع برنامجاً معيباً بدلاً من إعادة كتابته، يُسمي جنرالات الجزائر هذا الترقيع إصلاحاً ويقدمونه للعالم في علبة لامعة.

لكن التاريخ يعلمنا دائماً أن هندسة القوانين في الغرف المغلقة، مهما بلغت دقتها الإجرائية، تبقى عاجزة أمام قوانين الواقع والاقتصاد. فجدار الحماية القانوني الذي يبنيه النظام اليوم قد يحميه من خصومه داخل العلبة السوداء، لكنه لن يحميه من تداعيات أزمة غذاء عالمية أو تضخم يأكل جيوب المواطنين أو جيل شاب يرفض أن يكون مجرد متفرج على هدنة لم يُستشَر فيها. الصراع في الجزائر كان وسيظل صراعاً بين حِبر السلطة التي تحاول كتابة استمراريتها على الورق، وبين واقع يرفض الانصياع لتلك النصوص.

اقرأ أيضا

الجائزة الكبرى للأميرة للا مريم لكرة المضرب.. الكرواتية مارسينكو تحرز لقب الفردي

و.م.ع أحرزت الكرواتية بيترا مارسينكو، اليوم السبت، لقب الفردي للدورة الـ24 للجائزة الكبرى للأميرة للا …

الملك يعفو على المشجعين السنغاليين المعتقلين في شغب كأس إفريقيا

و.م.ع في ما يلي بلاغ من الديوان الملكي.. “اعتبارا لعلاقات الأخوة التاريخية التي تجمع المملكة …

“البام” يسائل الحكومة حول حصيلة برنامج “مؤازرة” بجهة طنجة تطوان الحسيمة

توجهت عضو فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، قلوب فيطح، بسؤال كتابي إلى كاتب الدولة المكلف …