الرئيسية / وجهات نظر / ظروفٌ استثنائية تنقذ إدارة العهدة الرابعة
حبيب راشدين

ظروفٌ استثنائية تنقذ إدارة العهدة الرابعة

لا شيء في الأفق المنظور يؤشر إلى قرب حدوث مستجدّات دراماتيكية، قد تدفع بالنظام إلى إحداث تعديل في المسار المتبع منذ بداية العهدة الرابعة، بل ويكون النظام قد استفاد من متغيرات داخلية وخارجية، منحته فرصة المضيّ قدُما في إدارة الدولة دون الحاجة إلى تغيير فجائي في مؤسسات الحكم، وتحديدا على مستوى الرئاسة.
الجبهة الاجتماعية التي كان يُخشى منها على الاستقرار، هي اليوم أكثر استقرارا وسكونا مقارنة مع السنة الماضية، مع تراجع منسوب الاحتجاجات العمالية، سواء في قطاع الوظيف العمومي، أو في القطاع الإنتاجي والخدمي العمومي، ولا يبدو أن انخفاض أسعار النفط، وتراجع الموارد المالية قد أحدث هلعا في الأوساط الحكومية أو النقابية، ورأينا رئيس الحكومة يعد بكل ثقة بدخول اجتماعي هادئ، يفترض معه تراجع الحكومة عن نية الانتقال سريعا إلى تطبيق برنامج تقشفي صارم يطال الأجور أو منظومة دعم مواد الطاقة والمواد الإستهلاكية.

إدارة ناعمة لسياسة التقشف

وبالنظر إلى تراجع موارد الدولة من الجباية النفطية، فإن القرار يكون قد اتخذ لتغطية العجز من الاحتياطي المالي المدخر من السنوات السمان، مع صرف النظر عن بعض المشاريع القاعدية الكبرى المكلفة، ومراجعة برنامج الاستيراد قد يطال بالدرجة الأولى قطاع السيارات والكماليات، كما يعوّل على مزيد من الترشيد في الإنفاق الحكومي، في المركز كما في المؤسسات المحلية، مع قدر أكبر من الصرامة في منظومة تحصيل الجباية ومحاربة التهرب الضريبي، وكلها حلولٌ منطقية قد تساعد الحكومة على إرجاء الحلول المؤلمة إلى ما بعد 2016 والمراهنة على عودة الحيوية إلى قطاع المحروقات.
الظرف الاستثنائي الآخر الذي قد يشجّع النظام على مواصلة إدارة العهدة الرابعة دون الحاجة إلى تغيير يستجيب لمطالب المعارضة السياسية، هو حالة الضعف المزمنة للمعارضة، التي أثبتت عجزها في ممارسة ضغط حقيقي ملموس على السلطة، يحملها على التغيير أو على الانفتاح على مطالبها، ويبدو أن المعارضة قد دخلت مجددا في حالة سبات وانكفاء، وفقدت ذلك القدر من الزخم الذي تحقق لها نهاية 2014 على خلفية لقاء زرالدة ولا يبدو أنها قادرة على تجديد المحاولة، وقد فقدت حتى الفرص التي كانت قد تهيأت لها، سواء مع دعوة السلطة للتشاور حول مسودة تعديل الدستور، أو في المبادرة التي أطلقتها جبهة القوى الإشتراكية.
تراجُع منسوب الاحتجاجات الاجتماعية والاضطرابات في مدن شمال الصحراء: في ورقلة وأدرار يكون قد حرمها من فرصة البناء عليها، وصرفها كرافد شعبي لمطالبها السياسية، مع تراجع اهتمام القوى الأجنبية، وتحديدا دول الإتحاد الأوروبي، بما كانت تعد به المعارضة من فرص للضغط على النظام.

مصائب قوم عند قوم فوائد

وعلى هذا المحتوى تحديدا يكون النظام قد استفاد من حاجة الدول العظمى إلى تطويق الأزمات الوافدة على منطقة شمال افريقيا والساحل، وعلى الدور الذي يمكن أن يوكل لبلد مستقرّ مثل الجزائر، بمؤسسات أمنية قوية تمتلك تجربة متميزة وناجحة في محاربة الإرهاب، قد تساعد على وقف تمدّد “داعش” في دول المغرب العربي ومنع تهديدها المباشر لتونس.
النجاح الذي تحقق للدبلوماسية الجزائرية في الملف المالي، يعوَّل عليه مجددا في إدارة الملف الليبي، الذي انتج تهديدات مباشرة للمصالح الأوروبية، سواء من جهة تحوّل ليبيا إلى أهم قاعدة لتصدير الهجرة السرية، أو من جهة الانتشار اللافت لمجاميع تنتسب لـ”داعش” في أكثر من مدينة ليبية، وتحديدا حول منابع النفط وموارد المياه، وتمددها العملاني داخل تونس.
كل ذلك ساعد النظام على إرجاء قطار الإصلاحات إلى أجل غير مسمى، حتى وإن كان قد أنجز على ما يبدو ما يشبه إعادة الانتشار داخل مؤسساته التقليدية، رأينا جانبا منها في ما حصل من إعادة وضع اليد على جبهة التحرير والتجمع الوطني، وتطيرهما من العناصر والقوى التي قد تستغل لضرب تماسك واجهة النظام، وربما يكون قد حصل توافق مبدئي على خطة احتياطية بديلة لمواجهة حصول شغور اضطراري على رأس مؤسسة رئاسة الجمهورية يتم الانتقال إليها فورا عند الحاجة.

إعداد البدائل لما بعد العهدة الرابعة

والحال يحسن بالمعارضة أن تنتقل من المطالب التي رفعتها غداة تمرير العهدة الرابعة، بالعودة إلى المربع الأول، والبحث عن جسور تواصل مع السلطة لفتح ملف الإصلاحات السياسية بعيدا عن مطلب المرحلة الانتقالية أو المطالبة بتطبيق المادة 88 من الدستور، لأنها عمليا لا تملك أدوات ووسائل ضغط كافية في وجه نظام متماسك، يبدو أنه قد تأقلم مع الأوضاع المترتبة عن صحة الرئيس، كما استوعب صدمة انهيار أسعار المحروقات، واستفاد من الأوضاع الأمنية غير المستقرة في منطقة شمال إفريقيا والساحل، وقد يستفيد أكثر في حال تفاقم الوضع الأمني في تونس.
ولأن السياسة هي فنّ الممكن، فإن المعارضة مطالبة بمراجعة حساباتها، والبناء على ما هو ممكن، وما هو ممكن حتى الآن هو الدخول في شراكة مع السلطة لتحضير مرحلة ما بعد نهاية العهدة الرابعة، بالتوافق على جملة من الإصلاحات السياسية تمرّ حتما عبر تعديل الدستور، وربما حتى إنتاج دستور جديد توافقي، يوفر للبلد الأدوات السياسية الضامنة لعبورٍ آمن للعقد الصعب والمتفجر ما بين 2015 و 2025، الواعد بتغييرات دراماتيكية مُفجعة لمعظم دول وشعوب العالم.

*صحفي جزائري/”الشروق”