بقلم: هيثم شلبي
في ليلة الرابع عشر من يوليو 2026، وبينما كان ميزان الحرارة يتجاوز عتبات لم تألفها حتى مدن الجنوب، انطفأت الأضواء دفعة واحدة عن ست عشرة ولاية جزائرية بينها العاصمة، وبقيت ملايين الأسر تتصبب عرقا في العتمة حتى الرابعة فجرا. بل امتد الظلام إلى ما وراء الحدود، حين اضطرت تونس، المرتبطة بالشبكة الجزائرية باتفاقيات تبادل الطاقة، إلى مناشدة مواطنيها ترشيد الاستهلاك في ساعات الذروة.
وفي الصباح خرجت الرواية الرسمية مكتملة الأركان: “عطب تقني” في المنشأة الكهربائية بسيدي عقبة في ولاية بسكرة، وفرق “سونلغاز” أعادت التيار في “وقت قياسي”. روايات من داخل القطاع تتحدث عن عطبين متتابعين لا عطب واحد، حيث حدث الانقطاع الأول في محطة حجرة النوس بتيبازة، ما يرجح سيناريو الانهيار المتسلسل الذي تتكتم عليه الرواية الرسمية، بينما انتقل رئيس الحكومة سيفي غريب ووزير الطاقة محمد عرقاب شخصيا إلى مركز التحكم لمتابعة العملية. صور وبيانات وتهنئة ذاتية، وعاد كل شيء إلى “وضعه الطبيعي”. كل شيء، باستثناء السؤال الذي ظل معلقا في هواء الليل الخانق: كيف تنقطع الكهرباء في أكبر بلد إفريقي مصدر للغاز؟
الرواية الرسمية تتقن الإجابة عن سؤال “ماذا حدث”، وتتقن أكثر الهروب من سؤال “لماذا يحدث”. فالأعطاب التقنية تصيب كل شبكات العالم، لكن الشبكات المحترمة لا تنهار فيها ست عشرة ولاية لأن منشأة واحدة -أو حتى اثنتين- تعطلت. حين يكفي خلل في بسكرة أو تيبازة لإطفاء العاصمة، فالمشكلة ليست في الخلل بل في هندسة منظومة جعلت من نقطة واحدة رهانا على البلد كله. أما الاحتفاء بسرعة الإصلاح فيشبه احتفاء ربان سفينة بسرعة ضخ المياه من عنبر يغرق: بطولة في التفاصيل، وإنكار في الجوهر.
والأرقام الرسمية نفسها، حين تقرأ متسلسلة، تروي قصة لا تريد الوزارة روايتها. ذروة الطلب على الكهرباء انتقلت من 16,666 ميغاواط سنة 2022 إلى 18,476 في 2023، ثم 19,543 في 2024، ثم 20,628 في 2025، وصولا إلى 21,378 ميغاواط في جويلية 2026، وهي الذروة الثانية خلال يومين فقط بعد ذروة 21,176 ميغاواط.ثمانية وعشرون بالمئة من النمو في أربع سنوات، بلا سياسة نجاعة طاقوية جدية، وبتسعيرة مدعومة تجعل التكييف يعمل على مدار الساعة بثمن رمزي.
وعلى الورق تملك الجزائر قدرة مركبة تفوق 27 ألف ميغاواط، أي هامشا نظريا مريحا فوق الذروة. لكن الورق شيء والشبكة شيء آخر: هامش لا يحميك من انهيار متسلسل تطلقه منشأة واحدة هو هامش محاسبي لا هامش أمان، والاستثمار في صلابة النقل والتوزيع ظل دوما الابن الفقير لمنظومة تفاخر بأرقام التوليد.
ولم تكن هذه اللحظة مفاجئة لمن قرأ المعادلة الغازية في وقتها. كنا قد كتبنا قبل ثلاث سنوات، حين اندفعت الجزائر لتعويض الغاز الروسي في السوق الأوروبية بتوقيع التزامات تصديرية تفوق قدرتها المتراجعة، أن لا مخرج أمامها مع تصاعد الطلب المحلي سوى الاقتطاع من أحد ثلاثة: حصة إيطاليا، أو حصة إسبانيا المحصنة بإشكالات قانونية لا تريد الجزائر فتحها، أو حصة الاستهلاك الداخلي الموجه للمصانع ولتوليد الكهرباء.
واليوم تكتب المصادر الدولية المتخصصة المعادلة ذاتها بلغة باردة: الاستهلاك المحلي بلغ نحو 57 مليار متر مكعب سنة 2025، أي أكثر من نصف الإنتاج الوطني، بحيث صار كل متر مكعب إضافي محل تنازع بين توليد كهرباء يعتمد على الغاز بأكثر من 97 بالمئة، وعقود أنابيب، وشحنات غاز مسال تراجعت صادراتها نحو أوروبا إلى قرابة 9.5 ملايين طن بانخفاض مليوني طن في سنة واحدة، فيما تلتهم إيطاليا وحدها أزيد من 23 مليار متر مكعب سنويا عبر أنبوب عبر المتوسط. الكعكة تصغر والأفواه تكثر، والفم الوحيد الذي يجوز تجويعه في حسابات النظام هو الفم المحلي، لأنه الوحيد الذي لا يدفع بالعملة الصعبة.
غير أن أزمة الكهرباء، على فداحتها، ليست سوى العرض الأكثر ضجيجا لمرض أعمق يجري التكتم عليه بعناية. ولفهمه يكفي وضع رزنامة أسبوع واحد أمام العين. بعثة صندوق النقد الدولي لمشاورات المادة الرابعة زارت الجزائر من 16 إلى 30 جوان، وبيانها الختامي الصادر في 6 جويلية لم يترك مجالا للتأويل: تدهور كبير في الحساب الجاري سنة 2025 بفعل قفزة الواردات وتراجع صادرات المحروقات، انخفاض كبير في الاحتياطيات الدولية، علاوة مرتفعة في سوق الصرف الموازية رغم كل إجراءات بنك الجزائر، وتحذير صريح من أن “تآكل الهوامش المالية والخارجية” جعل التصحيح أكثر إلحاحا.
وبعد أسبوع واحد فقط، في 13 جويلية، أصدر بنك الجزائر التعليمة رقم 07-2026 التي أعادت هندسة منحة السفر ببطاقة دفع دولية وشروط ووثائق وعقوبات، لتدخل حيز التنفيذ في 19 جويلية، في عز موسم الاصطياف. والأجمل أن النص التنظيمي لم يكلف نفسه عناء التستر: المادة العشرون منه تنص حرفيا على أن مبلغ المنحة وشروطها قابلة للمراجعة “مع مراعاة تطور وضعية ميزان المدفوعات”. اعتراف مكتوب بأن سفر المواطن صار متغيرا تابعا في معادلة أزمة الصرف.
وفي الموسم نفسه جرى تطويق الاستيراد المصغر للمقاولين الذاتيين، النشاط الذي يقتات منه آلاف الشباب: سقف 1.8 مليون دينار للرحلة، رحلتان في الشهر لا أكثر، بطاقة ورخصة وقوائم منع تطول.
ثلاثة ملفات في أيام معدودة، يجمعها خيط واحد لا يحتاج ذكاء استثنائيا لرؤيته: كلها تضغط على منافذ خروج العملة الصعبة. هذه ليست قرارات متفرقة ساء حظها في التوقيت، بل حزمة تصحيح لميزان المدفوعات تنفذ بلا إعلان. تقشف صامت: ضغط للواردات من بابها الكبير وبابها الصغير، حماية مقدسة لكل متر مكعب مصدر من الغاز لأنه دولارات، وتأجيل لما أمكن تأجيله من فاتورة الاستثمار في صلابة الشبكة الداخلية لأنها تدفع بالعملة ذاتها التي يجري ترشيدها.
ولنكن دقيقين حيث يجب أن نكون، فالدقة هنا سلاح لا ترف. الاحتياطي لم ينهر، وما يزال يقدر “رسميا” بين 64 و70 مليار دولار، أي قرابة سنة من الواردات.
الخطر ليس في المخزون بل في المنحدر: عجز مالي بلغ 10.5 بالمئة من الناتج سنة 2025 ويتوقع تجاوزه 12% هذا العام، رغم أرباح استثنائية اقتطعت من المؤسسات العمومية ومن البنك المركزي نفسه؛ دين عام قفز إلى 52.1 بالمئة من الناتج، تمويل نقدي متزايد من بنك الجزائر لخزينة الدولة؛ واحتياطي انتقل من فوق 70 مليار دولار سنة 2024 إلى مسار يتوقع صندوق النقد أن ينزل به إلى ما يعادل 3.2 أشهر من الواردات بحلول 2030 إذا لم يتغير شيء. نظام لا يملك رفاهية إعلان التقشف لأن شرعيته كلها مشتراة بالإنفاق الاجتماعي، فاختار أن يتقشف خلسة، وأن يدفع الثمن من رصيد آخر لا يظهر في ميزانية بنك الجزائر: رصيد الصبر الشعبي.
والتوقيت هنا ليس تفصيلا بل جوهر الخطر على السلم الاجتماعي. ففي الأسبوع نفسه الذي انطفأت فيه الأضواء، كانت الحرائق مشتعلة في 32 ولاية، وموجة الحر تسجل أرقاما قياسية، وبطالة الشباب تراوح عند عتبة الثلاثين بالمئة. ثم أغلقت السلطة، بيدها، منافذ التنفيس القليلة المتبقية: السفر الذي تحولت منحته الهزيلة أصلا إلى مسار حواجز بيروقراطية وعقوبات، والمقاولة الذاتية التي كانت صمام امتصاص للبطالة قبل أن تطوق في ذروة موسمها.
وفوق ذلك كله يدار كل ملف بالوصفة ذاتها: إنكار، فتبرير تقني، فتهنئة ذاتية، وكأن المواطن الذي قضى ليلته يتصبب عرقا في العتمة يطلب بيانا عن بطولات فرق الصيانة، لا جوابا عن سبب تكرار المشهد كل صيف بحدة أكبر.
إلى أين يسير هذا كله؟ في الأمد القريب ستشتري السلطة الوقت كعادتها: ارتفاع ظرفي في أسعار المحروقات يرمم بعض الأرقام، حملات ترشيد للاستهلاك تحمل المواطن مسؤولية مكيفه، ومحطات جديدة تدشن أمام الكاميرات.
لكن المعادلة البنيوية لا تشترى ولا تدشن: طلب كهربائي ينمو بأكثر من خمسة بالمئة سنويا، وإنتاج غاز تتوقع بيوت الخبرة الدولية بلوغه الذروة سنة 2027 ثم الاستواء، وعقود تصدير صارت مقدسة لأنها آخر شرايين العملة الصعبة، وشبكة داخلية تحتاج استثمارات بالعملة ذاتها التي تحرسها التعليمات.
كل صيف قادم سيعيد طرح السؤال الحارق بحدة أكبر، وكل تعليمة تقشف صامت جديدة ستضيف جمرة إلى رماد قابل للاشتعال. والأنظمة التي تختار دفع فواتيرها من رصيد صبر شعوبها تكتشف دائما، ومتأخرة دائما، أن ذلك الرصيد هو الآخر احتياطي قابل للنضوب، وأن نضوبه لا تسبقه بيانات صندوق النقد.
في 3 جوان 2026، أي قبل ستة أسابيع فقط من ليلة العتمة، أشرف سيفي غريب شخصيا في نيامي على تدشين محطة “التضامن الجزائري النيجري” بقدرة 40 ميغاواط، توربينان غازيان أنجزتهما “سونلغاز الدولية” هبة كاملة التمويل من الجزائر، واحتفى بها الإعلام الرسمي كإنجاز في “وقت قياسي”.
وبعد أيام، في 8 جوان، وضع غريب نفسه حجر أساس محطة ثانية بـ 40 ميغاواط هبة لتشاد في نجامينا. الرجل نفسه الذي وقف في مركز التحكم ليلة انطفأت 16 ولاية هو من كان يوزع محطات الكهرباء هدايا في الساحل قبل أسابيع.
وفي الليلة التي غرقت فيها بسكرة وخمس عشرة ولاية معها في الظلام، كانت توربينات أنبوب عبر المتوسط تدور بلا انقطاع، وكان الغاز الجزائري يعبر البحر ليضيء منازل ميلانو ومطابخ روما، وفاء لعقود وقعت يوم ظن النظام أن مقعد روسيا في السوق الأوروبية يشترى بجرة قلم لا بطاقة إنتاج فائضة. أما بسكرة، الواقفة فوق حقول الغاز وتحت خطوط تصديره، فقد تعلمت في تلك الليلة درسها: ضوءها آخر بند في دفتر أولويات يكتب بالأورو والدولار.
والبلد الذي يبيع النور للضفة الشمالية من المتوسط ولم يعد قادرا على إنارة ضفته هو، لا يعاني عطبا تقنيا في سيدي عقبة، بل عطبا استراتيجيا في قلب النظام نفسه.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير