الرئيسية / وجهات نظر / سيكولوجيا المثلية الجنسية والتصفيات الجسدية
db7c4015f2161863d59b5361d5661836

سيكولوجيا المثلية الجنسية والتصفيات الجسدية

لقد ترددت في الكتابة عن هذا الموضوع،لما فيه من خصوصية ومحاذير وتابو عصي على الاختراق والبحث في دائرة ثقافتنا التي لا تفصح عن كل شيء، لكي يتسنى للناس ممارسة نقد وتقويم الظواهر المختلفة بطريقة بناءة،عبر تفهم أبعادها وتعقيداتها المتشعبة،وبالتالي يكون قبولها أو رفضها،كليا أو جزئيا مبنيا على حيثيات الإلمام بها، وليست من منظور إقصائي متشنج إزائها، قائم على خلفية الجهل بها.فيكون عند ذلك” أفضل” الحلول هو لجمها بشتى الوسائل أو التعتيم عليها،لكي تنمو الظاهرة أضعافا خلف الكواليس، أن كان طبعا ما يشير إلى وجود ذلك المحرم أم لا، والمحرمات لا حصر لها في ثقافتنا، ولكن الخلاف في درجة المحرم وسقف شيوعه.
لقد اتخذ من المثلية الجنسية في العراق واجهة جديدة وعنوانا للتصفيات الجسدية، إلى جانب ما هو شائع من واجهات دينية ،وعرقية ومذهبية للتصفيات، وإنزال عقوبة القصاص،أي القتل بحق الأفراد الذين يمارسون فعل المثلية الجنسية،كما ترد التهمة على لسان القاتل المحترف!!. وعلى ما يبدو فأن القتل في العراق لا تدرك نهايته، بل هو في طور البحث عن واجهات مختلفة لضمان استمراره. ويعكس ذلك بكل الأحوال أزمة الديمقراطية المستعصية على الحل، إلى جانب غياب الأمن والقضاء المستقلين، باعتبارهما الجهات الوحيدة لضمان الحق والعدل والاستقرار.
ومن الضروري هنا الإشارة، إلى أن منظمة العفو الدولية حثت الحكومة العراقية على بذل المزيد من الجهود لحماية المثليين في البلاد، وذلك في أعقاب صدور تقارير عن تزايد حوادث القتل في أوساط الشباب منهم على وجه الخصوص، وجاء في الرسالة أن25 فتى لقوا مصرعهم في العاصمة بغداد لوحدها خلال الأسابيع القليلة المنصرمة، وذلك أما لأنهم كانوا من المثليين الجنسيين، أو أن المهاجمين تصورا بأنهم كانوا كذلك. وقد انتقدت الرسالة ما أسمته”إخفاق الحكومة” العراقية بإدانة حوادث القتل تلك، والتي يعتقد بأنها نفذت على أيدي رجال ميليشيات طائفية، أو من قبل أفراد ينتمون إلى عشائر وعائلات الضحايا أنفسهم.
ومن السخرية بمكان، كأن المثلية الجنسية تكتشف لأول مرة في التأريخ العربي والإسلامي، وفي العراق بشكل خاص، ويستدعي من المقيمين على” الأخلاق العامة”حملات” استنفار وطنية” لاجتثاثه على نسق ما جرى سابقا من حملات لاستئصال ألإرهاب أو  اجتثاث البعث، فلا الإرهاب قضي عليه، ولا أجتث البعث، بل تحولت إلى حملات للحوار مع الاثنين. وعلى ما يبدو فأن الإخفاق بكل شيء يدفع أحيانا إلى تدمير ما تبقى من الأشياء.
أن المثلية الجنسية قديمة قدم التأريخ، بشقيها:المثلية الذكرية(اللواط)، والمثلية الأنثوية(السحاق). وكلا الظاهرتين موغلة في التأريخ، فالسحاق الذي يسمى” باللسبية” نسبة إلى جماعة من النساء عشن في جزيرة لسبوس اليونانية في القرن السابع قبل الميلاد واشتهرن بممارسة الجنسية المثلية، وما هذا التأريخ إلا هو البداية” الرسمية” أو المعلنة فقط، أما اللواط فلا توجد دلائل تاريخية لبدايته الرسمية، ألا أن آثاره تعكس توغله هو الآخر في عمق التأريخ.
