بقلم: هيثم شلبي
في صباح شتوي من فبراير 2026، شهد ميناء الجزائر العاصمة حدثاً تاريخياً استثنائياً. لا، لم تكن سفن حربية متطورة، ولا حاويات تحمل معدات صناعية متقدمة، ولا حتى شحنات من التقنيات الرقمية التي تحتاجها البلاد بشدة. كان الحدث الجلل هو وصول 335 حافلة صينية من طراز “هايجر”، تلك الكائنات المعدنية البسيطة التي تملأ شوارع أفقر العواصم الآسيوية والأفريقية دون أن تثير أي انتباه.
المشهد كان مسرحياً بامتياز. المسؤولون يصطفون ببدلاتهم الرسمية الأنيقة، الكاميرات تلتقط كل زاوية من زوايا هذا “الإنجاز”، والخطابات الرنانة تتحدث عن “تحديث الأسطول” و”الاستثمار في البنية التحتية”. كأن الجزائر، تلك الدولة التي تتباهى بموازنة تبلغ 135 مليار دولار، قد اكتشفت للتو أن البشر يستخدمون الحافلات للتنقل.
هذا المشهد ليس مجرد حفل استقبال عادي، بل هو تكثيف درامي لمفارقة تعيشها دولة تصف نفسها بـ”القوة الإقليمية” و”الثقل الاستراتيجي”، بينما تعجز عن توفير أبسط متطلبات الحياة اليومية لمواطنيها. إنه المشهد الذي يختصر المسافة الهائلة بين الخطاب الدعائي الموجه للخارج والواقع المعيش في الداخل.
حين تتحدث الأرقام بوضوح مزعج
لنترك العواطف والشعارات جانباً، ولنتحدث بلغة الأرقام التي لا تحتمل المجاملة. النظام يتحدث بفخر عن استيراد حافلات جديدة، لكن الأرقام تروي قصة مختلفة تماماً، قصة تكشف حجم الكارثة التي يحاول الإعلام الرسمي إخفاءها تحت طبقات من البروباغندا.
الحظيرة الوطنية للنقل في الجزائر تضم حوالي 84 ألف حافلة. هذا رقم يبدو مهيباً للوهلة الأولى، حتى تكتشف أن النظام نفسه أعلن عن الحاجة لاستيراد 10 آلاف حافلة كحل استعجالي. هذا الإعلان هو اعتراف رسمي بأن النقص حاد والوضع كارثي. لكن ما وصل فعلياً هو 335 حافلة فقط، أي ما يعادل 0.4% من الحظيرة الوطنية، و3.3% من الاحتياج المعلن رسمياً. هل سمعتم يوماً عن جراح يحاول إيقاف نزيف شرياني بضمادة لاصقة صغيرة؟
الأرقام الأكثر إيلاماً تأتي عندما ننظر إلى حالة الأسطول الموجود. وفق تقارير مسربة من وزارة النقل نفسها، هناك 4680 حافلة يتجاوز عمرها ثلاثين عاماً. نعم، ثلاثين عاماً! هذه الحافلات ولدت في زمن كانت فيه ألمانيا لا تزال مقسمة إلى شطرين، وهي اليوم تنقل الجزائريين في القرن الحادي والعشرين. ويضاف إليها 5320 حافلة يتراوح عمرها بين عشرين وثلاثين سنة. نحن إذن أمام متحف متنقل للخردة المعدنية، يتنقل على شوارع لا تقل تهالكاً عن الحافلات نفسها.
والمفارقة الأكبر هي أن القطاع الخاص، الذي يسيطر على 90% من سوق النقل، يمتلك أسطولاً متهالكاً بنسبة تتجاوز 80%. هؤلاء المشغلون الخواص، الذين يفترض أن السوق الحرة تدفعهم لتحديث أساطيلهم، يواصلون تشغيل حافلات تهدد سلامة الركاب يومياً، لأن العائد المالي من النقل لا يسمح بتجديد الأسطول، ولأن الدولة نفسها لا تفرض معايير صارمة تجبرهم على ذلك.
تبخر الأحلام الصناعية في رحلة الاستيراد السهل
قبل سنوات، كانت هناك شعارات براقة عن “التصنيع المحلي” و”الاكتفاء الذاتي”. كانت هناك خطط لإنشاء مصانع لتجميع الحافلات، وكانت شركة “سوناكوم” تحظى بتغطية إعلامية واسعة كنموذج للصناعة الوطنية. لكن كل هذه الأحلام تبخرت في الهواء، وعادت الدولة إلى المربع الأول: الاستيراد الجاهز.
صفقة الحافلات الصينية كلفت الخزينة حوالي 200 مليون دولار. هذا المبلغ، الذي يبدو متواضعاً مقارنة بالموازنة الوطنية، يمثل في الحقيقة جزءاً من استنزاف مستمر للعملة الصعبة. فبدلاً من بناء قدرات صناعية محلية تخلق فرص عمل وتطور مهارات وطنية، يفضل النظام الحل السهل: الشراء من الخارج، مع ما يصاحب ذلك من عمولات وفساد وتبعية تقنية.
