الرئيسية / وجهات نظر / النموذج التونسي أمام تحديات هائلة
فاطمة العيساوي

النموذج التونسي أمام تحديات هائلة

بقلم: فاطمة العيساوي*

يترنح النموذج التونسي الديمقراطي، الناجح نسبياً، على وقع أزمات اقتصادية مستفحلة، ائتلافات سياسية غير متناسقة، انقسام حول معنى المواطنية، واعتداءات إرهابية متواترة أثبتت عجز الإمكانات المحلية على مواجهتها. دماء السياح الأجانب على شاطئ أحد أبرز المنتجعات السياحية في تونس شكلت ضربة قاسية لصورة هذا النموذج، والأمل الذي لا يزال يجسده. تقدم تونس مشهدا يختصر تناقضات عمليات الانتقال الديمقراطي في المنطقة، فهي الأكثر تقدما في الإصلاحات السياسية، وفي الوقت نفسه، الأكثر إيغالا في تزويد داعش بالعناصر، ما قد يشكل، في حد ذاته، تصويتا داخليا على عدم جدوى هذه الإصلاحات التي لم تطاول، على ما يبدو، هؤلاء الشبان. ومنفذ الاعتداء الإرهابي على سياح فندق سوسة أحد هؤلاء الشبان، وبحسب معلومات رسمية، هو مجرد طالب، لم تسجل له سوابق أمنية.
قدمت ثورة الياسمين تجربة مختلفة تماماً عن جاراتها، لقدرتها على تجاوز انقسامات سياسية عاتية، عبر انتخابات نزيهة، من دون اللجوء إلى العنف أو إقصاد الآخر. في الوقت نفسه، لا يبدو هذا التسامح السياسي الذي ولد ائتلافات غير متوائمة، ولا فاعلة، لا يبدو قادراً على لم شمل التونسيين المنقسمين بين علمانيين وإسلاميين، ليبراليين وراديكاليين يساريين، نخبة وعامة، فرنكوفونيين وعروبيين، من هو مع الدولة القوية ومن يخشى عودة الدولة البوليسية، من يريد كفاً راجحة للدولة في مواجهة التطرف الإسلامي ومن يخشى استعادة أساليب النظام السابق القمعية، واتساع الهوة بين الدولة ومجموعة غير قليلة من أبنائها.. وكان شريط فيديو يظهر مسرحية طلابية في إحدى المدارس، ينجح فيها رجل الشرطة في القبض على “الإرهابيين”، وهؤلاء طلاب متنكرون في زي إسلامي، أثارت موجة واسعة من الانتقادات لما اعتبر إلصاقا لوصمة الإرهاب بكل ما هو إسلامي، في حين رد آخرون أن ما يجري في بعض المدارس من دعوات مباشرة للجهاد يتم تلقينها للتلاميذ أخطر بكثير.
لا يقدم الإعلام التونسي الكثير عن هذا الانقسام المتزايد، كما لا يحاول التحري عن المشارب الاجتماعية والاقتصادية لهؤلاء الشبان الراغبين في تصويب رصاصهم في جسد الاقتصاد التونسي، انتقاما لنجاح التجربة الديمقراطية، أو ربما انتقاما لعدم قدرتها أو رغبتها في تبنيهم في صفوفها. وكان تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز نقل شهادات لشباب تونسيين في مناطق ريفية، يتحدثون فيها علناً عن رغبتهم الانضمام لتنظيم داعش، لضيق أفق فرص العمل وسبل الحياة. لدى هؤلاء، يجد خطاب عداء الغرب، ذي الجلد المتلون والمعايير المزدوجة، برأيهم، آذانا صاغية بقوة. وفي عرف التحقيق الصحافي المنشور في أكتوبر/تشرين الأول 2014، لم تجلب الحرية تغييراً كثيراً في حياة هؤلاء الشبان العاطلين عن العمل، سوى أنها أتاحت لمن يعمل على تجنيدهم الحرية في الدعوة للجهاد في أوساطهم، من دون رقيب.
لا يقل الموقف الدولي من نجاح النموذج التونسي تناقضاً. لا يتوقف العالم عن الإشادة بإنجازات تونس، باعتبارها الأمل في انتقال ديمقراطي سلمي وجامع، يصلح أن يكون نموذجاً يحتذى في المنطقة. في المقابل، لا تترجم هذه الإشادات مبادرات فعلية، لدعم قدرة هذه التجربة الهشة على الاستمرار، وتفادي سقوطها في فخ العنف أو الديكتاتورية، على مثال جاراتها في المنطقة. في المقابل، تحظى تجربة السقوط الانتقالي في الديكتاتورية العسكرية في مصر باهتمام دولي واسع، ترجم دعوات واسعة للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مهندس توقف عجلة العملية السياسية الانتقالية، وإشادات بقدرته على مواجهة الإرهاب و”الرؤية المستقبلية” التي يحملها لمصر “حديثة”، على حد وصف رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير. لم تشكل الحصيلة السوداء لأوضاع حقوق الإنسان المتفاقمة سواداً عائقاً أمام إشادة وزير الخارجية النمساوي بجهود السيسي، معتبرا أنه يشكل خياراً أفضل بكثير من حكم جماعة الإخوان المسلمين. ولعل توقيف صحافي (الجزيرة)، أحمد منصور، على يد الأمن الألماني في ما بدا اتفاقا بين الحكومتين، المصرية والألمانية، لتسليم مطلوبين في أحكام قضائية، تفتقر للحد الأدنى من العدالة والصدقية، مؤشراً لعمق الدعم الذي يحظى به السيسي، في ما يتجاوز المسألة الحقوقية التي تبدو غير ذات أهمية بالنسبة لعتاة الديمقراطية الغربية.
نموذج “الزعيم القوي” على شاكلة السيسي هو الرد الأفضل والأنجع، بالنسبة لهؤلاء، في مواجهة التطرف الإسلامي. أما النموذج الديمقراطي الذي تمثله تونس في قدرتها الهشة على مقاومة الثورات المضادة العاتية، وظروف أمنية واقتصادية شاقة، فهو أقل جاذبية بكثير وقد يكون، في حديث الكواليس الخلفية، نموذجاً لم يعد مرغوباً به.
اليوم، تقف تونس تترنح وحيدة في مواجهة تحديات هائلة، ومعها تترنح آمالنا في إمكان استمرار هذا النموذج اليتيم مناسبة، ولو موسمية، للأمل في البقعة السوداء المتزايدة اتساعا لخراب المنطقة.

* باحثة جامعية لبنانية /”العربي الجديد”