بقلم:هيثم شلبي
في السادس عشر من مارس 2026، لم يكن المشهد الذي شهدته العاصمة الجزائرية يحتاج إلى تعليق بلاغي مُسهب: عناصر من الشرطة في زي رسمي، يرافقهم ممثلو الولاية، يتوجهون إلى مكتب منظمة “SOS مفقودين” في شارع مصطفى بن بولعيد، حاملين قرار إغلاق مُؤرخاً في الثاني عشر من الشهر ذاته. المهمة لم تكن اعتقال إرهابيين، ولا تفكيك خلية تجسس. المهمة كانت أن تضع الدولة شمعها الأحمر على آخر مساحة مؤسسية لنساء يسألن منذ ربع قرن سؤالاً وجودياً بسيطاً: أين أبناؤنا الذين أخذتهم الدولة في التسعينات ولم يعودوا؟
أولاً: “القانون 12-06” ـ فن التحنيط المؤسسي
الذريعة كانت مُعدّة سلفاً، كما هو الحال دائماً: “عدم المطابقة مع القانون 12-06 المنظّم للجمعيات”. هذه الصيغة، التي تكررت في ملفات حل الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (LADDH) وجمعية “راج” الشبابية قبلها، ليست أداةً قانونية بالمعنى الفني، بل هي ما يمكن تسميته “الاستراتيجية القانونية السلبية”: لا تمنح السلطة الاعتماد، ثم تُغلق بتهمة العمل دون اعتماد.
منظمة “SOS مفقودين” تأسست عام 2001 في الجزائر العاصمة بوصفها فرعاً لـ “لجنة عائلات المختفين في الجزائر” (CFDA) التي أسستها الأمهات في فرنسا عام 1999. ما يعنيه هذا بصراحة هو أن الجهاز الأمني تعايش مع هذه المنظمة لأكثر من عقدين، ليس كرمّاً أو قناعةً بقيم حقوقية، بل لأن وجودها كان يُشكّل “ورقة تجميلية” في مواجهة الانتقادات الدولية. غير أن السلطات الجزائرية كثّفت ضغطها على المنظمة منذ عام 2024، إذ منعتها من تنظيم فعالياتها في مقرها في عامين متتاليين، قبل أن تحجب موقعها الإلكتروني داخل الجزائر في مايو 2025، ثم تُقدم في يوليو من العام ذاته على خطوة أكثر فجاجة: اعتقال ناصيرة ديتور، رئيسة المنظمة، لدى وصولها إلى مطار الجزائر العاصمة قادمةً من فرنسا، وترحيلها في اليوم ذاته دون أي سند قانوني.
ما تجهله السلطة الجزائرية، أو تتجاهله، هو أن القانون الدولي لا يشترط التسجيل الرسمي لحماية حق تأسيس الجمعيات. أشارت منظمة العفو الدولية في بيانها الصادر إثر الإغلاق إلى أن استخدام القانون 12-06 لتصفية مكتب “SOS مفقودين” يتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يحمي الجمعيات المسجلة وغير المسجلة على حدٍّ سواء.
ثانياً: المادة 87 مكرر ـ “الإرهاب” الذي يتسع للجميع
لفهم المشهد الحقوقي الجزائري في عمقه، لا يكفي التوقف عند قانون الجمعيات. يجب استحضار “الجوكر” التشريعي الأوسع: المادة 87 مكرر من قانون العقوبات بصيغتها المُعدَّلة عام 2021، التي مدّت تعريف “الإرهاب” ليشمل كل عمل يستهدف “الوصول إلى السلطة أو تغيير نظام الحكم بوسائل غير دستورية”. وبما أن السلطة نفسها هي المرجعية في تحديد ما هو “دستوري”، فقد وجد مئات الناشطين السلميين أنفسهم مُصنَّفين في خانة “الإرهاب” بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
الأرقام هنا أبلغ من كل تعليق: وثّق الناشط الحقوقي زكي حنّاش، الذي يعمل من منفاه في كندا، أن ما لا يقل عن 1,350 شخصاً زُجَّ بهم في السجون لدوافع سياسية منذ انطلاق حراك 2019، وأن عدد سجناء الرأي الحاليين بلغ 238 شخصا. أما وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي لحقوق الإنسان، فقد أشارت إلى أن منظمات غير حكومية صنّفت نحو 250 محتجزاً بوصفهم سجناء رأي في سنوات سابقة، في حين سجّلت “اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين” (CNLD) وجود 330 سجين رأي في مرحلة من المراحل.
النمط المتكرر الذي تكشفه هذه الأرقام هو ما يمكن تسميته “سياسة الباب الدوار”: يُفرج عن مجموعة بعفو رئاسي في المناسبات الوطنية، ويُعتقل ضعفهم في الأيام التالية بتهم “التجمهر غير المرخص” أو “المساس بالوحدة الوطنية”. والأخطر أن الضغط المتصاعد على المحامين الحقوقيين والمنظمات، جعل الرصد الدقيق لأعداد المعتقلين أمراً عسيراً في حد ذاته، وهو ما يعتبره النظام نجاحا لاستراتيجية القمع: أن يصير التوثيق جريمةً قبل الجريمة الموثَّقة.
ثالثاً: الذاكرة المحرّمة ـ ملف المفقودين بوصفه “ثقباً أسود” في شرعية النظام
تكتسب قضية “SOS مفقودين” أهميتها الاستثنائية من طبيعة ما تمثله: الذاكرة الحيّة لواحدة من أشد جرائم الدولة التي لم تخضع بعد لمحاسبة قانونية. تتولى المنظمة تمثيل عائلات آلاف الأشخاص الذين اختفوا بين عامَي 1992 و2002، حيث يُقدِّر تقارير حقوق الإنسان أعدادهم بين 7,000 و20,000 حالة اختفاء قسري.