أن من أهم الأمور المتعلقة بالجنسية المثلية عند الذكور هي النظرة الاجتماعية لهذه الظاهرة السلوكية. ويوجد هناك تباين لهذه النظرة عبر عصور التأريخ والحضارات المتعاقبة والمجتمعات المختلفة. فهي قد عرفت وانتشرت في الحضارات القديمة لبلاد وادي الرافدين ومصر والهند والصين، ولا يبدو أن هذه الحضارات قد أدانت هذه الممارسات، بل أن بعضها، وخاصة اليونانية القديمة قد حظيت  بالكثير من التقدير كما يتضح ذلك من بعض محاورات أفلاطون، حيث يحدثنا عن عشق سقراط للغلام اليسباديس، ويذكر ديوجنيس أن سقراط عندما كان غلاما كان معشوقا لمعلمه، وأرسطو كذلك المعلم الأول عند الإغريق كان أيضا يمارس الجنسية المثلية، وكذلك من أشراك عدد من آلهة الإغريق مثل”زيوس”و”بوسيدون”و”ابوللووهرميس”، في العلاقات المثلية، وما ورد عن تفشي المثلية الجنسية الذكورية في إسبارطة وهي أشد المدن بأسا وشجاعة.أما الأديان السماوية الثلاث(اليهودية والمسيحية والإسلام) فقد أدانت الجنسية المثلية واعتبرتها مخالفا للفطرة الإنسانية وفناء للبشرية القائمة على الزوجين أصلا. وما حدث لقوم لوط من عقاب يمثل النظرة الدينية لهذه الممارسة(سنأتي على ذكر ذلك).
وبالرغم من التحريم لها فقد استمرت بالانتشار في العصور التالية وأن كنا لا نعلم بالتأكيد مدى ذلك الانتشار بالنظر لما يترتب عليه الإفضاء من عقاب.غير أن التأريخ الحديث من عصر النهضة وحتى الآن قد ترك لنا أسماء مرموقة في تأريخ الفنون والآداب والحياة العامة ممن عرفوا بجنسيتهم المثلية أما في حياتهم أو بعد وفاتهم، ومنهم مايكل أنجلو، وليوناردو دافنشي، وشايكوفسكي، وبيكون،وربما شكسبير، واسكار وايلد،ولورنس، ومارسيل بروست، واللورد كيتشنر وعدد من ملوك الانجليز وغيرهم ممن لم تتناقل أسمائهم لأنهم لم يشتهروا، ولا نعلم إن كانت تلك لعنة السماء عليهم أم ميزة لهم كي يتفردوا!!!.
أما الاتجاه المعاصر نحو مسألة الجنسية المثلية فهو أنجاه غير ثابت وغير متساوي في الكثير من البلدان والمجتمعات، فهنالك من يدين الممارسة أخلاقيا وبدون تبرير.وهنالك من البلدان ما يفرض عقوبة زجرية وتأديبية شديدة على ممارستها قد تصل إلى الحبس المؤبد أو القتل كما في البلدان التي تتخذ من الشرع الإسلامي واجهة لها، وهناك من يعتبر المسألة حالة مرضية تقتضي العلاج بالطرق الطبية والنفسية الممكنة، وهناك من يرفض هذه النظرة ولا يعتبر الجنسية المثلية مرض من الأمراض ولا يفرض على الممارس لها ضرورة المعالجة بالإجبار. وفي خضم هذه الاتجاهات الاجتماعية والقانونية والدينية المختلفة يقوم اتجاها أكثر مرونة آراء الجنسية المثلية. وهذا الاتجاه معمول به في بعض البلدان منها بريطانيا والسويد والدنمارك وهولندا وفرنسا وبعض الولايات المتحدة الأمريكية وكلها أجازت الممارسة قانونيا على شرط  آن تتم بين فردين راشدين ودون الإخلال بالآداب العامة.
ومن الضروري الإشارة هنا هو أن نسبة الممارسة في البلدان التي تسامحت قانونيا لم يزد على نسبة الممارسة في تلك المجتمعات التي تعاقب عليها وتكبحها بشدة(قد يجري ذلك على قاعدة كل ممنوع مرغوب)،كما هو الحال في الكثير من المجتمعات في العالم،ومنها العربية والإسلامية.حيث تشير دوائر العلاقات الاجتماعية المغلقة أن هذه الظاهرة متفشية بين أوساط وزراء ومسئولين وسياسيين ومثقفين وكتاب وحتى في أوساط المعلين وممارسي الطقوس الدينية،عدا المنتشر منها في البيئات الاجتماعية ذات الطابع الشللي، والتي تعاني من مظاهر انحراف متعددة كجرائم السرقات والقتل وغيرها. ألا إن عوامل النبذ الاجتماعي لهذه الظاهرة وصرامة العقاب لا تدعنا إلى الوقوف على نسب انتشارها، كما لا نتوقع أن تنخفض هذه الظاهرة في ظل الانغلاق الاجتماعي وحالة الانكفاء بين الجنسين والتخلف العام. وعلى أية حال فهي ظاهرة لها جذورها الممتدة في التأريخ القديم وما قبل الإسلام و ما بعده، وتشير إلى ذلك بوضوح الكثير من الكتابات التاريخية من شعر ونثر ومحاورات وقصص مختلفة،وما كثافة النصوص القرآنية بهذا الخصوص إلا دليل دامغ على تفشيها.
ومن الجدير بالذكر هنا،أن النظرة الاجتماعية للعلاقة المثلية الجنسية عبر العصور لم تتميز بالشدة والإدانة التي حظيت بها الجنسية المثلية الذكرية، قياسا بنظيرتها ،الجنسية المثلية الأنثوية، وعلى العكس فأن بعض المجتمعات القديمة،كما كان الحال في اليونان القديم ،فقد رفعت الجنسية المثلية للمرأة إلى المرتبة الأسمى من علاقات الحب،غير إن الكثير من الأديان وخاصة السماوية(والإسلام منها) أدانت وازدرت هذا الاتجاه في المرأة،وجعلتها في منزلة الزنا، غير أنها لم تذهب إلى حدود الإدانة الصارمة وما يترتب عليها من عقاب كما هو الحال في اللوطية عند الذكور.وقد يفسر هذا الفارق في الظاهرتين بأن العلاقة المثلية بين الذكور هي في معظمها كاملة  من الناحية الجنسية وتشمل انتقال السائل المنوي إلى الطرف الآخر، بينما لا يتم هذا الانتقال في العلاقة بين امرأتين، أو قد يفسر من منظور اختلاف الأسباب الداعية إلى ذلك عند كلا المثليتين.
أما الموقف الديني التفصيلي من المثلية الذكورية(اللواط) فقد اعتبرها انتكاسا للفطرة الإنسانية المخالفة للمثلية، وأعتبر اللواط من أعظم الجرائم وأقبح الذنوب وأسوأ الأفعال، وضعف للعقل.ونذكر هنا بشكل خاص قصة قوم لوط ودلالتها الرمزية في انتشار ظاهرة اللواط، فقد وردت القصة في عشرة سور قرآنية وبزخم هائل من الوعيد والتهديد والعقاب، ونكتفي هنا بما ورد في بعض الآيات من سورة الأعراف/الآيات:80ـ84،قال تعالى: (ولوطا إذ قال لقومهأتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العالمين.إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا إن قالوا أخرجوهم من قريتكم أنهم أناس يتطهرون.فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين.وأمطرنا عليهم مطرا فأنظر كيف كان عاقبة المجرمين).