الرئيسية / وجهات نظر / المؤسسات الاقتصادية الليبية وضرورة احترام استقلاليتها
Abdulmagid-Breish

المؤسسات الاقتصادية الليبية وضرورة احترام استقلاليتها

بقلم: عبدالمجيد بريش*

محزن أن تتصدر بلادنا عناوين الأخبار حول العالم في أنباء تذكرها بما لا تستحق، فليبيا تقف ممزقة ما بين فصائل تتناحر على السيطرة على البلاد. وأوجد المتطرفون لأنفسهم موطئ قدم بين جنبات هذا الوطن. وباتت عصابات تهريب اللاجئين تباشر أعمالها من شواطئنا لتزيد من حدة أزمة المهاجرين في أوروبا، فهي تتحمل المسؤولية عن حصد آلاف الأرواح لرجال ونساء وأطفال قضوا نحبهم في مياه البحر المتوسط. ولهذا السبب، فإن المحادثات الجارية تحت رعاية الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة ليبية، في غاية الأهمية، ليس فقط من أجل وطننا وأبنائه، وإنما لمصلحة المنطقة بأكملها أيضاً.
وعلى رغم كل الانقسامات والفوضى التي سادت في السنوات القليلة الماضية، لا يزال هناك بصيص من الأمل، فللشعب الليبي تطلعات قوية لإحلال السلام والاستقرار. وكما شهد المجتمع الدولي، انعكس هذا الأمل ليس فقط في التزام المشاركين في المحادثات بإيجاد حل، وإنما أيضاً من خلال مبادرات محلية لإحلال السلام تضمنت اتفاقات لوقف إطلاق النار والسماح للنازحين بالعودة إلى ديارهم.
وتحظى ليبيا، في حال توافر الإرادة السياسة، بميزة كبرى بحكم امتلاكها للموارد المالية والطبيعية اللازمة لتأسيس دولة يسودها السلام والازدهار لجميع أبناء هذا الوطن. لذلك مهم أن تظل هذه الموارد في أيدي المؤسسات المستقلة في البلاد.
يُمسك مصرف ليبيا المركزي بزمام الرقابة على الاحتياطات الضخمة للبلاد من السيولة النقدية والذهب والعملات الأجنبية. وتشير أرقام رسمية كشِف عنها أخيراً إلى أن احتياطات العملات الصعبة لدى المصرف المركزي بلغت 76 بليون دولار مطلع عام 2015. كما أن احتياطات النفط الليبي – التي تعتلي عرش الصدارة في أفريقيا كما تحتل المرتبة التاسعة على مستوى العالم – تخضع لإدارة المؤسسة الوطنية للنفط. وتشرف المؤسسة الليبية للاستثمار على ما قيمته 67 بليون دولار من الأصول المالية المشتقة من العائدات السابقة لبيع النفط والغاز.
هذه الموارد هي الأساس الضروري لبناء مستقبل جديد للبلاد، فهي لا تعود في ملكيتها إلى أي فصيل معين وإنما الى عموم الشعب الليبي كما سبق وأقر المجتمع الدولي في بيان مشترك صدر خلال الشهر الجاري، إذ دعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين إلى الحفاظ على الثروات الطبيعية والموارد الوطنية، ومنع استغلالها في الصراع السياسي. وشددت هذه الحكومات في بيانها المشترك على الأهمية القصوى “لاستمرار استقلالية ونزاهة المؤسسات السيادية الاقتصادية والرقابية” لتنفيذ هذه الغاية وحرصاً على مستقبل البلاد.
ويلقي هذا البيان المشترك بمسؤولية ثقيلة على عاتقنا نحن القائمين على إدارة هذه المؤسسات، وهي مسؤولية نعمل جاهدين للوفاء بها. وعلى رغم كثرة الصعوبات والتحديات التي نواجهها، فإننا متمسكون بالتزامنا في إدارة الموارد الخاضعة لرقابتنا في إطار الخبرة والمعرفة المتخصصة لدى مؤسساتنا حرصاً منا على مصلحة الشعب الليبي.
هناك أمثلة لا تعد ولا تحصى من شتى أرجاء العالم تؤكد على أن اختفاء الثروة الوطنية في الدولة قد يجهض أي جهود لإعادة البناء فيها عندما تعود إلى الوحدة. ومحتم ألا تسطر ليبيا فصلاً آخر باسمها في هذا المأساة التراجيدية المؤلمة.
التزمت المؤسسات الوطنية الليبية إلى الآن بمسؤوليتها لتحقيق المصلحة الوطنية كما أقر المجتمع الدولي، إلا أن المستقبل يحمل لنا أياماً عصيبة. ومع استمرار الجهود الرامية إلى تأسيس حكومة وفاق وطني حقيقية، فإننا نشهد هجمات تطاول استقلاليتنا، فضلاً عن المحاولات التي تسعى إلى تحويل مجرى هذه الموارد الوطنية لمنفعة فصائل معينة، ولا بد من مكافحة تلك المحاولات حرصاً على مصالح البلاد.
ولهذا السبب، ضروري أن يلتزم جميع المشاركين في محادثات إحلال السلام باستقلالية مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار، على أن يقترن ذلك بضمانات تحول دون انجرار مؤسساتنا إلى أي “صراع سياسي” وفق ما طالب به البيان الدولي. ولا بد من أن تصدُر هذه الالتزامات ليس فقط من طرف الفصائل السياسية الليبية، وإنما يتعين أن تصدر أيضاً عن شركاء البلاد، سواءً كانوا حكومات أو شركات خاصة.
ومع هذه الضمانات، ستتوافر لليبيا كل الموارد اللازمة لإعادة بناء اقتصادنا ومجتمعنا الممزقين. أما من دونها، فستواجه البلاد انهياراً اقتصادياً، كما سيواجه أبناء هذا الوطن بعد طول معاناتهم مستقبلاً غائماً، فلا سبيل أمامنا إذاً لإهدار هذه الفرصة من بين أيدينا.
* رئيس مجلس الإدارة المدير التنفيذي للمؤسسة الليبية للاستثمار/”الحياة”