الإطار القانوني الجزائري يتعامل مع هذا الملف من زاوية “الدفن التشريعي”: ميثاق السلم والمصالحة الوطنية لعام 2005 يمنع صراحةً أي ملاحقة قضائية لعناصر أجهزة الأمن، بل يُجرّم الخطاب الذي “يُسيء للمؤسسات” حين يتناول تلك المرحلة. نحن أمام معادلة قانونية فريدة: الجاني يحظى بحماية قانونية صريحة، والضحية يُحظر عليها الأنين، لأن أنينها يُعدّ “زعزعةً للاستقرار”.
رابعاً: حرية الصحافة ـ من غرف التحرير إلى القفص
لا يكتمل هذا التشريح دون الوقوف عند السياق الإعلامي الذي يُحيط بهذه الانتهاكات. صنّفت منظمة “مراسلون بلا حدود” الجزائرَ في المرتبة 139 من 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2024، قبل أن ترتفع قليلاً إلى المرتبة 126 عام 2025، مع بقاء المؤشر الاقتصادي في المرتبة 144 عالمياً.
بموجب تعديل القانون الجنائي عام 2020، بات نشر “الأخبار الكاذبة” أو “خطاب الكراهية” الذي يمس “الأمن الوطني” أو “الوحدة الوطنية” جريمةً يُعاقب عليها بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات. كما حظر قانون الإعلام الصادر عام 2023 على المؤسسات الإعلامية الجزائرية تلقّي أي تمويل أجنبي مباشر أو غير مباشر. في هذا السياق، استُخدمت تهمة “التمويل الأجنبي” بأسلوب كاريكاتيري لا يخلو من سخرية أليمة: الدولة ذاتها التي تبسط الذراعين للاستثمار الأجنبي وتعيش على عائدات النفط المُصدَّر إلى الأسواق الدولية، رأت في بضعة آلاف يورو مُرسَلة من ناشط إلى مؤسسته الإعلامية تهديداً وجودياً يستدعي مصادرة الميكروفون وإغلاق باب التحرير. طبعا لا يعارض أحد تقنين تمويل الجمعيات ووسائل الإعلام منعا لاختراقها من جهات مغرضة، لكن على ان يتم ذلك وفق إجراءات قانونية شفافة، تتيح للمعنيين الحصول على فرصتهم كاملة في الدفاع، والحصول على تمويلاتهم بشكل معلن وشفاف.
خامساً: الفضاء المدني ـ “التأميم الأمني” الشامل
الصورة الكاملة للواقع الحقوقي الجزائري لا تكتمل دون رصد الأسلوب الممنهج لتصفية الحقل الجمعوي المستقل. قبل “SOS مفقودين”، طالت يد التشميع الرابطةَ الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (LADDH) ذات العمر المديد في مقاومة الاستبداد، وجمعيةَ “راج” الشبابية. وكانت السلطات الجزائرية قد اقترحت مشروع قانون لاستبدال التشريع الحالي للجمعيات بنصوص تتضمن أحكاماً أوسع وإجراءات تسجيل أكثر إرهاقاً. لمنطق التشريعي واضح: المجتمع المدني “المسموح به” هو ذلك الذي يشارك في تنفيذ مشاريع التنمية ويُصفّق للإنجازات، لا ذلك الذي يسأل الأسئلة المحرجة.
إلى هذا تضاف آلية القمع غير القضائي: “حظر السفر” (ISTN)، الذي تحوّل إلى سجن مفتوح بلا قرار قضائي، يكتشف المواطن سريانَه لحظة وصوله إلى بوابة الانطلاق في المطار. ثم القمع الرقمي: حجب المواقع، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت معاً تُشكّل بنيةً تحتيةً للردع الصامت أكثر فاعلية من التعقب الفردي، ناهيك عن التوقيف الإداري بدون تهمة لآجال مفتوحة، والتشهير بالسمعة، وغيرها من وسائل “القتل المعنوي”.
خلاصة: حين تصير الحقيقة مخالفةً إدارية
إ إغلاق مكتب “SOS مفقودين” في مارس 2026 ليس حادثةً معزولة في خط بياني متعرج، بل هو حلقة تكشف عن منهج متكامل يقوم على ثلاثة أعمدة: تحويل الاعتراف القانوني إلى سيف معلّق، وتحريم التوثيق قبل تحريم الانتهاك، وتحويل “المصالحة” من عملية عدالة انتقالية إلى حكم بالنسيان القسري.
النظام العسكري الجزائري يؤمن في قرارة نفسه أن الشمع الأحمر يُغلق الذاكرة كما يُغلق الأبواب. غير أن الجريمة التي لا قبر لضحاياها، والتي لم تعترف بها الدولة ولم تُعاقَب عليها، تظل تسكن المساحات التي لا تستطيع الأجهزة الأمنية مداهمتها: في أسئلة الأبناء عن الآباء، وفي أرشيفات المنظمات الدولية، وفي تقارير هيئات الأمم المتحدة، وفي صفحات الحقوق من التاريخ التي لا تُشمَّع.
الأثر الإجرائي لقرار 16 مارس ربما يكون تصفية مكتب. أما الأثر الرمزي، فهو أن الدولة قررت رسمياً أن السؤال عن المفقودين بات “مخالفةً إدارية”. وهذا، بحد ذاته، أبلغ وثيقة في ملف حقوق الإنسان الجزائري منذ سنوات.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير