الرئيسية / وجهات نظر / الخطأ التربوي الجسيم.. والعقاب المنافي للعدل؟!
BOUKHAZER

الخطأ التربوي الجسيم.. والعقاب المنافي للعدل؟!

تدور، منذ أيام، فصول حكاية مثيرة، يتداولها رواد صفحات “الفايسبوك. بطلها كاتب روائي، عاقبته وزارة التربية الوطنية، بتوقيفه عن العمل واقتطاع راتبه مدة شهرين؛ بناء على تقرير صادر عن المجلس التأديبي للأكاديمية (الشاوية ورديغة) والنيابة التي تتبعهما المؤسسة التعليمية التي يزاول بها الاستاذ المعاقب مهمة التدريس؛ وهو بالمناسبة أديب، حاضر في الفضاء الازرق؛ صدرت له روايات، بعضها طبع بالمغرب والاخرى بالمشرق (سورية).
ويتظلم، مصطفى الغتيري، من حيف تسببت فيه أطراف، يقول إنها تحقد عليه في المؤسسة التي يشتغل بها، ويذكر تحديدا، مدير المجموعة المدرسية؛ ويضيف إنها كادت له لدى الجهات التربوية المسؤولة ولفقت ضده، حسبما رشح من كلامه، تهمة ثقيلة: التحريض على مخالفة الاوامر وغياب الاحترام الواجب للعلم الوطني!
هذه مشكلة تبدو كبيرة، كان حريا ان يواجهها المعلم الأديب، بقدر من الهدوء والتريث في الرأي، ولو ادى به الحال الى الاعتذار وطلب الصفح، على افتراض ان ذلك السلوك المشين والمستهجن، صدر عنه، وهو في حالة انفعال شديد.
بدل ذلك، اختار الكاتب، تمثيل دور الضحية، وقد يكون مظلوما فعلا.عرض قضيته في”الفايسبوك” أمام أنظار الرأي، استدرارا للتعاطف والتضامن.طبعا من حقه ان يستغيث بأية جهة قد تنصفه؛ فقط كان عليه ان ينتبه الى انه يلعب بملف مرشح لمزيد من الاشتعال، وبالتالي فلا مصلحة له في التصعيد والتأزيم، لا مع وزارة التربية الوطنية التي تتعلل بأنها نفذت لوائح ادارية صادرة عن الجهة التربوية المحلية، لا سيما وان هذه الاخيرة، استندت في عقاب المربي “الغتيري” الى آلية تشاورية، أي المجلس التأديبي الذي يعبر عن وجهة نظر كافة الأطراف الممثلة في المؤسسة التعليمية، من إدارة ونقابات وممثلي آباء واولياء التلاميذ.
فما الذي حدث بالفعل، لتتحد كل مكونات المجلس كافة، ضد مدرس، يلقن تلاميذه مبادئ التربية الوطنية التي تحث على احترام رموز سيادة الوطن وعزته؛ تلك التي تجسدها بامتياز، الراية الوطنية الخفاقة في قلوب كل المغاربة ً يرفعونها في لحظات الفرح او الحزن الجماعي؛ على اختلاف أصولهم ومناطقهم وانتماءاتهم.
هل هو فعل مقصود، ذلك الذي تورط فيه المدرس، المحروم من الأجرة مدة ستين يوما؟ أم انه ضحية تهور وانعدام القدرة على التحكم في انفعالاته، فوقع، أو دفع، إلى السقوط في المحظور؟
يصعب الجزم برأي قاطع في هذه النازلة التعليمية غير المسبوقة، حسب علمي وتجربتي في الميدان.
والملاحظ أن “الضحية”مصطفى الغتيري، لم يضع الجمهور في واضح الصورة، من كافة جوانبها المعتمة، كما لم تبادر الجهات التربوية ذات الصلة، الى رفع اللبس الحاصل، ونشر روايتها للوقائع، بشرح الملابسات وتوضيح الضوابط القانونية التي حتمت اتخاذ إجراء قاس في حق منتسب إلى أسرة التعليم، قد يكون ارتكب، بغير وعي منه، خطأ جسيما لم يقدر عواقبه؛ إذ على افتراض ذلك كان ينبغي تطبيق ظروف التخفيف في حقه، كأن يوجه له إنذار قوي، أو ببساطة إحالة ملفه على العدالة لتبت فيه؛ على اعتبار ان الواقعة، اذا صحت، أكبر من مخالفة إدارية، بل مس بأحد مقومات السيادة الوطنية.
إنه جانب من القضية، يكتنفه قدر من الغموض، ساهم فيه المتضرر من حيث لا يدري،كونه أغفل في تظلمه للرأي العام، حيثيات ومسوغات القرار الصادر ضده، باستثناء تنديده بالظلم والتآمر من جهات لا تريد له الخير.
اعترف باني فضولي، إذ أحشر نفسي في خلاف،لست ملما بتفاصيله، لكني من باب التعاطف المشروط، بعدالة قضية الكاتب “الغتيري” تمنيت لو ان القضية وقفت عند الحدود المعقولة، بل اخشى ان ينقلب التضامن معه الى ضرر عليه، اذا ما صعدت الجهات التي أصدرت العقاب،من جانبها، وفتحت ملفات متفرعة عن المشكل الاصل مثل تهمة التشهير بالوزارة والاساءة الى العاملين فيها.
وبودي في هذا السياق، ان ادلي بشهادة في حق، وليس بالضرورة في صالح، الاديب الغتيري، الذي اعرفه معرفة محدودة، لم تتعد لقاءات عابرة في سياقات ثقافية.
أستبعد ان يكون المعني بالأمر، تقصد الاستهتار برمز الوطن او حرض على ذلك. قد تكون الحكاية كيدية من الأصل ومختلقة لغاية الانتقام. ليس “الغتيري”حسب انطباعي، بالمثقف العدمي الذي لا يعير للقيم قيمة؛ لكني لا أتردد في وصفه بالمزاجي الصعب، غير المتحكم في ردود افعال قد يجره اليها، لأسباب غامضة، من لا يضمر له الود.
وسأسوق في هذا الصدد، واقعتين كنت شاهدا عليهما: الأولى في مؤتمر اتحاد كتاب المغرب الاخير، قبل حوالي ثلاث سنوات،حين أسفر تصويت الكتاب المؤتمرين عن حصول الغتيري، ومرشح آخر،على نفس عدد الأصوات،ما يعني قانونيا إجراء القرعة بينهما، ما دام ترتيبهما في آخر القائمة. لكن الغتيري، فاجأ القاعة، وهو بادي الانزعاج، من النتيجة، بالتنازل عن حقه لصالح المرشح الاخر، وهو في نفس وضعيته من حيث عدد الاصوات.
وأذكر اني كنت واحدا من معارضي التنازل وطالبت بتطبيق الآلية المتعارف عليها، اي إجراء القرعة التي آلت نتيجتها لصالح “الغتيري”.
وقبل الاحتكام الى القرعة وأثناء التصويت في الكواليس، بدا لي المرشح الغتيري، قلقا غير واثق من الفوز، فكان علي ان اطمئنه.
الواقعة الثانية، حدثت بعد تشكيل المكتب التنفيذي للاتحاد وتوزيع المهام بين الاعضاء. لم تمض إلا أيام معدودة حتى فاجأ، الغتيري، الرأي العام الثقافي، بانسحابه من غرفة قيادة اتحاد الكتاب، دون ان يشرح موقفه لدى الرأي العام الثقافي؛ لكنه لمح الى عدم رضاه عن تدبير شؤون الاتحاد وانعدام الشفافية والتخليق في قراراته، ما دفعه الى الاستقالة من منظمة، تصورها بخلاف ماوجدها عليه.
استنتج من كل ذلك أن، الغتيري، ليس مثقفا ماكرا او انتهازيا نفعيا، اذ لو كان كذلك لما عزم على التضحية بثقة نالها بالاصوات، ولما غادر مكتب اتحاد الكتاب، وقد وجده غيره المكان المناسب لممارسة ما هو ادنى من الانتهازية والريع الثقافي. أكيد أنه مثالي وتلقائي، والله اعلم.
والحقيقة ان ما حملني على توريط نفسي في ملف مبلل،هو الغيرة على الوطن وسمعة البلاد، من بعض أساليب التضامن مع “الغتيري” خاصة تلك التي تجاوزت حدود المؤازرة، وأباحت لنفسها، عبر خطابات عدمية تحريضية ووقحة، التعريض بالمؤسسات التي لا تحترم، حسب مزاعمها، القانون، وبأن المسؤولين المغاربة مستبدون، يمارسون شرع أيديهم في عباد الله، دون رادع.
لاحظت كذلك ان شرارة التضامن، امتدت خارج المغرب، لدرجة ان متبرعا مشرقيا، تطوع بصرف أجرة شهرين للأستاذ الغتيري، طالبا منه موافاته بحسابه البنكي.
ان التضامن، قيمة مجتمعية تحمي من التعسف والانحراف، والمؤسف انه تحول في هذا البلد الى تصفية حساب مع الوطن.
ولست مجبرا على الوقوف الى جانب طرف ما، لم اكن على بينة تامة من خلفيات القضية. لكن، يبدو لي ان وزارة التربية قصرت في احترام القانون، او على الاقل، تعسفت في تأويله ضد “الغتيري” فليس المجلس التأديبي سلطة قضائية، حتى تحكم، بحرمان المعني بالامر من راتبه الشهري وتجريده من صفته الوظيفية. إنه شطط، ينبغي تصحيحه فورا او تعليله قضائيا.
ووجب على الوزارة كذلك، تنوير الرأي العام التعليمي، بحقيقة ما وقع، مثلما كان حريا بالمتضرر، أن يلجأ الى الآليات المعتادة، الممثلة في النقابات اذا كان منخرطا فيها، فمن واجبها التضامن معه وتعيين محام يدافع عنه في دعوى ترفعها النقابة على الوزارة.
قضية “الغتيري” تؤشر، من جانب، الى ضعف الوعي بالقانون عند أطراف القضية،ومن جانب آخر، تكشف عشوائية تضامن،لا يميز بين موقف اخلاقي، وواجب التحفظ الذي يفرض عليه تجنب التعميم واصدار أحكام مضرة بالوطن وبسمعة مؤسساته
أتمنى ان تتحرك الوزارة للتحري والانصاف وان يكف “المتضرر” عن تصعيد لن يجني منه طائلا، ما دام مصرا على الانتساب إلى أسرة التربية والتعليم….