الرئيسية / وجهات نظر / المأزق والحل
6d883c67dc178d0bc0078a5b55c8d44d

المأزق والحل

الآن بعد مضي أكثر من أسبوع على صدور الأحكام في قضية شهداء الثورة وجرحاها، بإمكاننا أن نصف الارض التي نقفُ عليها، بعد اول اختبار جدّي لتجربة الوفاق الوطني.
بعد «فرحة» المصادقة على الدستور بأغلبية غير منتظرة، وبعد الأجواء الاحتفائية التي جعلت تونس محور اهتمام العالم وتثمينه ارتبكت النخبة السياسية وعاد منطق المتاجرة السياسية والمزايدة، الى حد الذهاب الى محاولة انتهاك الدستور الذي لم يجفّ حبرهُ بعد، باقتراح الدوائر القضائيّة المتخصّصة، وقبل ذلك بالإصرار على إحياء الفصل 15 الذي يعلم الجميع أنّه غير دستوري. الوضع هش ومؤلم بعد اسبوع من التخمر والشطح والصوت المرتفع، والاتهامات الخطيرة والمرفوضة للمؤسسة العسكرية التي تحولت بين عشية وضحاها من حامية للثورة الى خائنة لدماء الشهداء.
هذا المنطق لا يدلّ على مراهقة سياسية فقط، بل يُدلّ بمجال لا يدعو للشكّ أنّ الجزء الأكبر من النخبة لم يستوعب الدرس، وأنّ معارضي الأمس لم يدركوا انهم رجال دولة اليوم، وأنّ واجبهم ليس تفكيك الدولة ولا تقويضها ولا هز أركانها، بل قيادتها بصورة ديمقراطية لتحقيق الامن والاستقرار. فجأة انقلب دعاة تدخل الجيش لحماية الديمقراطية الى مشككين في دوره الوطني، وانحيازه للثورة ، وفجأة عاد ملف الشهداء وجرحى الثورة الى واجهة الأحداث كغنيمة وليس كقضية مبدئيّة ، وحتى رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة سقط في الفخ، بعد أن أضاف لنفسه صلاحية جديدة وهي «الصدمة» قبل أن يعود لمنطق الدولة واحترام مقتضيات منصبه التي تفرضُ عليه التصرف كحقوقي ولكن أيضاً كرئيس هو من تولى بنفسه تعيين مدير القضاء العسكري الحالي منذ فترة قصيرة.
ما يبعثُ على الاطمئنان هو أنّ الاحزاب الكبرى، وتحديدا النهضة والنداء، تصرّفت بمنطق فيه قدر كبير من المسؤولية الوطنية والوعي بالفخ المنصوب للثورة بالدفع نحو مواجهة بين النخبة والمؤسستين الأمنية والعسكرية. مواقف النهضة والنداء شخّصت المأزق، وذهبت وخاصة في موقف رئيس حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي نحو تشخيص الحل.
المأزق ليس الوصول للحقيقة كما يرى البعض بل طيّ صفحة معقدة ومُتداخلة من تاريخ تونس بإنصاف الشهداء والجرحى وعائلاتهم، ولكن أيضاً بإنصاف الامنيين الذين نفذوا التعليمات، ولم يطلق أيّ منهم رصاصة واحدة للحيلولة دون سقوط نظام بن علي بعد فراره، أو لإفساد فرحة الثورة حين تحولّت الى ثورة، او لمنع الانتخابات او لرفض تقلد معارض شرس سابق لوزارة الداخلية …
لا وجود في تونس «لشبيحة» ولا خلاف على الثورة، ولكن هناك دماء وضحايا من الشهداء والجرحى يجب كشفُ حقيقة المسؤول عنها أمرا وتنفيذا في إطار من العفو والتسامح مع المتورطين ، وهذا ما أشار اليه رئيس حركة النهضة كأول موقف سياسي شجاع يضمنُ المخرج الآمن وإنصاف الطرفين المتضررين من هذا المأزق.
الحل موجود وعلى النخبة السياسية دعمه، وتجسيمه بعيدا عن المتاجرة السياسية والمزايدة الثورجية، خاصة وأنّ الوضع الأمني في البلاد دقيق وحساس ، تواجه فيه المؤسستان الأمنية والعسكرية رصاص الارهاب الجبان وخناجر الغدر السياسي الذي لا يقلّ عن جبن الارهاب جبنا.
“الشروق” التونسية