الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر.. السير عكس الاتجاه
2690c23a28b3bd08e64d98338a177cd5

الجزائر.. السير عكس الاتجاه

أتذكر عندما كنت أقيم فى الجزائر مديرا لمكتب الاهرام منذ سنوات قريبة أن همس لى أحد رؤساء الوزراء وكان مقربا من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يومها أن بلدهم هذا صعب المراسى يحكمه الجنرالات فلا تخشوا عليه فى المشرق العربي
فلن يعود الى سنوات الارهاب الأسود مرة ثانية فقد اتفق الجنرالات الكبار أصحاب الحل والعقد على الابقاء على بوتفليقة حتى آخر نفس من حياته رئيسا، وكأن لسان حاله، وأنا أغادره، يكاد يبلغنى أنهم وحدهم يملكون الحق الإلهى فى تعيين الرئيس الجزائرى فى كل مرة والآن فهمت مغذى هذا الحديث بعمق عندما ترجم عمليا هذه المرة واقتربت ساعة سباق الانتخابات الرئاسية حيث الخميس المقبل موعد التصويت لاختيار الرئيس الثامن للجزائر وعلى قمة المشهد الرئيس بوتفليقة فرس الرهان، ومعه خمسة مرشحين آخرين لن يحالفهم الحظ فى الوصول هذه المرة الى قصر المرادية حيث قصر الحكم فى وسط العاصمة الجزائر. ربما ستكون النتائج محسومة هذه المرة أيضا لمصلحة الرئيس بوتفليقة حيث إن هذا البلد يسير نحو انتخابات برئيس متوج سلفا وأرانب سباق تلعب دور الكومبارس، ولكن يجب أن يأخذ فى الاعتبار أن منافسه الأول خصم قوى هو على بن فليس غريمه السابق فى انتخابات 2004 حيث فاز بوتفليقة بشق الأنفس وأحرجه يومها بن فليس كثيرا.
وعلى الرغم من أن ظاهر الخلافات التى ظهرت بين أقطاب المؤسسة العسكرية والاستخباراتية وبرز أخيرا الى العلن وكانت مثار حديث الاعلام والسياسيين هناك فى المؤتمرات الجماهيرية قبل وبعد فتح باب الترشح، حيث تدخل الرئيس بنفسه فى الأيام الماضية وأصدر بيانا طالب الجميع بوقف هذا السجال والنظر مليا الى مستقبل هذا البلد.
حيث كان جوهر هذا الخلاف الذى دق أركان المؤسسة الحاكمة بما فيها العسكرية بقوة عندما تم تسريب معلومات صحيحة برفض رئيس جهاز الاستخبارات العميد محمد مدنى المكنى بالاسم الحركى الجنرال توفيق حيث يحكم فى منصبه منذ عام 1991 وهو الرجل القوى الأول فى الجزائر الذى لم يره أحد، او تنشر صورته لمرة واحدة طيلة هذه الفترة حيث يرفض الرجل ترشيح بوتفليقة بسبب كبر سنه حيث يبلغ 77 عاما، وحالته الصحية لاتسمح حيث أصيب فى ابريل من العام الماضى بجلطة دماغية ونقل شهرين لباريس للعلاج.
ويعانى صعوبة الحركة والتنقل وندرة الظهور حيث لم يظهر على شعبه فى احتفالية أو لقاء مباشر أو خطاب متلفز منذ مايو عام 2012 حتى الآن.
وكانت حجة الجنرال توفيق أن كل دول الجوار العربى للجزائر وغالبية أقطاره تشهد موجة ربيع عربى هادر، وأن زلزال التغيير وموجته لابد أن تقترب من الجزائر بقوة فى لحظة ما، وبالتالى بلد كالجزائر مؤهل بكبر حجم مشكلاته وتكاثر عدد سكانه الذى يبلغ 40 مليون نسمة الآن ومن دون سائر دول العالم العربى بحمى موجات وفوالق زلزال سياسى وأمنى فى التسعينات مازال غير محصن حيث خلفت تلك المرحلة نحو 250 ألف قتيل.
لا أحد ينكر أن هذا الأخير كان رجل سياسة بارعا ولاعبا رئيسا فى شبابه وسنوات نضوجه السياسى كان ماكرا ورقما صعبا فى المعادلة الجزائرية صاحب أدوار تاريخية فى إنقاذ الجزائر وشعبها، ويكفيه أن كل ماوعد به عندما حضر من المنفى الاختيارى لحكم الجزائر قد تحقق على يديه وكان أولها كلمته الشهيرة «جئت لإطفاء نار الفتنة» وهاقد فعل وحقق سياسة الوئام المدنى فى أول عام فى حكمه ثم فى عام 2005 حقق السلم والمصالحة للجزائريين.
وفى عهده تتمتع الجزائر بفائض 194 مليار دولار حجم الاحتياطى المالى حاليا لكن مع تراجع فى المشهد الاقتصادى وتأخر معدلات التنمية وانعدام الحياة الكريمة وعدالة اجتماعية غائبة وبات الفقر يقترب من جنبات الوطن وبالتالى هذا البلد الذى عانى ماضيا عقيما أو فاسدا مازال يواجه حاضرا متعثرا وينتظره مستقبل غامض حيث سينجح بوتفليقة فى الانتخابات ولكن فترته القادمة ستكون انتقالية، وبالتالى الحكم كله فى الجزائر انتقالى فهى ستعيش وقائع موت معلن كما قال ماركيز يوما فى إحدى روايته. وربما ستجد المؤسسة الحاكمة هناك نفسها مطالبة بعد فترة ليست ببعيدة بالبحث عن رئيس جديد وإجراء انتخابات جديدة، فالحالة الصحية يعلمها الجميع، وبالتالى كان يتمنى الغالبية فى الجزائر والعالم العربى أن تكون هناك رشادة سياسية لاختيار شخصيات شابة لقيادة البلاد بدلا من حالة السير عكس الاتجاه أملا فى ألا تعود الجزائر للخلف بقوة كما يخشى البعض، خاصة أن غضب ثورات الربيع العربى ليس ببعيد فبدلا من استمرار إعادة إنتاج أزمات الجزائر والربيع العربى كان لابد لقيادة تجنب البلاد هذا الشرك الكارثي الذي ينتظرها وحذر منه الجنرال الخفى توفيق.
“الأهرام”