الرئيسية / وجهات نظر / الأزمة الليبية والتفاؤل المحبط

الأزمة الليبية والتفاؤل المحبط

بقلم: حسن السوسي*

يبدو أن الأمم المتحدة قد استشعرت، أخيرا، خطورة الأوضاع في ليبيا بعد الاختراقات الواسعة التي حققها تنظيم داعش في عدد من مناطق البلاد، لذلك أشرفت على اجتماع جديد للحوار في المغرب وصفته بالحاسم في مسار الحوار الوطني الليبي، في سبيل العمل على الخروج من أزمة الاقتتال الداخلي والرسو على شاطئ أمان حكومة وحدة وطنية يقول الجميع إنه يرغب في تشكيلها، ولو أن الشروط التي تطرحها الأطراف المتنازعة، إلى الأمس القريب، تحول هي ذاتها، وربما قبل غيرها، دون تحقيق هذه الغاية المعلنة في مختلف محطّات الحوار الوطني الليبي.
طرحت الأمم المتحدة على أطراف الأزمة في اجتماع الصخيرات، بالمغرب، مسودة الحل التي تم التوصل إليها انطلاقا من نظرة تحاول التوفيق بين مواقف الأطراف المتنازعة بما يؤمّن الخروج من دائرة الاحتراب والمضي قدما نحو حسم سياسي يضع أسس الحل على سكة التنفيذ دون انتظار. لأن أي تأجيل لهذا الحسم يعني التضحية بإمكانيات الحل، المقبول لدى جميع الأطراف. بالتالي توفير المناخ الملائم لتمدد داعش والقضاء على فرص الحل السياسي في الزمن المنظور أولا وتكريس تفتت ليبيا النهائي في آخر المطاف.
وإذا صدقت النوايا وتم العمل على تنفيذ ما هو معلن من أطراف النزاع الأساسيين وخاصة ما يسمى حكومة وبرلمان طرابلس والحكومة الشرعية المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، فإن هذا دليل على أن الشعور بخطر تنظيم داعش الداهم، قد نجح في تليين مواقف تلك الأطراف بما يخدم العملية السلمية في البلاد.
وقد يمهّد الطريق نحو إقامة تحالف وطني جديد في مواجهة الخطر الإرهابي الذي سيحول الجميع إلى ضحاياه إذا نجحت خطط تمدده وسيطرته على ليبيا. بل يمكن القول، أيضا، إن هذا الخطر مكّن الجميع من تصور أرضية مشتركة صلبة للعمل على خط محاربة الإرهاب في ليبيا، وهو ما ليس ممكنا دون إقامة دولة المؤسسات التي تكون قادرة على فرض احترام القانون وتوفير الاستقرار لجميع المواطنين.
ويدعو مقترح الأمم المتحدة إلى حكومة وفاق وطني لمدة عام يضطلع فيه مجلس وزراء يرأسه رئيس للوزراء وله نائبان بالسلطة التنفيذية ويكون مقره طرابلس.
كما ينص الاتفاق على أن مجلس النواب -البرلمان المنتخب في عام 2014 ومقره الآن في شرق البلاد- هو الهيئة التشريعية الوحيدة. ويدعو الاتفاق أيضا إلى مجلس للدولة ذي صفة استشارية يتألف من 120 عضوا من أعضاء برلمان طرابلس.
وإضافة إلى المديح الذي كاله مبعوث الأمم المتحدة لمسودة الاتفاق التي وضعها على طاولة حوار الأفرقاء الليبيين في المغرب، والآمال التي عقدها على النتائج المرتقبة من الحوار واعتباره اجتماع الفرصة الأخيرة، قالت السفيرة الأميركية لدى ليبيا ديبورا جونز “ما يمكنني أن أقوله هو أنه، بعد أيام قليلة ستكون لدينا فكرة واضحة جدا بشأن من يعمل من أجل السلام ومن لا يعمل وذلك سيساعدنا على تركيز جهودنا في المستقبل”.