وتشير النصوص القرآنية ،بما فيها النص المذكور أعلاه، إلى أن عقوبتهم كانت قلب ديارهم عليهم،والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء،وطمس أعينهم…الخ. تلك إذن هي الدلالات الرمزية لطابع العقوبات القرآنية التي يجب أن تستخدم ضد ممارسي اللواط.وكذلك السنة النبوية،فما جاء على لسان النبي (ص) بقوله:( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به).وعلى هذا الأساس المستوحى من النصوص القرآنية والسنة النبوية، فقد اجمع على قتل اللوطي لكن اختلفوا في طريقة القتل، فمنهم من ذهب إلى أن يحرق بالنار،ومنهم من قال،يرمى به من أعلى شاهق، ويتبع بالحجارة، وقد عمل في هذه العقوبات من قتل وحرق ورجم بعد النبي محمد وفي فترات تاريخية مختلفة.ويتفق الكثير من الفقهاء أن عقوبة اللواط أغلظ من الزنا، وعقوبته القتل على كل حال،أو يؤكد البعض القليل أن عقوبته وعقوبة الزنا سواء(أي مائة جلده).أما بالنسبة لعقوبة الجنسية المثلية الأنثوية( السحاق)، فقد اختلفت العقوبة،فمنهم من يرى أن فعل المرأة للسحاق أخف من فعل الرجل للواط من الناحية العملية،وهو شبيه بمقدمات فعل الزنا مثل التقبيل والمفاخذة والملامسة( أي ما نطلق عليه بالمداعبات)،ولذلك أختلف فيه الفقهاء بين من يقول أنه زنا أو مقدمات للزنا.وفي كلتا الحالتين فهو فاحشة ومحرمة في الدين،وقد يضع قول النبي محمد(ص) سقفا لهذا الاجتهاد بقوله:( السحاق زنا النساء بينهن).
وضروري الإشارة هنا أن القرآن أشار ضمنا إلى وجود حالات عدم الميل إلى الأنثى عند بعض الرجال، كما ورد ذلك في سورة النور، في الآية(31)، وهي التي تنصح المرأة بعدم إظهار زينتها(إلا ما ظهر منها)إلى الناس، ولكن أستثنى بعض الناس
الذين تستطيع أن تظهر لهم زينتها، ومن ضمنهم الأطفال وأولي الأربة. والمقصود هنا بأولي ألإربة، الرجال الذين لا يشتهون النساء(أي ليست لديهم ميلا للجنس الآخر). كما أشار النبي (ص) إلى هذه الظاهرة عند كلا الجنسين بقوله :أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخط الله تعالى،قيل : من هم يا رسول الله ، قال:( المتشبهون من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والذي يأتي البهيمة، والذي يأتي الذكرـ يعني اللواط) .وبالرغم من هذا الاعتراف بوجود هذه الظاهرة، إلا أن هناك رفض مطلق لما يترتب عليها من ممارسات سلوكية.
أذن هذا هو الموقف الديني من ظاهرة الجنسية المثلية الذكورية، يعكس لنا انطباعا، أنه موقف قطعي وذو حد واحد،لا يرى الظاهرة في إطارها الدينامي المتغير، ولا في سياق الظروف المحيطة بها،وتلك هي سنة الميتافيزيقيا الدينية وحدودها في بحث الظواهر الاجتماعية، وتلك هي أطر” المعالجة” من هذا المنظور.إلا أن المعارف العلمية في ميدان علم النفس تؤكد لنا أن ظاهرة المثلية الجنسية هي ظاهرة مرنة وذات مظاهر مختلفة في التعبير عن نفسها،و قد يتسع او يضيق مقياس المثلية استنادا إلى درجات سلمها المتعددة، وبالتالي فأن احتواء الظاهرة ووضعها في سياقها الصحيح هو المدخل الذي يحصر الظاهرة إلى حدودها الدنيا استنادا إلى الأسباب.
أن الجنسية المثلية عند الذكور حالها حال الجنسية المثلية عند الإناث، تعني بحدودها الواسعة حالات الميل أو التوجه نحو أقامة علاقة ذات طابع جنسي بين ذكر وفرد آخر من جنسه.ومن الواضح أن هذا المفهوم الواسع قد ينوه بالتساوي بين حالات الميل وحالات التوجه الفعلي،وهو أمر غير صحيح، ذلك أن توفر الميل لا يعني في كل الأحوال الاتجاه نحو الممارسة الفعلية، كما أن ممارستها بالفعل لا يؤكد قيام حالة الميل إلى الجنسية المثلية. ويتضح الفارق بين الحالتين إذا أمعنا النظر في الدرجات المختلفة للتوجه  نحو الأمور الجنسية بين فردين ذكرين، فهناك أولا أولئك الذين يتخذون سمات الأنثى من حيث اللباس أو الكلام أو التعامل الاجتماعي،ولكن بدون ظهور أي دليل على ميل أو اهتمام أو توجه نحو علاقة جنسية مع ذكر آخر وبأي درجة من التماس. وهنالك البعض من الذكور ممن تعرض لهم الأحلام المثلية في حالات اليقظة، ولكنهم لا يبدون اهتماما أو اتجاها فعليا نحو هذا النوع من الممارسة الجنسية. وفي درجة أخرى نجد أولئك الذين يداعبون الأفكار والميول الجنسية المثلية ويتمنون ممارستها لو يستطيعون. وفي درجة أقوى أولئك الذين تنشط فيهم الميول العاطفية إلى فرد من نفس جنسه وتصل إلى حدود التعلق سواء اتضح فيها الميل للممارسة الجنسية أو لم يتضح، وبالتالي فهنالك أولئك الذين يمارسون العلاقة الجنسية المثلية بالفعل، وحتى في هذه الحالة فهنالك صور ودرجات عدة لهذه الممارسة ومدى التماس بين جسمي الشريكين من مثل اللمس، إلى الاحتكاك، والى الاستمناء، والى العملية الكاملة من الولوج. وعلى أية حال فأن الاهتمام من الناحية النفسية ينصب على تلك الفئة من ممارسي الجنسية المثلية لا بسبب ممارستهم الفعلية لها بل بسبب انعدام الاهتمام والتوجه لديهم للعمل الجنسي الطبيعي مع الجنس الآخر. ومع أنهم  قادرون على مثل هذه العلاقة غير أن أرضائهم الجنسي لا يحصل إلا بعلاقة جنسية مع فرد من نفس الجنس، وهؤلاء ينظر إليهم بأنهم الجنسين المثليين”الحقيقيون” ، وهم على العموم لا خيار لديهم فيما يمارسونه”جسميا ونفسيا” بل يقبلون على الجنسية المثلية مطاوعة وبدون عناء الاختيار.
وهناك تفسيرات عديدة للجنسية المثلية، وليس لهذه التفسيرات كلها أن تتواجد في كل حالة من حالات الجنسية المثلية، فلكل حالة خلفيتها وظروفها ودوافعها الخاصة.والنظريات النسبية الواردة في تعليل الجنسية المثلية كثيرة بعضها ما يستند إلى أسس نفسية وبعضها إلى أسس اجتماعية وظرفية، وبعضها يعتمد على افتراضات بيولوجية وراثية أو مكتسبة، ومع ما يتوفر في هذه النظريات المختلفة من منطق مقنع، إلا إن الرأي الأكثر صوابا هو إن الاتجاه نحو الجنسية المثلية، خاصة الجنسية المثلية”الحقيقية” يتكون بفعل عوامل متعددة يصعب فرز واحد منها عن الأخرى. ويمكن أن نرصد هنا الاتجاهات العامة لهذه النظريات الواردة بخصوص الجنسية المثلية بالشكل التالي:
1ـ أن الجنسية المثلية بدرجاتها المختلفة في الأطفال هي أمر طبيعي،ولكن غير لازمة له.وتمثل دورا من أدوار النمو والنضوج الجنسي النفسي في حياة الفرد. غير أن هذا الدور ينتهي عادة بظهور الميول الجنسية نحو فرد من الجنس الآخر،غير ان استمرار الميول الجنسية نحو المثل من الجنس،قد يستمر بعد هذه المرحلة من النمو، وإذا حدث ذلك فان من أسبابه تخلف الحدث في ادوار نموه الجنسي النفسي وتأخره في النمو العاطفي عما يناسب سنه.
