الرئيسية / وجهات نظر / متى تستأنف القاطرة العربية سيرها؟
رغيد الصلح

متى تستأنف القاطرة العربية سيرها؟

بقلم: د. رغيد الصلح*
تثير مسألة العلاقة بين التنمية والتحرير مناقشات مستمرة في الدول العربية، خصوصاً التي تتحمل القسط الأوفر من أعباء الصراع مع «إسرائيل». وينطلق النقاش عادة من ضرورة تحديد الأولويات: فإما أن تكون الأولوية للتنمية وإما للتحرير. وينعكس الخيار هنا على أشياء كثيرة لا تقتصر على مجالات الدفاع والاقتصاد، وإنما تشمل المجالات العامة كافة، وكل ما يتصل بتحضير البلد لجولات الصراع العسكري والسياسي مع العدو القومي، ومشاريع التنمية والنهضة للخلاص من الفقر وسائر أعراض التخلف. وينقسم المشاركون في هذا النقاش عادة إلى فريقين:
الأول، يدعو إلى إعطاء الدفاع الأولوية المطلقة للدولة، وفي جعبة هذا الفريق الحجج الكثيرة التي تدعم رؤيته: إن التنمية قد تتقدم فيحقق البلد بعض المشاريع المفيدة. ولكن هذه المشاريع سوف تبقى محدودة الأثر وعرضة للانتهاك إذا ما قرر المحتل أنها تتنافى مع مشاريعه. فكيف تكون التنمية عندما يحدد المحتل لسكان المناطق المحتلة، بل حتى للبلدان المجاورة، كمية المياه التي يستخدمونها، وإذا كان ممسكاً بتجارتهم الخارجية وإذا كان مستعداً للاستحواذ على ما يراه مناسباً له في أية لحظة يشاء؟
الثاني، يدعو إلى إعطاء الأولوية للتنمية. فبالتنمية تتمكن الدول المعرضة للعدوان من مراكمة إمكاناتها الدفاعية، ومن تحصين استقلالها ضد الذين يهددونه. ألم يستطع بلد صغير مثل سنغافورة من حماية نفسه من التهديدات الخارجية عبر مشاريع التنمية؟ ألم يتمكن البلد الصغير من بناء جيش قوي ورادع نتيجة سياسة التنمية المتفوقة التي طبقها؟ أليست التنمية السريعة والمستدامة طريقاً لاكتساب احترام المجتمع الدولي ولترسيخ شرعية الدولة وسيادتها؟
تبدو الدعوة إلى تحديد الأولويات في محلها، فالدولة تحتاج إلى الوضوح في الخيارات حتى تبني استراتيجيات ناجحة. ولكن الوضوح في الأولويات لا يعني بالضرورة أن يكون على الدولة، أو الكيان السياسي اختيار هدف التنمية، أو التحرير. وحتى إذا صح هذا الموقف، فإن هذه الدعوة قد تتحول إلى ضرب من ضروب الشعوذة السياسية عندما تستخدم لغرض مناف للمصالح العامة. فإعطاء الدفاع الأولوية المطلقة تحول، في بعض الدول، إلى وسيلة لتمكين المؤسسة الأمنية من التحكم في كافة مفاصل الدولة والمجتمع وحماية النظم الأوتوقراطية. وإعطاء الأولوية للتنمية تتحول إلى وسيلة لترسيخ الاحتلال وتجميله عبر إنجازات محدودة القيمة والفاعلية. وقد استخدم «الإسرائيليون» هذه الوسيلة أداة مفضلة لخداع المجتمع الدولي عبر الترويج لاستبدال التنمية والتحرير معاً بفرضية «تحسين نوعية العيش» في ظل الاحتلال.
وبعيداً عن هذه المسالك والمعايير المغلوطة، وجدت لجنة «الاسكوا» التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، أنه من الممكن بناء مشاريع تنموية تعبّد الطريق أمام التحرير، وأن يكون الاقتراب من هدف التحرر تدرجاً على طريق التنمية. وسعياً وراء إعداد الأطر الفكرية والأدوات المعرفية المناسبة لهذا الغرض، فقد استحدثت شعبة القضايا الناشئة والنزاعات التي تضم قسم النزاعات والاحتلال والتنمية. ونظمت «الاسكوا» عدداً من المؤتمرات والاجتماعات والمحاضرات التي توخت إجلاء قضية العلاقة بين التنمية والتحرير، فكان آخرها مؤتمر انعقد في عمان خلال شهر مايو/أيار الفائت بغرض مناقشة قاطرات نتائج وردود الفعل على النزاعات المتمادية في المنطقة العربية
جمع المؤتمر عدداً من الخبراء والخبيرات في المجالات ذات الصلة بموضوع المؤتمر من دول عربية وأجنبية. واستأثر موضوع القاطرة ببعض الاهتمام، فأكثر محفزات ونتائج الصراع هي ذات طابع إقليمي، فالبطالة مثلاً، خصوصاً بطالة الشباب، هي مشكلة إقليمية وليست محصورة في بلد عربي أو شرق أوسطي معين.
فحركة الاحتجاج التي بدأت في تونس سرعان ما انتشرت في سائر أنحاء المنطقة العربية. وانتقال هذه الحركة من انتفاضة ضد النخبة السياسية الحاكمة التونسية إلى انتفاضة ضد النظام السياسي في ظل شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، تحول إلى تحرك عم العديد من الأقطار العربية. وانتشار التداول في معضلة التفاوت الكبير والمتنامي في المداخيل بين الفئات الاجتماعية المختلفة، تزامن مع التداول بشأن التفاوت في المداخيل بين دول المنطقة.
وكما تتسم المعضلات بالبعد الإقليمي، فإن الحلول تتسم أيضاً بالطابع الإقليمي. فالتنمية الاقتصادية تحتاج إلى التعاون بين دول المنطقة، وضبط النزاعات يحتاج إلى تفاهم إقليمي لئلا تخرقه الدول المتجاورة. وتحقيق الإصلاح السياسي يتطلب تشكيل قوات إقليمية تساعد على تأمين الاستقرار والهدوء، وتوفر مظلة أمان لكي يتولى المواطنون وضع أسس استعادة الدولة التي افتقدوها نتيجة الصراعات المسلحة.
وكان لافتاً على هذا الصعيد، التقارير التي قدمت في المؤتمر حول تجربة إفريقيا في هذا المضمار. فالدول الإفريقية سعت إلى حصر ردود الفعل على الاضطرابات والمصاعب السياسية التي تجتازها القارة في نطاق إقليمي. وعملت هذه الدول، خلافاً للدول و«القاطرات» العربية، على تقليص مساحة التدخل الأجنبي إلى ابعد حد ممكن.
وفي هذا السياق استحدثت المنظمات الإقليمية الإفريقية، انطلاقاً من الاتحاد الإفريقي ومروراً بالمنظمات الاقليمية الفرعية، قوات تدخل لضبط النزاعات والاضطرابات المسلحة، وآليات للإنذار المبكر التي تتولى رصد التوترات المحدودة، وتقديم اقتراحات بصدد ضبطها ولجمها قبل أن تتحول إلى نزاعات مسلحة على نطاق الأقطار والقارة. وبينت هذه التقارير النجاح الذي حققه الاتحاد الإفريقي في الانتقال من منظمة محدودة الفعالية، شكلية الطابع، إلى فاعل إقليمي ذي وزن ومكانة.
أخذاً في الاعتبار هذه التجربة، وغيرها بالطبع من التجارب المتعددة في مجال التعاون الإقليمي، تضمنت المقترحات التي توصل إليها المؤتمر الدعوة إلى توطيد الثقة بين المواطنين والحكومات، وبين حكومات المنطقة العربية.
إن هذه الدعوة لا تحتاج إلى ابتداع أطر إقليمية جديدة للعمل والتعاون بين حكومات المنطقة، فهناك جامعة الدول العربية والمنظمات الفرعية والإقليمية التابعة لها، وهناك لجنة «اسكوا» التي باتت تضم عدداً متزايداً من الدول العربية، وهناك عدد من المنظمات الدولية التي تعمل على نطاق إقليمي عربي، وهناك عدد كبير من منظمات المجتمع المدني العربي، وأهمها الاتحاد العام لغرف الزراعة والصناعة والتجارة العربية. كل هذه تشكل ركائز للنظام الإقليمي العربي. ولكن هذا النظام يحتاج إلى قاطرة تبدو متوقفة عن العمل في الظروف الحالية. وحتى تعاود هذه القاطرة سيرها، فإن النزاعات سوف تستمر في حالها المتمادي والكارثي.

* كاتب وباحث في العلاقات الدولية والإقليمية/”الخليج”