بقلم: هيثم شلبي
في الثامن من ماي 2026، وقبل أن يجف حبر اتفاقياته الثلاث عشرة مع أردوغان، كان تبون يحزم حقائبه في أنقرة ليعود إلى الجزائر. وفي المطار ذاته الذي أقلّه، كان يصل في الاتجاه المعاكس السفير الفرنسي ستيفان روماتيه، الذي غاب عن الجزائر أكثر من عام كاملاً بعد أن استدعته باريس على خلفية أزمة دبلوماسية استثنائية. يوم واحد، وعاصمتان متناقضتان تماماً، وجزائر واحدة تحاول الجلوس على كل الكراسي في آنٍ واحد.
هذا التزامن ليس مجرد مصادفة تقويمية. إنه صورة مكثفة لمعضلة بنيوية عميقة يعيشها النظام العسكري الجزائري منذ سنوات: أن كل حليف تسعى إليه يكشف تناقضاً صارخاً مع حليف آخر، وأن كل شراكة تُعلنها تُولّد تساؤلات أكثر مما تُجيب. والساحل الإفريقي، وتحديداً مالي التي تحترق جنوب الحدود الجزائرية، هو المختبر الحقيقي الذي يجعل هذه التناقضات عارية أمام الجميع.
لفهم حجم المأزق، لا بد من قراءة الخيوط المتشابكة بهدوء. روسيا التي تشتري منها الجزائر السلاح بمليارات الدولارات، وتستورد منها القمح الذي يملأ خزائن الديوان المهني للحبوب، هي ذاتها روسيا التي أرسلت فاغنر أولاً ثم “الفيلق الأفريقي” لاحقاً إلى مالي، لتدعم القوات المالية الرسمية التي أعلنت حرباً مفتوحة على حركات الطوارق في الشمال. وهذه الحركات بالذات هي التي رعت الجزائر اتفاقية سلامها الشهيرة عام 2015، وهي التي تعتبر أمنها الحدودي شرطاً لا تفاوض فيه. ببساطة: المال الجزائري الذي يذهب إلى موسكو ثمناً للسلاح يعود جزء منه بشكل غير مباشر إلى تمويل العمليات العسكرية التي تهدد الحدود الجزائرية الجنوبية.
تركيا لا تختلف كثيراً في المعادلة، وإن تبدّل الشكل. فبينما كان تبون يتبادل الأوسمة مع أردوغان في المجمع الرئاسي بأنقرة، كانت الطائرات المسيّرة التركية الصنع تُحلّق فوق مالي في عمليات ضد حركات الأزواد التي يعتبر الجزائريون قادتها ضيوفاً شرفاء على أرضهم. فضلاً عن ذلك، دعمت تركيا علناً السلطة الانتقالية في باماكو دبلوماسياً وعسكرياً، وهو ما يناقض مباشرة الموقف الجزائري الرسمي الداعم لحركات المعارضة المالية الشمالية. زيارة تبون إلى أنقرة كانت في جانب منها محاولة لإقناع أردوغان بترشيد دعمه لباماكو والابتعاد عن الحسم العسكري، وهو طلب وصفه المحللون بأنه طلب من شريك لشريك أن يوقف ما يكسب منه.
الأعمق في كل هذا أن الجزائر لم تُواجه أياً من هذين الحليفين بشكل مباشر. مع موسكو اختارت ما وصفه الباحثون بـ”الدبلوماسية الهامسة”: أبلغت لافروف قلقها من وجود الفيلق الأفريقي على حدودها خلال لقاء على هامش قمة مجموعة العشرين في يوهانسبرغ، في فبراير 2025، وصرّح وزير خارجيتها عطاف علناً بأن الجزائر “أبلغت موسكو قلقها”. لغة القلق، لا لغة الاعتراض. ومع أنقرة تحدّث في الجلسات المغلقة عن ضرورة الحل السياسي دون توتير العلاقة العلنية. إنها ثقافة الخط الدبلوماسي الأحمر المرسوم بالقلم الرصاص.
