الرئيسية / وجهات نظر / البعد الاقليمي لرئاسيات الجزائر
8f316ac48e41dc8633e89a01554f58d5

البعد الاقليمي لرئاسيات الجزائر

انتبه مرشحون للرئاسيات الجزائرية، في الرمق الأخير للمنافسات، إلى أن البعد الإقليمي يمكن أن يؤثر في استمالة الناخبين. وقدم أكثر من مرشح وعوداً لناحية البحث في معاودة فتح الحدود المغلقة مع الجار المغربي، وتسوية الخلافات العالقة، والاتجاه نحو تفعيل الاتحاد المغاربي المتعثر.
مصدر الاهتمام أن أوضاع الجزائر الاقتصادية والاجتماعية، كما جوارها المغاربي شرقاً وغرباً، لا يمكن النهوض بها وفق المقاربات المحلية فقط، مهما ارتدت من أهمية، في ضوء تشعب المشاكل وتعاظم التحديات. فقد سبق العالم إلى اكتشاف عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية، بديلاً من الانكفاء، ولولا هذا الميل الذي تعززه تجارب سياسية وإنسانية لما نهض الاتحاد الأوروبي على الضفة الشمالية للبحر المتوسط، ولما تمكنت دول المنظومة الخليجية أن تصمد في وجه هزات وحروب إقليمية، ألقت بظلالها على الواقع الإقليمي برمته، ولما بادرت دول في آسيا وأميركا الجنوبية وإفريقيا إلى ترجيح كفة التكتلات المنتجة.
حظ المنطقة المغاربية كان عاثراً. وعلى رغم أنها تنبهت إلى مزايا الاتحاد والتكامل، قبل انهيار المعسكر الشرقي، فإن حصيلتها التي تعود مرجعيتها إلى سنوات استبقت التوجهات الأوروبية، كانت أقل من المعول عليه، أي مجرد الإبقاء على حال الحد الأدنى من الوفاق الذي يوقف حافة التدهور. غير أن كل شيء يبدأ بالوعي بأهمية ما يمكن تداركه. ولا يعني دخول البعد الإقليمي على خط المنافسات الانتخابية في الجزائر، وإن بطريقة أكثر احتشاماً، سوى أن المرشحين يرغبون في مخاطبة وجدان ناخبين، لا يتصورون مستقبل الجزائر خارج فضائها الطبيعي، أي فاعلاً مؤثراً في جهود البناء المغاربي الذي يكفل قيام نظام إقليمي متكامل ومتوازن، يمثل الند المحاور للاتحاد الأوروبي عمودياً، والخلفية الجغرافية والسياسية لمجلس التعاون الخليجي أفقياً، من دون إغفال الامتداد الإفريقي الذي بات مصدر انشغال دولي.
رغم الطابع المحدود لهكذا دعوات، فإنها تعكس وعياً بإهدار فرص متاحة. والتغيير إن كان مطلباً ملحاً في مسار الإصلاحات التي ترقبها شعوب المنطقة، فإن تكريس خطط طموحة في التكامل الاقتصادي وتدفق الأشخاص والبضائع والاستثمارات دون معوقات، يعزز الوجه الآخر لعملة الإصلاحات، بخاصة في غضون توفر عوامل مشجعة في تكامل الثروات وانفتاح وتفاعل الموارد. ومن التداعيات السلبية لما يعرف بالربيع العربي أنه أبقى على نمط الانكفاء الداخلي، ولم يبحث عن تصريف الأزمات وتبديدها عبر التكامل الإقليمي.
ما كل الوعود الانتخابية قابلة للتحقيق، وكثير من التعهدات التي تحفل بها المنابر الخطابية في فترات الحملات والمنافسات، تتبدد أمام ضآلة الإمكانات، في حال اعتبار ذلك إكراهات لا تنقص من زخم الإرادة. لكن في مجال الانفتاح الإقليمي لا يكلف الأمر غير خفض منسوب الأخطاء والإذعان إلى منطق العصر. وفي حالة المغرب والجزائر تحديداً، لا تتطلب معاودة فتح الحدود أكثر من توقيع يعكس هذه الإرادة. لأنه مهما كانت الآثار السلبية لتوقف البضائع وسريان التجارة البينية الشرعية وغير الشرعية، فإن دمج الاقتصاديات المنظمة إلى بعضها، بخاصة على الشريط الحدودي، يكفل طرد الوجه السيئ للعملة الواحدة.
كذلك هي حال باقي الملفات والأزمات. وأقربها أن قضية الصحراء التي هيمنت على محور الخلافات، توجد اليوم على طاولة الأمم المتحدة. وبدرجة من التعاون الذي يتناسى المؤاخذات، يمكن الدفع قدماً بمسار التسوية عبر الحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، كونه يخلص الأطراف المعنية، وضمنها الجزائر، من أي حرج، فقد أوصلت القضية إلى منتهاها. وماذا بعد؟
الإخفاق في بناء علاقات الثقة بين البلدين الجارين يشكل مصدر المتاعب. وعندما ينبري مرشحون للرئاسيات إلى تقليب الصفحات الحزينة لهذه العلاقات، فإن مجرد التلويح بوعود لناحية معاودة الاشتغال بهذا الملف، يفيد أنه ما زال في الإمكان توقع حدوث انفراج ما. والأكيد أن هذا الرهان لن يقوم به أي طرف خارجي. فالمتضرر رقم واحد هو شعوب المنطقة. وطالما أن الانتخابات أقرب وسيلة لمعرفة ميول الناخبين وتطلعاتهم، فإن مجرد العزف على وتيرة الانفراج المنشود، يعني أن حاجة هذه الشعوب إلى وئام أكبر، تنتفي فيه الحواجز والحساسيات، يتوازى وتطلعاتها في اتجاه العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة.
ليس مثل الاستحقاقات الانتخابية أثرا في الخطاب الصريح الذي يذهب نحو عمق الانشغالات. وأيا كانت نتيجة الرئاسيات الجزائرية، فقد أظهرت الحملات الانتخابية أن الوفاق المغربي – الجزائري لا يقل أهمية عن الوئام الداخلي. والسؤال كيف الطريق إلى ترجمة مشاعر الشعوب التي تكون أكثر صدقا وإخلاصا.
“الحياة” اللندنية