غير أن النتيجة النهائية كانت صادمة للأمم المتحدة التي ترعى الحوار الوطني الليبي ولمختلف القوى الإقليمية والدولية التي اعتبرت أن الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى للتوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية على إثر الموقف السلبي الذي عبرت عنه حكومة عبر الله الثني والبرلمان المنتخب من مسودة الاتفاق التي عرضها ليون على القوى الليبية المتصارعة.
ونعى مراقبون مسودة الحلّ الرابعة التي قدمها مبعوث الأمم المتحدة برنادينو ليون. وأشاروا إلى أن رفض حكومة طبرق المعترف بها دوليا، لمقترحات مسودة الاتفاق، أطلق رصاصة الرحمة على المسودة التي علّقت عليها آمال كبيرة في أن تكون أرضية للحل السياسي للأزمة الليبية التي تهدد لا وحدة ليبيا فحسب وإنما أيضا دول الجوار العربي المباشر والدول الأوروبية المتاخمة لحوض البحر الأبيض المتوسط.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، عاد الحديث مجددا إلى ضرورة اللجوء إلى مواجهة تنظيم داعش عسكريا على اعتبار أن كل محاولات البحث عن حل سياسي توافقي للأزمة الليبية قد باءت بالفشل.
هذا الأمر يفرض على المجتمع الدولي الإسراع برفع الحظر عن تسليح الجيش الوطني الليبي ودعمه بمختلف الوسائل المادية والعسكرية.
وتتهم مليشيات فجر ليبيا وحكومة طرابلس، التي تشكلت بدعم واضح وصريح منها وبرلمانها المنتهية ولايته، بأنهما يشكّلان ضلعا رئيسيا في الأزمة المتواصلة في ليبيا.
وبالتالي، على المجتمع الدولي، حسب موقف حكومة عبد الله الثني، أن يكون حاسما في موقفه وأن لا يضع على نفس المستوى، في العملية السياسية، الحكومة الشرعية المعترف بها والحكومة التي نصبتها مليشيات فجر ليبيا والجماعات المسلحة المتمردة الأخرى والتي تدور في فلكها وتدعمها على الأرض والتي فتحت المجال واسعا لظهور تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيمات أخرى لا تقلّ خطورة.
ولم تتردد الحكومة الليبية المعترف بها دوليا من التحذير من “أن المؤسسات والمنشآت النفطية القريبة من سرت باتت تواجه خطر التعرض لهجمات يشنها تنظيم الدولة الإسلامية ”.
ودفع هذا الوضع بالعميد ركن مسعود رحومة مفتاح، وزير الدفاع في الحكومة الليبية، إلى توقع تحرك عسكري إقليمي لدرء خطر داعش. وأكد وزير الدفاع الليبي، في تصريحات سابقة لـ”العرب”، أن هذا لن يتم إلا بموافقة الحكومة الليبية الشرعية”.
من جهتهم، أعرب وزراء دفاع عشر دول متوسطية اجتمعوا، مؤخّرا، في تونس عن “دعمهم التام للمبادرة” الأممية، حسب ما أعلن وزير الدفاع الفرنسي جان ايف لودريان، الذي قال إن”من يعتقدون أن هناك حلا عسكريا (في ليبيا) يسهلون الطريق أمام تنظيم داعش الذي لا يطلب سوى ذلك”.
وعلى ضوء التجاذبات السياسة والعمليات العسكرية الميدانية، لا يبدو أن هناك حلاّ قادما في الأفق الليبية، بل إن المتابع للملف الليبي لا يرى سوى أطرافا متنازعة لم تصل بعد إلى قناعة راسخة بأن استمرار الاقتتال والتنازع بين الشرعيات لن ينتج عنهما أي حل سياسي وإنما يفتحان الأبواب أما الإرهاب من جهة ومن جهة أخرى أمام كل القوى الإقليمية والدولية التي لديها المصلحة الآنية أو بعيدة المدى، في استمرار نيران الأزمة مشتعلة في البلاد إلى أن يصبح مستحيلا على أي كان القيام بعملية إنقاذ جدية لأن أوانها قد فات.

*كاتب صحفي/”العرب”

loading...