لكن بينما كانت الجزائر تهمس قلقها وتُحسن الضيافة وتوقع الاتفاقيات، كانت الأحداث على الأرض تتطور بمنطقها الخاص وبوتيرة لا تنتظر الدبلوماسية الهامسة. في مارس 2025 ضربت طائرة مسيّرة مالية قافلة شاحنات جزائرية التسجيل قرب الحدود. في أبريل 2025 أسقط الجيش الجزائري طائرة مسيّرة مالية خارج أجوائه. في أبريل 2025 أيضاً سحب تحالف دول الساحل الثلاث، مالي وبوركينافاسو والنيجر، سفراءه من الجزائر. ثم في أبريل 2026 سقطت كيدال في يد حركة الأزواد التي تنتقل بالوساطة الجزائرية، بعد أن انسحبت منها قوات الفيلق الأفريقي الروسية. يوم واحد بعدها أعلن عطاف من نيويورك دعم الجزائر “لوحدة مالي أرضاً وشعباً ومؤسسات”. إنها الجملة المعلبة ذاتها التي تقولها كل الدول حين لا تعرف ماذا تقول.
والمفارقة التي تقلب الطاولة هي أن روسيا وتركيا، حين يسألان بالمقابل الجزائر عن سر علاقتها الحميمة مع فرنسا، يملكان حجة لا يمكن ردها. فالجزائر التي تُدير خطاباً قومياً مديداً عن تجريم الاستعمار الفرنسي، والتي جمّدت علاقاتها مع باريس لأكثر من عام بسبب قرار دعم الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، هي ذاتها الجزائر التي استقبلت السفير الفرنسي في اليوم ذاته الذي وقّعت فيه اتفاقياتها التركية. ووزير عدلها جيرالد دارمانان تحرك نحو الجزائر بعد أسبوع واحد فقط من تلك الزيارة لفتح “فصل جديد في التعاون القضائي”. الرسالة الضمنية لموسكو وأنقرة واضحة: الجزائر لا تكسر مع فرنسا حقاً أبداً، مهما علا الخطاب وارتفعت النبرة، لأن فرنسا تبقى الشريك الاقتصادي والمنفذ الرئيسي لملف الجالية الجزائرية في أوروبا.
وهنا تكتمل الدائرة المغلقة. الجزائر تشتري السلاح الروسي وتستورد القمح الروسي، لكنها تعترض على السياسة الروسية في مالي. وتوقع الاتفاقيات مع تركيا وتستقبل الاستثمار التركي وتحصل على الطائرات المسيّرة التركية، لكنها تطلب من تركيا التوقف عن دعم ما تدعمه في باماكو. وتُقيم علاقات دافئة مع فرنسا تحت الطاولة بينما تُحرق العلاقة فوقها كلما اقتضت الحاجة الداخلية. ولا أحد من هؤلاء الثلاثة يثق حقاً بالجزائر لأن كل واحد منهم يرى مكانه في هذه اللعبة المتعددة الوجوه.
المصطلح الدبلوماسي المعتمد لوصف هذه السياسة هو “الانحياز الصفري” أو “التوازن الاستراتيجي”. وهو وصف صحيح من حيث الشكل. لكنه يفترض أن من يُديره يملك ورقة ضغط حقيقية على كل طرف، وأن وزنه الاستراتيجي يجعله لاعباً لا يمكن الاستغناء عنه. في حالة الجزائر، فإن هذه الورقة هي الغاز الطبيعي، وهي ورقة حقيقية لا شك فيها. لكن الغاز وحده لا يُديم علاقات متشابكة يتناقض فيها كل حليف مع الحليف الآخر في ملف يمس الأمن القومي الجزائري مباشرة. والأخطر من ذلك أن انهيار اتفاقية الجزائر للسلام في مالي، التي كانت أبرز إنجازات دبلوماسية الجزائر في العقد الأخير، لم يأتِ من عدو مُعلن، بل جاء بأدوات يتقاسم الحليفان الروسي والتركي مسؤوليتها.
يوم الثامن من مايو 2026 لم يكن يوماً دبلوماسياً عادياً في تاريخ الجزائر. كان يوماً كثّف في ساعات قليلة كل تناقضات الموقف الجزائري: وسام على صدر تبون من أردوغان، وسفير فرنسي يشق طريقه إلى الجزائر، ومالي التي بنى فيها الجزائريون نفوذهم لعقود تتفكك على الحدود الجنوبية. لا يوجد اسم أدق لهذه المعادلة من الاسم الذي يطلقه المالكون الجدد للمشهد على الجزائر في الكواليس: الوسيط الذي فقد الخيوط.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير