الرئيسية / وجهات نظر / فيلم كوميدي تحوّل إلى فيلم رعب
d80d1cadc5c2cef92ca5279dd9896599

فيلم كوميدي تحوّل إلى فيلم رعب

(1)
يدخل الرئيس المسنّ على كرسيّه المتحرّك إلى لجنة الانتخاب، يرفع ذراعه ببطء ليضع ورقة التصويت في الصندوق. تهتزّ يده. يبدو على وجه مرافقه القلق، لكن العملية المعقّدة خارقة الصعوبة تتم بنجاح أخيراً! وعلى الجانب، يصطفّ رجال محترمون، على وجوههم تعبير الجدية البالغة، كأن هذه انتخابات حقاً، وهذا رئيس فعلاً.
قبل ثلاث سنوات، كان هذا المشهد سيثير في نفوس الشباب العربي الثائر السخرية والإزدراء، واليوم يتحوّل هذا المشهد إلى أكبر رعب يواجه الربيع العربي… أنظر إلى بوتفليقه على كرسيّه وأفكر: هل واقع الجزائر ماضينا أم مستقبلنا؟
(2)    
“الجزائريون يثقون في الرئيس بوتفليقة، ولا يريدون الدخول في مغامرة مجهولة… الربيع العربي لا يعني الجزائر لأننا عالجنا (المشكلة) في 1988. خلّفت (المشكلة) 200 ألف قتيل في التسعينيات. استطاع الجزائريون التغلّب على هذه المحنة. لا أعرف ما يعني الربيع العربي، ولا أفكر في هذا الأمر بتاتاً”. عبد المالك السلال، رئيس الوزراء الجزائري، رئيس الحملة الانتخابية لبوتفليقة.
(3)
تبدو تجربة الجزائر كأسوأ سيناريو ممكن لأي ثورة، حيث يتم إجهاضها بالسماح لها بالتمدّد في الاتجاه الخاطئ، حتى تلتهم نفسها، ويصبح قطاع واسع من شعبها نفسه أول مَن يطالب بعودة النظام القديم.
شهد عام 1988 ما هو أقرب إلى ثورة شعبية كاملة، على يد جيل جديد من الشباب، لم يشهد حرب الاستقلال، ولم يعد يجد مبرراً لاستمرار حكم الحزب الواحد، حزب التحرير، وريث “جبهة التحرير” التي قادت حرب المليون شهيد. لم يعد كافياً أن يردّد الشباب في كلمات النشيد الوطني “جبهة التحرير اعطيناكِ عهداً”، ليغضوا الطرف عن ممارسات فساد الحزب واستبداده.
أتت شرارة الأحداث على أثر أزمة اقتصادية، بسبب انخفاض أسعار النفط، وإجراءات هيكلة اقتصادية، شملت خصخصة مصانع، وتخفيض الدعم عن سلع غذائية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار. وفي أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام، حدثت أكبر تظاهرات في تاريخ الجزائر، أحرق الغاضبون في مختلف المحافظات مراكز شرطة ومبان بلدية، ومقار لحزب التحرير، ومكاتب بريد، وكل ما يرمز إلى الحكومة، وحاولوا مهاجمة منازل بعض المسؤولين. نزل الجيش إلى الشارع، بعد عجز الشرطة، سقط 500 قتيل، وتم اعتقال آلاف. خرج الرئيس الشاذلي بن جديد في خطاب للشعب يوم 10 أكتوبر، معترفاً بأخطائه، ووعد بسحب الجيش، وإلغاء حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين، وإصلاحات اقتصادية وسياسية. كان هذا أول خطاب “فهمتكم” في الوطن العربي، قبل سنوات طويلة من نظيره التونسي. وأهم الإصلاحات كانت إقرار دستور جديد، نصّ، للمرة الأولى، على التعددية السياسية، وهكذا ظهرت الأحزاب الإسلامية التي كانت البديل الوحيد الجاهز.
جرت الانتخابات البلدية عام 1990، وفازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالحصة الأكبر. شهد العام الذي تولت فيه الجبهة البلديات اضطرابات واسعة، لأسباب عدة، مثل الصدام مع المسؤولين السابقين، وتشكيل شرطة إسلامية في بعض البلديات، ووقوع هجوم من إسلاميين على قوات الجيش، على الرغم من تبرؤ الجبهة من مرتكبيه، والدعوة إلى تظاهرات وإضراب عام، اعتراضاً على قانون الدوائر الانتخابية، رفع بعض المشاركين فيها لافتات: “تسقط الديموقراطية”، “لا ميثاق ولا دستور، قال الله، قال الرسول”.
في ديسمبر/ كانون الأول 1991، جرت المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية، وفازت بأغلبيتها جبهة الإنقاذ أيضاً. ولجأ أركان النظام الجزائري إلى إيجاد غطاء قانوني لوقف الانتخابات، فأقنعوا بن جديد بالاستقالة، ما سبّب فراغاً دستورياً أدى إلى تشكيل المجلس الأعلى للدولة، وكان أبرز شخصياته الجنرال خالد نزار، قائد الجيش.
ثارت تظاهرات واحتجاجات شعبية كبرى، قمعها الجيش بعنف بالغ، وتم اعتقال آلاف، ثم أعلن قرار حل الجبهة، بسبب اتهامها بالعنف. وهنا حدثت بداية العنف الحقيقي!
أعلنت الجبهة تشكيل الجيش الإسلامي للإنقاذ، وانتشرت العمليات ضد الجيش والشرطة، كما ظهرت جماعات أخرى أكثر تطرفاً. واغتيل الرئيس محمد بوضياف بعد ستة أشهر من توليه منصبه.
أعلن “إخوان” الجزائر، الممثلين في حركة مجتمع السلم، تأييدهم الكامل لما حدث، وشاركت الحركة في المجلس الوطني الانتقالي عام 1994، ثم بوزيرين في حكومة 1996، ثم شاركت بالانتخابات النيابية، ما رفع تمثيلها إلى سبعة وزراء في حكومة أحمد أويحيى عام 1997، وهو تحديداً العام الذي شهد أكبر عدد من المذابح الجماعية الوحشية.
(4)
استقال الجنرال نزار عام 1993، وخلفه الجنرال اليمين زروال الذي واصل الحرب بشراسة أكبر، وتولّى منصب الرئاسة قبل أن يستقيل في 1998، ليصبح المجال مفتوحاً بتغيّر هذه الوجوه للقيام بالمصالحة الوطنية التاريخية التي أنجزها عبد العزيز بوتفليقة، عبر قانون الوئام المدني عام 2000 ثم الاستفتاء العام على ميثاق السلم والمصالحة عام 2005، والذي يمكن إجمال بنوده بأنها “خروج آمن للجميع”.
ضَمِنَ الميثاق حماية كاملة من أي ملاحقة للجيش والأجهزة الأمنية، والذين وصفهم بأنهم “صنّاع نجدة الجمهورية”. وفي المقابل، منح الميثاق عفواً عاماً عن المحبوسين بتهم ارتكاب أعمال عنف، أو دعم الإرهاب، وأسقطت الأحكام الغيابية، وصرفت تعويضات لأسر المفقودين. وسلّم آلاف المسلحين الإسلاميين أسلحتهم، وحظوا بالعفو، وتم إطلاق سراح عباس مدني وعلي بلحاج. عاد السِلم الأهلي، لكن، لم تعد الديموقراطية والحريات ومكافحة الفساد، كما لم يعد شباب الثورة القديمة. أصبحوا الآن كباراً عاقلين، يحذرون أبناءهم من أي مغامرة جديدة.
(5)
تبدو مقادير الطبخة الجزائرية متحقّقة في أكثر من بلد عربي، وهي:
التخويف من كل شيء، بالحق أو بالوهم. التخويف من وحش الإرهاب، ومن شبح عدم الاستقرار، ومن التجارب المرعبة الأخرى (أعتبر الحالة السوريا سبباً رئيسياً في خفض طموح شعوب المنطقة كلها). قدر من التنمية الاقتصادية (تكفلها أموال النفط للجزائر، وتكفلها المساعدات الخليجية لمصر). احتواء جزئي للتيارات الإسلامية المهادنة.
لذلك، يمضي عبد الفتاح السيسي نحو رئاسة مصر، بدعم شعبي حقيقي من “المواطنين الشرفاء”، ومن قطاع كبير من النُخَب المصرية، ومنهم بعض ذوي التاريخ النضالي. ولذلك، يهتف “المنحبكجيّة” في دمشق واللاذقية بحياة بشار، ولذلك يجادل مؤيدو بوتفليقة: “نعيشو في الفقر ولا نموتو في الحرب”.
تبدو هذه الصورة السوداوية حتمية على المدى القصير، ومن المهم أن يفكر جيل الثورات كله في خيارات التعامل معها. الوضع أصبح أكثر تعقيداً وصعوبة. لكن الأمل على المدى البعيد موجود، لأن التغيير موجود، لأن أدوات الاتصال الحديثة وثورة التكنولوجيا والإعلام فرضت نفسها على الجميع، ولأنه خرج بالفعل جيل مختلف تذوّق هتاف: “الشعب يريد …”.
والأمل موجود، لأن الأزمة موجودة. الأسباب نفسها للثورات من فساد واستبداد وفقر وبطالة ما زالت قائمة. تراجعنا من مرحلة الانفجار إلى الغليان الهادئ، لكنها بالتأكيد ليست مرحلة البرودة.
والأمل موجود، لأن الغباء موجود أيضاً. غباء الحكومات العنيدة التي لا تبذل ذرّة جهد، ولو لمجرد تحسين الصورة. كان يمكن أن يفرز النظام الجزائري رمزاً آخر غير الرئيس القعيد، وكان يمكن لنظام بشار الدفع ببديل من داخله. ربما تنتهي المرحلة المقبلة بانفجارات جديدة أكبر من سابقاتها، تُسقط الأنظمة لا رؤوسها، وحينها، يجب أن نكون قد استثمرنا الوقت في تنظيم بديل. وربما يكون زمن الانفجارات قد انتهى، ونحن نقبل على مرحلة شبيهةٍ بتجارب التحوّل الديموقراطي في دول أميركا الجنوبية وأوروبا الشرقية، حيث يثمر ضغط طويل المدى عبر سنوات، عن سقوطٍ ناعم للنظام، أو تحوّل من داخله بتفاهمات مع أجنحة إصلاحية.
ربما تكون تجربة مختلفة تماماً.
سيناريوهات المستقبل مفتوحة، لكن الأكيد أنه مستقبلنا، لا مستقبلهم.
“العربي الجديد”