الرئيسية / وجهات نظر / «انهيار الدولة» في تونس؟!
MOHAMED KRICHANE

«انهيار الدولة» في تونس؟!

إذا ما تكرر اعتداء إرهابي من قبيل ما حدث في مدينة سوسة مؤخرا «فإن الدولة ستنهار»… هذه أخطر جملة على الإطلاق نطق بها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في كلمته إلى الشعب السبت الماضي والتي لم يتوقف عندها كثيرون أو ربما لم يتوقف عندها أحد تقريبا.
لا أحد يدري لماذا تــُـركت هذه الجملة بالتحديد، على جسامة مدلولها، في وقت تعرضت فيه كلمة الرئيس إلى عملية «مونتاج» كبيرة فقد كان مفضوحا أن هناك جملا حذفت وأخرى أضيفت، لاعتبارات سياسية على الأرجح، في حين تركت هذه الجملة القصيرة الثقيلة جدا في مضمونها. ما الذي قصده الرئيس بالتحديد بانهيار الدولة؟ وما هذه الدولة التي تنهار جراء بعض عمليات إرهابية مهما بلغت دمويتها وفداحة الخسائر المنجرة عنها؟!! وأين ذهب افتخار الطبقة السياسية التونسية بأن ما أنقذ البلاد طوال السنوات الخمس الماضية هي صلابة الدولة التي أقامها الحبيب بورقيبة باني تونس الحديثة (1903 ـ 2000)، صلابة في تجذر مفهومها لدى الناس وفي المؤسسات التي أرساها والمرافق الحيوية التي أنشأها؟!!
هي ليست زلة لسان بالتأكيد، إذ لو كانت كذلك لحذفها من أشرف على «تشذيب» الكلمة الرئاسية، وهو من يـُـتوقع مبدئيا ألا تغيب عن حسه السياسي المفترض جملة كهذه مشبعة بالدلالات. إذن ما الحكمة من قولها ومن تركها «تنجو» من مقص «الرقيب»؟!! هذا الرقيب الذي كشفته رعونة الفني المشرف على ترتيب اللمسات الأخيرة التي قد تكون السبب في تأخر الكلمة الرئاسية المسجلة عن موعد بثها الأصلي.
الرئيس قائد السبسي لا يمكن أن تخفى عليه خطورة جملة كهذه، فهو من مدرسة بورقيبة التي تعلم فيها جيدا أن كل كلمة إلى الشعب يجب أن تدرس وتمحص حتى أنه عرف عن بورقيبة أنه كان «يطبخ» خطبه على نار هادئة ويظل يتدرب عليها بتركيز شديد ثم يخرج إلى الناس فيبدو كأنه يرتجلها للتو «كذلك كان يفعل زعيم فرنسا التاريخي شارل ديغول (1890 ـ 1970)». الأرجح أن الرئيس التونسي تعمد قول ما قاله عن «انهيارالدولة» بلغة الجزم واليقين وليس بلغة الخطر أو الاحتمال، لأحد هذين السببين أو لكليهما:
ـ تخويف الناس لإحداث صدمة كبيرة لديهم من ويلات مآل مظلم كهذا وهو يرون ما الذي حل بجارتهم ليبيا عندما تفرق أهلها شيعا وأضاعوا من بين أيديهم الدولة الواحدة المركزية التي يسعون حاليا جاهدين لاستعادة ما يمكن منها. ثم إن انهيار أي دولة، المصحوب بطبيعة الحال بانهيار كل القوانين الضابطة لحركة المجتمع ومرافقه العامة، لا يمكن في غالب الأحوال إلا أن يتزامن مع حرب أهلية تتغذى من مظالم متراكمة ومن سلاح بدأ يجد طريقه إلى البلاد نتيجة الأوضاع المضطربة في المنطقة بأكملها.
ـ معلومات أكيدة وموثقة أن البلاد مقدمة على سلسلة من العمليات الإرهابية النوعية ما يدخل الدولة والمجتمع في حالة من الفوضى يعجز الجميع لاحقا على السيطرة عليها أو حتى احتوائها. وطالما أن معلومات من هذا القبيل لن تكون معروضة على قارعة الطريق فإن الأجهزة الأمنية العليا، وبالتنسيق مع أجهزة مخابرات إقليمية ودولية، هي الوحيدة التي تمتلكها. وبما أن الكشف العلني عن مثل هذه العمليات المزمعة أو المخطط لها دفعة واحدة قد يكون مربكا للغاية لعموم الناس، فقد بدأ تدريجيا تسريب بعضها إلى الإعلام على غرار ما أعلن مؤخرا بعد عملية سوسة من أنه كان هناك مخطط لمذبحة مشابهة في منطقة «سيدي بوسعيد» الشهيرة في ضواحي العاصمة.
لا يمكن أيضا استبعاد أن يكون هذا التخويف مدروسا تماما ومبالغا فيه عن عمد ليكون مقدمة وجيهة، لدى بعض الأوساط الحاكمة على الأقل وتحت غطاء حالة الطوارىء المعلنة لثلاثين يوما والتي قد تجدد فيما بعد، لإعادة فرض قبضة أمنية قوية في البلاد تستند أيضا إلى حالة إقتصادية متدهورة للغاية لم تعد تحتمل مزيدا من الاضرابات والاعتصامات والاحتجاجات. ورغم أن الرئيس التونسي سعى إلى طمأنة السياسيين والصحافيين بخصوص عدم المس من الحريات التي هي «من مكاسب الثورة» إلا أنه ليس من السهل تبديد كل الشكوك التي تتغذى من مؤشرات أخرى كثيرة.
المؤلم في كل ما سبق، أنه رغم وجاهة ما قاله الرئيس من أن «تونس تواجه خطرا داهما» وأنها «في حالة حرب من نوع خاص» تتطلب «تعبئة شعبية»، والذي يشاطره فيه أغلب التونسيين الذين ملوا من أشياء كثيرة في بلادهم أبرزها التسيب وغياب الشعور بالمصلحة الوطنية، إلا أن دفعه إلى مداه الأقصى متمثلا في التلويح بخطر «انهيار الدولة» قد يكون مقدمة لإعادة أسلوب القبضة الحديدية في حكم الناس انسجاما مع ما بات يردده كثيرون من عامة الناس بأن التونسيين في مجملهم لم يثبتوا النضج الكافي في التعاطي مع الديمقراطية وأنهم لا يفهمون إلا بــ «الصطاكة» أي بالقوة!!. كلام مؤلم ومحزن ومسيء أيضا، ولكن على التونسيين الآن إثبات أنه غير صحيح…فهل هم قادرون؟

٭ كاتب وإعلامي تونسي/”القدس العربي”