2ـ ممارسة الجنسية المثلية بشكل أو آخر بما في ذلك العلاقة الكاملة منذ سن المراهقة وحتى الكبر قد يحدث أحيانا أو بشكل متواصل، وقد لا يكون في هذه الممارسة أكثر من التعبير عن ضرورات التفريغ الجنسي الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عن هذه  الطريقة كما هو الحال في بعض الظروف المعينة كالدراسة الداخلية(الأقسام الداخلية) والخدمة العسكرية والتجمعات الذكورية المزدحمة وانعدام منافذ التعبير الجنسي كما هو الحال في بعض المجتمعات المحا فضة أو المغلقة، وكما هو الحال في المجتمعات العربية والإسلامية، وجميع هذه الحالات لا يمكن اعتبارها شذوذا جنسيا مطلقا بالمعنى الصحيح، وهي تنتهي عادة بانتهاء الظروف التي أوجدتها.
3ـ يمكن للفرد أن يتمتع باتجاهين جنسيين في آن واحد فيكون طبيعيا في ميوله وممارساته الجنسية مع فرد من الجنس الآخر، كما أنه يميل إلى أو يمارس الجنسية المثلية مع فردمن جنسه. وقد يكون اتجاهه نحو ممارسة أو أخرى متساويا، أو أن تكون الغلبة لواحد أو لأخر، ويصح اعتبار هذه المجالات بأنها انحرافا جنسيا إذا لم يتوفر ما يبرره ضرورة الجنسية المثلية بأسباب ظرفية وبتوفر الإمكانيات للعلاقات الجنسية الطبيعية.
4 ـ يمكن للفرد في حالات مرضية معينة كمرض الفصام العقلي(الشيزوفرينيا)،والخرف العقلي، وبعض أمراض الشيخوخة أن يتراجع (ينكص) إلى دور سابق من النمو الجنسي بما في ذلك الدور الجنسي المثلي.
5ـ أما الحالات التي يتجه فيها الفرد اتجاها كليا وكاملا نحو الجنسية المثلية، ولا تتوفر لديه الرغبة والميل إلى فرد من الجنس الآخر سواء قام بذلك أم لم يقم، فأن هناك العديد من النظريات التي تقدم تفسيرا لذلك،منها أن الفرد عانى منذ طفولته من عقدة الخصاء(الخوف من فقدان العضو التناسلي) وهذا ما يدفعه إلى تجنب العلاقة الجنسية مع المرأة لما توحي به هذه العلاقة في اللاوعي من أهلاك أو ضياع للعضو التناسلي. ونظرية أخرى تذهب إلى أن الطفل كان يكره أمه ولهذا يتجنب كل علاقة جنسية مع شاكلتها من نفس الجنس.ونظرية معاكسة ترى بأن السبب يعود إلى أن الطفل في طفولته كان يكره والده ،وهو بذلك يجد في العلاقة الجنسية مع فرد آخر وسيلة لتحقيق هذه الكراهية في النفس،وبهذا يكون العمل الجنسي المثلي تحقيقا لرغبة كامنة في النفس للتعدي على من هم من جنس أبيه وإلحاق الأذى بهم. ومن هذا القبيل نظرية ترد الجنسية المثلية إلى أن الطفل قد تعلق بأمه في صغره والى حد التقمص لشخصيتها تلقائيا بما في ذلك خضوعها ومطاوعتها للعلاقة الجنسية،وكأن الطفل كان يكره أباه وما يمليه من رجولة وتسلط،وهو بذلك يختار أسلوب أمه في الحياة بما فيه من خضوع وتقبل وسلبية.ومن النظريات التي تلاقي قبولا هي أن السلوك المخنث في الطفولة يبدأ في بعض الأطفال كميل تلقائي نحو الاهتمامات والميول التي تمارسها الأم والابتعاد عن اهتمامات وميول الأب وغيره من ذكور العائلة.والنظرية  التي تلاقي قبولا أعظم في الأوساط العلمية هي أن الجنسية المثلية”الحقيقية والفعلية” تتقرر بفعل عوامل بيولوجية تنتقل بالوراثة أو تحدث في فترة حاسمة من فترات النمو الجنيني ويستشهدون على ذلك بأن هنالك توافق أكبر في الجنسية المثلية بين التوائم المتشابهة أكثر مما هو موجود في غيرهم من التوائم والإخوة، كما يعزز هذه النظرية الفشل في علاج الجنسية المثلية الحقيقية في معظم الحالات ،وهناك رأي أكثر تطرفا لأنصار النظرية البيولوجية، وهو أن الجنسية المثلية تمثل وجود”جنس ثالث” غير جنس الذكر والأنثى، وبأن ممارستها هو تعبير عن هذا الجنس. وهو رأي مبالغ فيه الآن.
