الرئيسية / وجهات نظر / العرب من الزمان الثوري إلى الزمان الفوضوي!
محمد الرميحي

العرب من الزمان الثوري إلى الزمان الفوضوي!

قد يذهب في سجل التاريخ العربي القادم أشخاص مثل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، أو الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، على أنهم أكثر رؤساء الجمهوريات الخيرين في القرن الواحد والعشرين العربي، لم يُقتل أثناء عمليات تغييرهم إلا عشرات!! وقد يستدعي التاريخ شخصية أحمد باشا الجزار (البوشناقي) أو شخصية جمال باشا السفاح، ليقارنهما بجانب شخصيات مثل ميشال عون، ونوري المالكي، وبشار الأسد، وعلي صالح.. مثلهم مثل سابقيهم، البوشناقي والسفاح لديهم مشروع حكم لا مشروع دولة، ويسعون إلى هدفهم بالحديد والنار والدم. البوشناقي سُمي أحمد باشا الجزار، لأنه بالفعل كان جزارا للآدميين في عصره، وهو الذي اعتنق الإسلام وصعد في سلم السلطة، كما كان غيره في ذلك الوقت، بالسيف لا بغيره، أما السفاح فما زالت ساحة الشهداء في بيروت تتذكر الرجال الذين علقهم من أعناقهم هناك.

المزيد: هل تونس في الطريق للاعتذار من بن علي؟


العرب في معظم القرن العشرين يخرجون إلى الشوارع في مظاهرات كبيرة أو صغيرة للمطالبة بالاستقلال، أو من أجل التخلص من حاكم ظالم، اليوم أصبحت المظاهرات تحشد من أجل أن تقوم الدولة بإزالة ركام «الزبالة» من الشوارع أو بتوصيل الكهرباء والماء للناس، حتى لا يفطسوا حرًا أو يموتوا بماء ملوث، كما يحدث في لبنان والعراق.
لنبدأ بلبنان، هذا البلد الذي كان جميلاً، قام السيد ميشال عون وأنصاره في حزب الله، بسلب الدولة كل مقدراتها وأقعدوها عن أصغر مهماتها، وهي حفظ الأمن، وتصريف «الزبالة» وانتخاب رئيس للجمهورية «المعترة»، وعندما قرر البعض أن يُعلي من صوته احتجاجًا على الأوضاع المعيشية المتردية، التي جعلت المواطن اللبناني أمام خيارين للموت، إما أن يموت جوعًا، أو يموت في ساحات القتال، مشتبكًا في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل في أحراش سوريا. بين هاتين المعضلتين، تتدفق أفواج «الزبالة» مقرونة بـ«البطالة» على عاصمة «النور» العربية، ولما صعّد المحتجون موقفهم قرفًا من كل من الزبالة والسياسيين، تدخلت مجموعة «عون» لتخرب المسيرة وحرفها إلى مقاصد تخدم الشهية للحكم، وتحاصر مقر الحكومة، وتطالب الحكم بالزوال، من أجل الدخول في فوضى أكثر مما هي عليه، أو أن يصل إلى سدة الرئاسة السيد «عون»، فهو ممر لازم لها!! العجيب في الأمر أن السيد عون كان في يوم من الأيام قائدًا للجيش اللبناني، وأثبت وقتها أنه لا يتوفر على خطة يعرفها الضباط الصغار في أي صراع، وهي «استراتيجية الخروج»، فعندما قصفت مقره الدبابات السورية هرب دون خطة إلى السفارة الفرنسية. بقية القصة معروفة. فهل يجوز أن يصل مثل هذا الشخص الذي تكرر عدم قدرته على وضع خطط بديلة أكثر من مرة، إلى رئاسة الجمهورية، وهو اليوم يريد أن يهدم ما بقي من هيكل الدولة اللبنانية على رأس الجميع، مرة أخرى دون «خطة بديلة واضحة».. إما أنا أو تخرب الدولة؟
السيد نوري المالكي بعد «خراب البصرة» يطالب محازبوه اليوم بأن لا يحاكم على خطاياه، لأنه «معصوم» من المساءلة، وقد ترك بفطنته الفذة العراق يغرق في الطائفية، كما أهمل قراءة مطالب المعتصمين في الأنبار تحت الشمس الحارقة لسنتين، ومن بعدها هرب جيشه أمام جحافل «تيار تتاري جديد». سولت له نفسه أنه يستطيع أن يحكم بنفسه، ونسي بناء الدولة، واختار لحزبه (الذي يسيره هو فقط) اسمًا مفارقًا (دولة القانون)، ولا أحد يعرف أي قانون يقصده السيد المالكي، إلا إذا كان: «كيف تتفادى تطبيق القانون». الشَقُ الذي خلفه حكم المالكي في العراق ليس من السهولة رتقُه، حتى لو توفرت كل النيات الحسنة، وما ظهر في الأيام الأخيرة من رفض العراقيين كل تلك الشعارات إلا رأس جبل الثلج. لقد غُيب الشعب العراقي عن تقرير مصيره، وهو الآن يبدأ الخطوات الأولى في تحديد ذلك المصير، رغم كل ما هو ظاهر في وسط العاصمة، بغداد. ما زال السيد نوري يوزع التُهم على الجميع ونسي نفسه، وآخر صيحاته أنه وضع «المرجعية العراقية» بالتضاد مع «المرجعية الإيرانية» عندما لجأ إلى الأخيرة لإنقاذ جلده. السؤال هنا: كم من الأرواح العراقية قد أزهقت في السنوات الثماني العجاف التي تسنم فيها السيد المالكي (صاحب العصمة) الحكم في بغداد، وكم من مليارات الدولارات من أموال الشعب العراقي أهدرت أو سرقت؟ وما زالت بغداد، وليس قرى العراق ونواحيها، بغداد العاصمة، بلا كهرباء ولا ماء نقي!! ولا حتى فرص عمل للشباب. أمامكم الحشد الشعبي مرة أخرى على الطريقة العونية/ حزب الله، إما أن تموتوا من الحر والعطش، وإما أن تموتوا مع الحشد الشعبي، يا له من خيار في طرائق فراق الحياة!

المزيد: العراق..المالكي يعلق على إدانته في قضية سقوط الموصل

إذا وصلنا إلى بشار، ففيه الكثير مما يناقض اسمه، إلا إذا كانت اللغة العربية تحتمل التناقض، فيقال للأعمى: «بصير»، ويقال لنعيق البوم: «بُشرى»، أكثر الطيور التي تتكاثر في مدن وأنحاء سوريا اليوم هي البُوم، لأنها بطبيعتها تحب الخرائب، ليس أكثر من الخرائب التي خلفتها براميل بشار الأسد الهاطلة على رأس الشعب السوري كل يوم وفي كل مكان وركن من المدن والمناطق السورية. وتُحدثنا المصادر الدولية عن أن من قُتل في سوريا حتى الآن فاق الربع مليون من البشر، معظمهم عُزل. لا بد من القول إن النظام السوري قد اجتاز خط اللاعودة، وإن المعارضة المسلحة التي تواجهه هي نتيجة طبيعية لصلفه سنين طويلة، فالنظام عادة ما يخلق معارضته، خاصة إذا كان هذا النظام قد وقف طويلاً على تخوم فارغة تتدثر بالشعارات، وتضمر بقاء حكم التسلط دون بناء الدولة. أما إذا توجهنا جنوبا فإننا نجد شخصا آخر يشابه من حيث الجوهر الثلاثة السابقين، علي صالح، فبعد أكثر من ثلاثين عامًا من الحكم، خلف أكثر من نصف الشعب اليمني تحت خط الفقر، وبعد هبة شعبية اقتلعته، عاد مرة أخرى، بالشعار نفسه: إما أن أحكمكم أو أقتلكم. وهكذا تحالف مع مجموعة مسلحة للانقلاب على الانتفاضة الشعبية، ثم طارد رئيسًا منتخبًا من الناس انتخابا حرًا، وأفشل جنينًا يمنيًا لحكم توافقي عصري، لبناء دولة، وهذا هو الشعب اليمني يدفع ثمن ذلك الصلف مثل لبنان وسوريا والعراق. الدراسات العالمية للدول الفاشلة تؤشر على الدول الأربع بأنها دول فاشلة، ربما بسبب تلك الزعامات الفاسدة التي لم تفرط فقط في حقوق شعبها الإنسانية، بل وفرّطت حتى في مده بالماء أو الكهرباء أو بفرص عمل شريفة، لم يكن لديها غير الحكم المفرد وحمل السلاح.. يا قاتل يا مقتول. أليس ما نعايشه عصرًا عربيًا لا معقولاً، ويمكن بالمقارنة أن نترحم على الجزار والسفاح، فقد كانت أعمالهما في التاريخ، على بشاعتها، قد كلفت عددًا أقل بكثير من الضحايا لا يرقى إلى ما يفعله السفاحون الجدد؟!!

المزيد: واشنطن لبشار الأسد: “إرحل”

آخر الكلام:
في حديث بشار الأسد لـ«المنار» الأسبوع الماضي، عاب على بعض المعارضة السورية أنها تستعين بالخارج، وفي المقابلة نفسها شكر حزب الله وإيران وروسيا، على مساعدته، فهل هم «مواطنون سوريون»؟! الإفلاس يفعل العجائب!

*مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت/”الشرق الاوسط”