الرئيسية / وجهات نظر / العرب والغرب… وحكم التاريخ
b4e01417333093e1bcca76cd45e145a7

العرب والغرب… وحكم التاريخ

لا يعتبر تحيز الغرب خدمة لذاته وخطأ فادحاً فحسب، ولكن من الواضح أيضاً أنه أمر مثير للضجر. قبل بضعة أسابيع على سبيل المثال، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» رثاءً مطولاً لأحد المفكرين البريطانيين يشير فيه بوضوح إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه أوروبا على طريق التراجع، كان العالم يشهد نهاية الليبرالية. ويضيف الكاتب «في القرن التاسع عشر، تمخضت أوروبا فولدت النموذج الليبرالي والديموقراطية والحريات المصاحبة، وانتشرت هذه القيم من أرجاء القارة العجوز، وترسخت جذورها في بقية العالم». ويتابع «وعلى رغم ذلك نرى اليوم دور أوروبا في العالم كمراقب ووكيل للمدنية في حالة خسوف وانحسار بسبب قوى إقليمية ناشئة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وقد أضحت الليبرالية والديموقراطية في خطر».
ولعل الوجه الآخر لما كتبه هذا المفكر البريطاني هو ترويج أسطورة أن «أوروبا هي مهد الحضارة»، وهي التي تؤسس بالمثل لمفاهيم مزعجة وتدعو للضجر، وقد تُصور العرب والمسلمين على أنهم قادمون من حضارة أخرى أكثر عنفاً وأقل تعقلاً واهتماماً بحياة الإنسان.
ولا يقتصر مناصرو هذه الرؤية فقط على المجموعة المخيفة من المصابين بـ«الإسلاموفوبيا»، الذين يهيمنون على اليمين المتطرف، وإنما يشملون أيضاً من يسمون بالمفكرين من أمثال برنارد لويس، وحفنة المعلقين الإعلاميين من اليمين واليسار، الذين يملأون الأثير بالمحاكمات والملاحظات المتعصبة عن دول الشرق الأوسط وشعوبها.
ولا تعني مجافاة هذين المفهومين للمنطق أن يتم وقف استخدامهما بصورة متكررة في المحافل الأكاديمية والسياسية، فخلال الأسبوع الماضي فقط، تعرضت لجرعة زائدة من هذا الهراء المتحيز في مؤتمر عما يسمى بـ«الربيع العربي». وفوجئت بمتحدث أثار غضبي وحفيظتي بينما كان يصف منطقة الشرق الأوسط بأنها «معقل للكره» و«محور لعدم الاستقرار»، ولم تعرف شيئاً خلال القرن الماضي سوى الصراع.
واستطرد قائلاً: «لقد حاول الغرب مساعدة المنطقة، ولكن دعمه قوبل بالرفض، ما دفعه إلى الاستسلام لليأس»، مشيراً إلى أن أفضل ما يمكن للغرب فعله في الوقت الراهن هو احتواء حالة عدم الاستقرار وسفك الدماء، مع تواصل أعمال العنف في أرجاء العالم العربي.
وهناك بالطبع كثير من الاعتراضات التي يمكن طرحها في مواجهة هذا التوجه الفكري المتعصب، الذي يؤمن، أولاً وقبل كل شيء، بفكرة أن العالم يمكن النظر إليه على أنه عامر بأهل الغرب المستنيرين في أحد جوانبه، ومأهول بالشرق المظلم والمضطرب في الجانب الآخر.
ولكن حسب تقديراتي، في القرن الماضي وحده، كانت القارة الأوروبية أيضاً فريسة للكراهية والصراعات الدموية، فأثناء تلك الفترة فقط حصدت الحروب الكبرى والصراعات أرواح ما يربو على 100 مليون شخص.
وكانت القارة الأوروبية مسرحاً لحربين عالميتين مرعبتين، صحبتهما حملات إبادة جماعية ضد الأرمن والغجر، وكان هناك أيضاً عدد من الصراعات الأضيق نطاقاً ولكنها كانت طويلة وقاتلة في دول مثل إيرلندا وإسبانيا ويوغوسلافيا من بين حالات أخرى كثيرة.
وفي مقدمة ذلك كله، واجه الأوروبيون بكل قوة النهج التوسعي للاتحاد السوفياتي السابق، وهو ما أعقبته 50 عاماً من الحرب الباردة القمعية والوحشية أسفرت عن تفكك الاتحاد السوفياتي في النهاية.
وفي الوقت نفسه، في «أوروبا المستنيرة» – تلك التي كانت مهداً للحرية بحسب هذا الزعم – كانت القوى الأوروبية الكبرى تقوم بغزوات تؤسس لحكم إمبريالي على مساحات شاسعة من الأراضي في كل من آسيا وأفريقيا، وتنتهك حرمات سكان هاتين القارتين، الذين تعرضوا للرعب الذي حل عليهم من قبل الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين وغيرهم من القوى الاستعمارية السابقة.
والأكثر مأساوية أن نضال هذه الشعوب من أجل تحرير نفسها من هؤلاء «المحتلين المستنيرين» كثيراً ما كان عنيفاً ودموياً كما كان الاحتلال المبدئي أيضاً عنيفاً ودموياً.
وفي هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أن وصف العالم العربي خلال القرن الماضي بأنه كان «معقلاً للصراعات» غير منصف تماماً، ذلك أن ما يربو على نصف ذلك القرن قضاه العرب في القتال ضد الهيمنة الإمبريالية ومحاولة إزالة آثار هذا الحكم الاستعماري.
وفي أعقاب رحيل القوى الإمبريالية، كان على العرب في عدد من الدول الكفاح في مواجهة صور الفساد في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي فرضتها عليهم الأنظمة الغربية.
وقد كانت الدول تؤسس على حدود لا تخدم سوى مصالح القوى الاستعمارية، وبالمثل كانت بعض الأنظمة السياسية تُرسخ، والاقتصادات تُحول على نحو يلبي احتياجات الدولة المحتلة السابقة.
وعليه، كانت الصراعات خلال نصف القرن الماضي، بطرق شتى، تمثل محاولات دؤوبة لإزالة الأضرار التي حلت بكثير من المجتمعات العربية خلال نصف القرن السابق وإنشاء نظام سياسي جديد يحل محل ذلك الذي فرضته القوى الاستعمارية.
وبعد التأصيل لجُرم الغرب الذي كان سبباً في جزء كبير في الفوضى الحالية في العالم العربي، يجب الإقرار أيضاً بأن العرب يقع على عاتقهم كثير من اللوم، إذ يمكنهم خيار المضي قدماً في مواصلة كيل الاتهامات للآخرين، بقدر ما يمكنهم أيضاً محاولة تحمل مسؤولياتهم بأنفسهم من أجل تحسين منطقتهم وفتح أنظمتهم السياسية والاقتصادية وإرساء شعور المواطنة التي تمكنهم من بناء مجتمعات عادلة وشاملة.
“السفير”