والأدهى من ذلك هو غياب أي استراتيجية للصيانة. الحافلات المستوردة اليوم ستتحول خلال ثلاث أو أربع سنوات إلى هياكل معدنية معطلة، لأن قطع الغيار غير متوفرة، ولأن الصيانة الدورية غير منظمة، ولأن سوء الاستخدام على الطرقات المتهالكة يختصر عمر أي مركبة إلى النصف. وعندها، سيعود النظام لاستيراد دفعة جديدة من الحافلات، في دورة لا تنتهي من الاستهلاك والإهدار.
المواطن المنسي في معادلة النقل
لننتقل من الأرقام الباردة إلى الواقع الإنساني المعيش. تخيل مواطناً في حي شعبي من أحياء العاصمة، أو في مدينة داخلية بعيدة عن بريق المراكز الحضرية. هذا المواطن لا تهمه الموازنات الضخمة والخطابات الرنانة، بل يهمه سؤال بسيط: هل سيجد مقعداً في الحافلة التي ستقله إلى عمله أو جامعته؟
الواقع يقول إن الإجابة هي “لا” في معظم الأحيان. المحطات تتحول يومياً إلى ساحات تزاحم وصراع على الصعود، والطوابير الطويلة أصبحت جزءاً من المشهد اليومي. المواطن الجزائري لا يطالب بالكثير؛ فقط نظام نقل عام يحترم كرامته ويضمن له التنقل الآمن والمريح. لكن حتى هذا الطموح المتواضع يبدو بعيد المنال.
الدول المجاورة، بعضها أقل موارد بكثير، تبني أنظمة نقل حديثة. المغرب يشغّل قطارات فائقة السرعة ويطور شبكة ترامواي في مدنه الكبرى. تونس تحافظ على نظام نقل عام يعمل بانتظام رغم كل أزماتها الاقتصادية. حتى دول أفريقية كانت تعتبر فقيرة أصبحت تستثمر في أنظمة النقل السريع (BRT) التي تخفف الازدحام وتحسن جودة الحياة.
أما الجزائر، بمواردها الهائلة وموازنتها الضخمة، فلا تزال تحتفل باستيراد 335 حافلة كإنجاز يستحق التصفيق. المفارقة قاسية ومحزنة، لكنها تعكس واقعاً لا يمكن إنكاره: الأولويات مختلة، والتخطيط غائب، والمواطن يدفع الثمن.
القوة الإقليمية على حافلة متهالكة
المفارقة الأكثر سخرية في هذا المشهد هي التناقض الصارخ بين الخطاب الموجه للخارج والواقع المعيش في الداخل. الإعلام الرسمي يصور الجزائر كقوة إقليمية صاعدة، قادرة على التأثير في مسار القارة الأفريقية، ومنافسة على الزعامة الاقتصادية والسياسية. لكن كيف يمكن لدولة تعجز عن توفير النقل العام الملائم لمواطنيها أن تطمح لقيادة إقليم كامل؟
الاعتماد الكلي على الاستيراد من الصين يكشف فشلاً أعمق من مجرد عجز عن تصنيع الحافلات. إنه فشل في بناء رؤية اقتصادية متكاملة، فشل في خلق قطاعات إنتاجية حقيقية، فشل في تطوير كفاءات وطنية قادرة على المنافسة. النظام يشتري الحافلات كما يشتري الهدوء الاجتماعي: بالقطعة، وبدون تخطيط، وبدون رؤية مستدامة.
والنتيجة هي هذا المشهد الكوميدي المأساوي: دولة بموازنة 135 مليار دولار تحتفل بوصول 335 حافلة، كأنها حققت إنجازاً حضارياً غير مسبوق. دولة تنفق المليارات على التسلح والدعاية (27 مليار ميزانية وزارة الدفاع 2026)، لكنها تعجز عن توفير حافلة لائقة لطالب جامعي أو عامل بسيط يريد الوصول إلى عمله بكرامة.
خاتمة: رحلة بلا وجهة واضحة
في نهاية المطاف، “ثورة الـ 335 حافلة” ليست سوى فصل جديد في مسلسل طويل من الإخفاقات المغلفة بالدعاية. إنها تجسيد لأسلوب إدارة يعتمد على المسكنات المؤقتة بدلاً من العلاج الجذري، على الاستعراض بدلاً من الإنجاز، على الشعارات بدلاً من الاستراتيجيات.
الحاجة الحقيقية لبلد يضم 46 مليون نسمة تتطلب ثورة حقيقية في قطاع النقل، ثورة تبدأ بإنشاء صناعة وطنية، وتمر ببناء شبكات نقل حديثة، وتنتهي بضمان حق المواطن في التنقل الآمن والكريم. لكن هذه الثورة تحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى رؤية بعيدة المدى، وإلى احترام حقيقي لحاجات المواطن وكرامته.
وحتى يحين ذلك اليوم، سيبقى المواطن الجزائري معلقاً في أبواب الحافلات المتهالكة، يراقب المليارات وهي تتبخر في مشاريع فاشلة وصفقات مشبوهة، منتظراً معجزة ما تحوّل النقل العام من كابوس يومي إلى خدمة حضارية تليق بإنسان القرن الحادي والعشرين.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير