الرئيسية / وجهات نظر / تونس ودرس الاختطاف
26639cbd8cbd0c8d0fdeae3f2949a7e1

تونس ودرس الاختطاف

شاهد التونسيون أحداث الاختطاف في قاعات السينما أو في نشرات الأخبار على شاشات الفضائيات. ولم يدر بخلدهم أنّهم سيعيشون ما كانوا يستبعدونه بعدما تعرض دبلوماسيان تونسيان في ليبيا للخطف من قبل مجموعات إرهابيّة مسلّحة اختلفت الأنباء حول طبيعتها.
فبعض الأخبار تقول إن الخاطفين ليبيون يطالبون بإطلاق سراح إرهابيّين ليبيّين مساجين في تونس على خلفيّة أحداث الروحيّة في محافظة سليانة وسط غرب تونس سنة 2011 إبّان حكومة الباجي قايد السبسي.
وقد نفت عائلات الليبيين المحبوسين في تونس في تلك الأحداث علاقتها بحادثتي الخطف. وتذهب تأويلات أخرى إلى أنّ أطرافا تونسيّة متورّطة في الإرهاب ومحتمية بليبيا وتنتمي إلى تنظيم أنصار الشريعة المصنّف إرهابيا هي التي تقف وراء عمليّتي خطف الدبلوماسيين التونسيّين الاثنين. لا يمكن أن يمرّ حدثا الاختطاف دون استنتاجات.
ومن ذلك ما لاحظناه من تكاتف السلطات التونسيّة الرسميّة ممثّلة في مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة ووزارة الخارجيّة في العمل على فك أسر المواطنين المختطفين عبر لجنة مشتركة رغم الافتقار إلى الخبرة بمثل هذه المسائل. ومع ما تحاول السلطات التونسيّة إظهاره من تماسك ورباطة جأش فإنّ الفيديو الذي تمّ تسجيله للدبلوماسي محمد بالشيخ أحد المخطوفين التونسيّين في ليبيا قد أربك هذا التماسك الرسميّ، لاسيما مع الضغط الإعلاميّ الموجّه والتحرّك الكبير لعائلتي المخطوفين.
ولابدّ من الإشارة إلى أنّ الفيديو كان مؤثّرا حيث اختلطت دموع المخطوف باستغاثاته. وتركّز خطابه على دعوة رئيس الجمهورية المؤقّت منصف المرزوقي إلى التفاوض مع الخاطفين واصفا مطالبهم بـ”العادلة”، مذكرا بتضحياته في سبيل وطنه وبعدم استعداده لخسارة حيـاته، ومشددا على تحميل رئاسة الجمهوريّة مسؤولية أي مكروه يحدث له. ولكنّ وزارة الخارجيّة التونسيّة أكّدت أنّها لا تتفاوض مع الخاطفين. فيما تؤكّد رئاسة الجمهوريّة أنّ حياة المخطوفين ليست في خطر. وتبقى الأخبار الرسميّة الراشحة عن هذا الموضوع شحيحة.
على مستوى الأحزاب، برز تحرّك حركة النهضة خلال الأسبوع الماضي في اتّجاهين: الأوّل هو استثمار علاقاتها بالأطراف الليبيّة في تيسير عمليّة تحرير الأسيرين التونسيّين، والثاني دعوة الليبيّين إلى إقامة حوار وطنيّ قد يساعد ليبيا على تجاوز محنها. وقد وردت هذه التصريحات على لسان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.والملاحظ أنّ مبادرة الحوار الوطنيّ الليبيّ التي اقترحتها حركة النهضة يبدو أنّها راقت للسلطات الرسميّة التونسيّة فأعلنت أنّها ستبحث إمكانيّات دعمها.
ولم تعرب أحزاب تونسيّة أخرى عن توسّطها لحلّ هذه المشكلة الطارئة على الدبلوماسيّة التونسيّة. وهذا مفهوم خاصّة إذا وضعنا في الاعتبار أنّ المجموعات المسلّحة في ليبيا جميعها إسلامية متطرّفة، وأنّها تؤوي جميع الإرهابيّين التونسيّين الهاربين من العدالة.
لابدّ من الإشارة إلى أنّ عمليّتي الاختطاف هاتين تمثّلان اختبارا جديّا حقيقيّا لرئاسة الجمهوريّة باعتبار أنّ الشؤون الخارجيّة والدبلوماسيّة من صلاحيّاتها المشتركة مع الحكومة. ورئاسة الجمهوريّة كانت منذ اقتسام الترويكا للحكم خارج الرهان السياسيّ في تونس. كما أنّها ممسكة بحقائب الخارجيّة والدّفاع رغم الإخفاقات الفادحة.
ولا تغيـب المعركة الانتخابيّـة عن البال، وكلّ نقطة إمّا للمترشّح وإمّا عليه. والمرزوقي من المترشّحين لانتخابـات الرئاسـة القادمـة.
كما تثبت عمليّة الخطف هشاشة أمنيّة فظيعة في السفارة التونسيّة بطرابلس، إذ كان من المفترض أن تضاعف تونس من حرصها الأمنيّ في سفاراتها وهي الأقرب إلى ليبيا والأدرى بما يحدث فيها. وهذا تقصير بيّن من حكومتي الترويكا السابقتين. كما أن إعلان الخارجية التونسيّة رفض التفاوض مع الخاطفين يدل على تقليد لدول أخرى عرفت أوضاعا مشابهة مثل الولايات المتّحدة وروسيا والصين. ولكنّ الفرق بينها وبين تونس أنّ الأخيرة لا تملك إمكانيّات الاستخبار والحسم العسكريّ التي تملكها تلك الدول.
فمن لا يتفاوض له القدرة على الحماية الآمنة أوّلا، وعلى التخابر الدقيق ثانيا، وعلى التدخّل النّاجع ثالثا.
ولا أعتقد أنّ لتونس أيّا من هذه الأوراق. فكيف ستجتاز درس الاختطاف هذا؟ وهل ستوفّق في إنقاذ دبلوماسيّيها؟ وهل ستضمن عدم تكرّر حوادث الاختطاف هذه؟ وهل انتهت ليبيا إلى ساحة ثابتة لإرباك تونس؟.
“العرب”