أن هذا التصور الواسع والمرن لظاهرة الجنسية المثلية،والذي يستند إلى نتائج البحث العلمي والملاحظات الميدانية الدقيقة يدفع باتجاه تبني برامج ملموسة تربوية ونفسية ذات طابع وقائي وعلاجي يحصر الظاهرة إلى حدودها الدنيا.أما التصور الحدي لظاهرة الجنسية المثلية، والذي نراه من خلال دعاة العقوبة الصارمة والتي لا تخضع للاجتهاد من حيث قسوتها، فهي ممكن أن تستخدم سلاح يطال  أناس كثيرون لإنزال التصفيات الجسدية والعقاب بهم في ظل غياب واضح للحدود بين الدين والسياسة وفوضى اختلاط السلطات . وأن القتل على المثلية الجنسية قد يتخذ منه  غطاء جديدا في الصراعات السياسية الدائرة في العراق ، وهو أدعاء ووسيلة للجم أفواه المذاهب والطوائف الأخرى في المطالبة بدماء ضحاياها.وهو خلط غريب  يثير الرعب والدموية ، عدا كونه تهمة سهلة لإلصاقها بالأخر المعارض ، إلى جانب عقوبتها القاتلة والتي لا تستند إلى القانون.  
وفي الوقت الذي تعكف فيه مراكز أسلامية عديدة في العالم على دراسة التخفيف من عقوبة  قتل المثلي فعلا إلى عقوبات أخرى اخف من الأولى ، تجنبا للفتنة الاجتماعية في ظروفنا المعاصرة، وانطلاقا من الفهم الديني الذي مفاده:” أن الفتنة أشد من القتل وأن كل فتنة حرام”،يتصدر العراق قائمة الدول التي تصدر الفتنة الاجتماعية. وفي ظل هذه الفوضى العارمة…..من يعلم منا، أن الكثيرون من يمارسوا القتل على تهمة” المثلية” هم أنفسهم كانوا مثلين في فترة من فترات العمر، أو لازالوا كذلك….بل قد يكون ممارسة القتل هو آلية سايكوعقلية للانتقام من الأخر والتكفير الذاتي ، عندما لا تتوفر الفرص للانتقال إلى حالة أفضل لدى صاحبه.
وإذا كانت المثلية الجنسية استثناء ، والاتصال بالجنس الآخر هو القاعدة، فأن الاستثناء يتواجد جنبا إلى جنب مع القاعدة ، ولا يمكن إقصاءه بوسائل الإبادة الجسدية أن وجد،بل أن الوسائل التربوية أنجع بكثير من الأولى، وتلك هي التجربة التاريخية.وعدا ذلك فأن هذا يشكل مظهرا من مظاهر تشوه القاعدة وتصدعها وعدم مقدرتها على احتواء الاستثناء.ونحن نعلم أن الاستثناء لا يتحول إلى قاعدة إلا في حالات محدودة جدا، كما هو الحال في السياسة، وكما هي الحالة في العراق، حيث من السهل في ظل  “ديمقراطيتنا العريقة” أن يتهم الجميع بالجنسية المثلية ،ويستحق القتل، ويخرج الجميع “لا شرف له”!!!، وتلك هي على ما يبدو” بدائلنا الناجعة” للكهرباء والماء ومحاربة الفساد وتحسين ظروف الحياة العامة وحقن الدماء!!!!!.